العنوان تحية عطرة للقائمين بالشهادة على الناس
الكاتب الدكتور أحمد العسال
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1996
مشاهدات 84
نشر في العدد 1192
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 19-مارس-1996
إن القيام بالشهادة على الناس هو مقام النبيين والمرسلين، ليبلغوا رسالات ربهم ويأخذوا بيد الناس إلى طريق الحق وإلى الصراط المستقيم، إلى عبادة الله وحده والعيش في كنف شريعته والاستقلال برحمته وعدله، وهو مقام اصطفى الله له الأنبياء والمرسلين من لدن آدم إلى خاتمهم "محمد"- صلى الله عليه وسلم-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 33، 34).
وفي الحديث عن "النبي"- صلى الله عليه وسلم-: «إن الله اصطفى من ولد آدم كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش عدنان، واصطفى من عدنان إسماعيل، واصطفاني من ولد إسماعيل، فأنا خيار من خيار من خيار»، وفى الحديث الآخر: «أنا دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام».
وقد أقام الله الشهادة والبينة على توحيده وإبداعه ومعه الملائكة والنبيون فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (آل عمران: 18)، وجعل الله الأنبياء شهداء على أقوامهم: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾(النساء: 41) وقال سيدنا "عيسى" - عليه السلام - لربه - سبحانه وتعالى - حين سأله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: ١١٦، ١١٧).
وقال الله عن خاتم الأنبياء "محمد"- صلى الله عليه وسلم-: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤٥، ٤٦)، وجعل الله أمة الإسلام هي القائمة بالرسالة الخاتمة والرحمة الدائمة العالمين والشهادة الماضية إلى يوم الدين فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: ١٤٣).
ومن هنا جعل الله عز وجل شريعته وسطاً وعدلًا وخيارًا في كل أمر تبتعد عن الإفراط والتفريط، وعن الغلو والتقصير، فلا تقصر تقصير اليهود، ولا تغالي غلو النصارى.. وجعلها شريعة سمحة ميسرة لا حرج فيها ولا عنت، وكانت الوسطية والتيسير هي العلة أو هي الأساس للقيام بالشهادة على الناس، كما قال الإمام "محمد عبده"- رحمه الله-: وإذا كان الأنبياء والمرسلون اختارهم الله على عينه وصنعهم لنفسه، فكذلك من يوفقهم الله ويختارهم ليكونوا في هذا المقام العظيم فيبلغوا عن الله رسالته ويذودوا عن الحق في دنيا الناس، ويثبتوهم على الطريق المستقيم، فالله عز وجل هو الذي يجتبي ويختار من يقف للحق بين الناس؛ فقد ورد في الحديث الشريف: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وكما أن الأنبياء خلصت نياتهم وصفت نفوسهم فهم لا يبتغون من الخلق والعباد جزاء ولا شكورًا، إنما أجرهم على الله، فكذلك القائمون بالشهادة على الناس، فالدنيا خلف ظهورهم ودبر آذانهم، إنما يرجون تجارة لن تبور، يرجون الجزاء الأولى والثواب المقيم في الفردوس الأعلى عند رب العالمين، لذلك فهم وإن حصل لهم في الدنيا بعض المخاوف وقلة الأمان من اجتراء الظالمين وعسف المستبدين، فالنداء الخالد يطمئنهم ويدفئ قلوبهم، يقول لهم من فوق سبع سماوات:﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (فصلت: 30- 32).
إن شرف القيام بالشهادة سواء صدعًا بكلمة الحق، أو ثباتًا أمام الباطل مقام عظيم؛ لأنه يستنبت الخير بين الناس، ويكفكف غلواء الظالمين وعسف المستبدين، ويثبت المؤمنين، ويشيع أنوار الحق بينهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور؛ ذلك أنهم الأدلاء على الله عز وجل وسلطانه ورحمته وعدله ورضوانه، فهم الحجة على الخلق.. وهم الأمل للناس، وعملهم باق، وذكرهم دائم، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17).
فتحية عطرة لكل صاحب قلم أو صاحب موقف يذود فيه عن الحق أينما كان وحيثما وجد، وتحية للإخوة الأحباب الكرام خلف الأسوار الذين تجردوا للحق وخلصوا للإسلام، وتحملوا المكاره في سبيل الله وحيل بينهم وبين أهليهم وذويهم، وحرموا المرقد الوثير والأكل الهنيء والنظر إلى الابن والابنة في اليوم الكريم.
إن الله عز وجل باختياره سجن سيدنا "يوسف" -عليه السلام، ومرض سيدنا "أيوب" -عليه السلام، ورحلة سيدنا "موسى" -عليه السلام - إلى مدين، وهجرة "جعفر"- رضي الله عنه- وإخوانه إلى "الحبشة" حتى فتح "خيبر"، ثم هجرة الأصحاب مع نبيهم "المصطفى"- صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة إنما يريد لعباده والقائمين بالشهادة أن يؤهلهم ويزكيهم، فأبشروا وأملوا، وإن الله عز وجل بفضله ورحمته لن يضيع عمل العاملين ولا جهد المجاهدين، وصدق الله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ (آل عمران: ١٩٥).
«*» نائب رئيس الجامعة الإسلامية العالمية" بإسلام آباد".