العنوان هل بدأت نهاية المأساة الأفغانية؟ تداعيات سقوط الشمال بيد «طالبان»
الكاتب مطيع الله تائب
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997
مشاهدات 74
نشر في العدد 1252
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 03-يونيو-1997
- دول آسيا الوسطى: تشديد إجراءات الأمن الحدودية خوفًا من نزوح لاجئين
- باكستان: لا خوف من تصدير أفكار طالبان للدول المجاورة
- إيران: نحذر من التدخل الأجنبي ونطلب تشكيل حكومة تضم مختلف الفصائل
- الهند: مراقبة الموقف عن كثب.. ولا نعترف بالحكومات ولكن بالدول
قبل خمس سنوات تمرد الجنرال الأوزبكي عبد الرشيد دوستم على الرئيس نجيب الله ووقف بجانب المجاهدين، ومهد بهذه الخطوة مقدمات سقوط الحكم الشيوعي في أفغانستان واليوم يشهد معترك الصراع الأفغاني عودة السيناريو نفسه حينما خرج الجنرال عبد الملك على قائده دوستم وغير ولاءه إلى حركة طالبان، وهو أمر من الممكن أن يقود إلى بسط نفوذ طالبان على جميع الأراضي الأفغانية قريبًا، تحدث هذه التطورات المفاجئة في حين تبرز أهمية أفغانستان كمعبر أساسي لأنابيب النفط والغاز من آسيا الوسطى نحو الجنوب، وتتنافس الشركات العالمية على تنفيذ مشاريع جبارة في هذا المجال، ومع كل ما حدث ويحدث على الصعيدين الداخلي والإقليمي يبقى السؤال العالق في الأذهان: هل بإمكان طالبان تحقيق السلام الشامل في أفغانستان بعد بسط النفوذ العسكري على جميع أنحاء البلاد؟
منذ أن سقطت ولاية هيراما بيد حركة طالبان في سبتمبر ١٩٩٥م وحتى مايو ١٩٩٧م لم تتمكن قوات طالبان من التقدم من جهة «بادغيس» نحو معاقل دوستم في الشمال، وشهدت هذه المناطق معارك ضارية بين الطرفين دون تحقيق أي تقدم عسكري ملموس، ثم حدثت مفاجآت مكنت قوات طالبان من السيطرة على جميع مناطق دوستم خلال أقل من أسبوع.. كيف حدث كل هذا؟
تشكلت حركة النهضة القومية في شمال أفغانستان بقيادة الجنرال دوستم عام ۱۹۹۲م من مجموعات متعددة ذات خلفيات عقدية وعرقية مختلفة فيها المليشيات التي كانت تدعم الحكومة الشيوعية ضد المجاهدين، وفيها قادة ميدانيون من أحزاب جهادية مع خليط من عناصر شيوعية، ومع مرور الوقت استطاع الشيوعيون ولا سيما جناح برشم احتواء دوستم والاستيلاء على مقاليد الحكم، وتحجيم دور بقية التكتلات والمجموعات، مما أدى إلى بروز صراعات خفية على بسط النفوذ بين هذه الأجنحة، غير أن هذه الصراعات أخذت منحى خطيرًا حينما اتهم دوستم باغتيال نائبه العسكري رسول بهلوان في العام الماضي وكان من أقوى منافسي دوستم داخل الحركة.
وحاول دوستم من جديد احتواء المشكلة بتعيين «جل بهلوان» شقيق رسول بهلوان نائبًا عسكريًا له، وعبد الملك الشقيق الآخر لرسول بهلوان مسؤولاً عن الشؤون الخارجية في النهضة القومية، غير أن الخلافات كانت تطبخ على نار هادئة وصلت حد الانفجار يوم ۱۹ مايو الماضي حينما أعلن عبد الملك وأخوه جل بهلوان تمردهما على دوستم وخلال خمسة أيام تمكنا بالتعاون مع طالبان من السيطرة على جميع مناطق دوستم الذي آثر الفرار إلى تركيا، حيث عقد مؤتمرًا صحفيًا يوم ٢٥/ ٥ وعد فيه بمواصلة جهوده للعودة مرة أخرى.
ولم ينس عبد الملك في تبرير تمرده على دوستم أن يذكر أن دوستم كان شيوعيًا يعرقل عودة السلام إلى البلد، وطالب بمحاكمته ووعد بأن يعمل مع حلفائه من طالبان، لتطبيق الشريعة الإسلامية عبر تشكيل حكومة موسعة تمثل جميع الشعب الأفغاني.
وإذا كانت دوافع عبد الملك للتمرد على دوستم مفهومة إلى حد بعيد على المستوى الداخلي إلا أن هناك عوامل خارجية تفسر ما أقدم عليه عبد الملك في هذا الوقت بالذات تجدر الإشارة إليها.
قام الجنرال عبد الملك بتمرده ضد دوستم في ١٩/ ٥ أي بعد أربعة أيام من توقيع باكستان على اتفاقية مع تركمانستان تقضي بنقل النفط والغاز التركماني إلى باكستان والأسواق العالمية عبر أفغانستان، وتقوم شركة «يونوكال» الأمريكية مع شريكتها «دلتا» بتنفيذ المشروعين اللذين تصل تكلفة كل واحد منهما إلى ٢.٥ مليار دولار، ويمتد أنبوب الغاز بطول ۱۳۰۰ كيلو مترًا من تركمانستان مرورًا بغرب أفغانستان إلى مدينة ملتان الباكستانية وينقل ٢٠ مليار متر مكعب من الغاز سنويًا بقيمة ۱.۹ مليار دولار
أما أنبوب النفط الذي يمتد من تركمانستان إلى ميناء غوادر الباكستانية فيصل طوله إلى ۱۷۰۰ كيلو مترًا، بطاقة استيعابية قدرها ٥٠ مليون طنًا من النفط الخام.
ولا شك أن تنفيذ مثل هذا المشروع يتطلب أساسًا استقرارًا تامًا في أفغانستان، وقبل هذا دولة معترفًا بها دوليًا تعيش في سلام مع جيرانها. فالسلام في أفغانستان أصبح مطلبًا عالميًا وإقليميًا يحقق الأهداف الاقتصادية والسياسية لجهات تسعى إلى إنهاء الأزمة في مثل هذا التوقيت.
ويحمل تنفيذ مشاريع النفط والغاز هذه في طياته أهدافًا سياسية منها عرقلة جهود إيران لفتح معبر اقتصادي بين آسيا الوسطى والجنوب عبر الأراضي الإيرانية، وتحجيم دور إيران في المنطقة، ومقاومة نفوذها في أفغانستان وآسيا الوسطى، ومن الجانب الآخر إبعاد روسيا عن آسيا الوسطى سياسيًا واقتصاديًا مع مرور الزمان.
لقد تمكنت قوات طالبان حتى كتابة هذا التقرير من السيطرة على ٢٦ ولاية من ولايات أفغانستان الثلاثين، ولم يبق سوى ثلاث ولايات في الشمال الشرقي، حيث معقل القائد مسعود والقوات الموالية للرئيس السابق رباني، وولاية باميان التي يديرها حزب الوحدة الشيعي في وسط أفغانستان، وقد لا تجد قوات طالبان صعوبة بالغة في السيطرة على ١٠% الباقية من الأراضي الأفغانية نظرًا للحالة النفسية التي أوجدتها التطورات الأخيرة لدى معارضي طالبان.
كانت آثار سقوط الشمال بارزة على المستوى الإقليمي، حينما بادرت باكستان بالاعتراف بحكومة طالبان رسميًا، وطالبت دول العالم والأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي بالاعتراف بدولة طالبان وقد تجد دعوة باكستان هذه استجابة لدى دول عديدة بما فيها الدول الغربية التي طالما اعترضت على ممارسات طالبان وتصوراتهم تجاه المرأة وحقوق الإنسان، وإذا كسبت حكومة طالبان اعترافًا دوليًا وهو ما بدأ في الحدوث، حيث اعترفت بها السعودية وباكستان، فقد لا تجد الدول المعادية لها طريقًا إلا التعامل معها من منطلق الأمر الواقع مثل روسيا وإيران وأوزبكستان وطاجيكستان، وهذا بحد ذاته يمكنها من تحديد نشاطات المجموعات المعارضة، ولا سيما إذا تمكنت حكومة طالبان من طمأنة هذه الدول بعدم التدخل في أمورها وعدم القيام بتصدير أفكارها إلى آسيا الوسطى وروسيا.
وعلى الصعيد الداخلي ما زالت عودة السلام مرهونة بكيفية تعامل طالبان مع قيادات الشمال والعرقيات الموجودة هناك، وهل تسعى الحركة لإشراك أولئك الذين ساعدوهم على فتح الشمال في الحكم، وكيف تدير الحركة تلك المناطق دون إثارة حساسيات، ولا شك أن طالبان قدمت الأمن لسكان المناطق التي حكمتها وبصفة خاصة العاصمة غير أن الوصول إلى سلام شامل يحقق الأمن والرخاء والازدهار يتطلب الكثير، وقد أبدى بعض المراقبين تخوفهم من أن تنقلب الأمور في الشمال إذا لم تظهر طالبان مرونة في التعامل مع قيادات الانقلاب ضد دوستم في كيفية إدارة تلك المناطق، وكان أمير المؤمنين ملا محمد عمر قد عين ملا عبد الرزاق مسؤولاً عن الشمال، وعين في الوقت نفسه الجنرال عبد الملك نائبًا لوزير الخارجية.
وعلمت المجتمع من مصادر مقربة من عبد الملك أن هذا التعيين لا يتناسب وحجم ما قدمه عبد الملك لحركة طالبان من توفير مقدمات سقوط الشمال، وقد لا يقبل به عبد الملك أساسًا، وإذا ما حاولت طالبان السير في سياساتها دون حلفائها الجدد فمن الممكن جدًا نشوب معارك جديدة في الشمال.
لكن من المستبعد أن لا تفطن قيادات طالبان إلى هذه النقطة الحساسة، ولا تبادر لنزع فتيل المعارك في الشمال قبل أن تدخل أفغانستان إلى فصل جديد من المأساة التي استمرت ٢٠ سنة وتنهار أحلام السلام التي انتظر الشعب الأفغاني تحقيقها طويلًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل