; تحولات في البلقان تلقى بظلالها على البوسنة | مجلة المجتمع

العنوان تحولات في البلقان تلقى بظلالها على البوسنة

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-2000

مشاهدات 68

نشر في العدد 1392

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 14-مارس-2000

  • صربيا وكرواتيا تعيشان أخطار حرب أهلية، وضغوط أمريكية لإعادة تنظيم هياكل دايتون.

  •  تقارب كرواتي بوسني، تدافع فرنسي أمريكي. وديكتاتورية صربية تؤدي إلى تفتت يوغسلافيا.

في الثامن عشر من شهر فبراير الماضي تجمع في العاصمة الكرواتية زغرب (٧٠) ممثلًا عن (٧٠) دولة من بينهم (۱۲) رئيسًا في مقدمتهم علي عزت بيجوفيتش رئيس البوسنة والهرسك، كانت المناسبة حضور حفل تنصيب الرئيس الكرواتي الجديد ستيب ميسيتش، قد يكون أسعدهم على الإطلاق الرئيس البوسني على عزت الذي أعرب عن ارتياحه العميق لهزيمة (الحزب الاتحادي الديمقراطي الكرواتي) H.D.Z  في الانتخابات العامة التي جرت في كرواتيا في يناير من العام الجاري، وصعود صديقه ستيب ميسيتش لقمة الهرم السياسي في كرواتيا.

الأخير صديق حميم لعلي عزت وخصم لدود للهالك «فرانيو توجمان» الرئيس السابق لكرواتيا الذي ظل يعمل لتقسيم البوسنة والهرسك إلى أن افترسه السرطان المعوي بعد حرب ضروس، طحنت توجمان بعد (٣٠) يومًا صارع فيها الموت داخل المستشفى، ثم استسلم للقدر، مدمي الأنف، خائب الأمل، متسريل بالهزيمة، مفعم بالحسرة، فأراح البوسنة وكرواتيا من دعواه المنتنة، تاركًا للبلدين مطلق الحرية في استنشاق هواء جديد نقي يخدم صالح البلدين الجارين، وهذا ما قاله ستيب لعلي عزت «الآن تستطيع أن نتفق».

تركة توجهان:

تقف في وجه العلاقات البوسنية الكرواتية وعوامل تحسنها بعض المعوقات والعراقيل التي ورثها البلدان عن سياسة توجمان وحزبه، ومن ذلك الجمارك على الحدود الكرواتية البوسنية التي سيطر بفعلها الكروات على جانب كبير من الاقتصاد البوسنوي، وأرهقوا الخزينة البوسنية من خلال إعفاء الكروات البوسنيين من الضرائب، ومساعدتهم على تهريب البضائع عبر الحدود إلى البوسنة والهرسك بدون دفع الضريبة الجمركية للحكومة المركزية في البوسنة، وهو ما يكلف البوسنة خسائر تقدر باثني عشر مليون دولار سنويًا، العقبة الثانية هي عقبة الجيش الذي يضم جنرالات موالين لتوجمان وحزبه، ولهم تطلعات توسعية، وقد راج داخل كرواتيا وخارجها أن الجيش يخطط لاغتيال الرئيس الكرواتي الجديد، وقد رد ستيب ميسيتش بسخرية: «كيف يكون حالهم إذ يدفنون رئيسهم الثاني خلال شهرين سيكلفهم ذلك كثيرًا بلا شك».

وقد اعتبر كثير من المراقبين أن حضور (۷۰) وزيرًا ورئيس دولة ورئيس وزراء حفل تنصيب الرئيس الجديد لكرواتيا، رسالة للجيش الكرواتي والقوميين الكروات بأنهم سيحاصرون، وستسلط عليهم عقوبات لا طاقة لهم بها، تزيد من أعباء كرواتيا الدولة الجديدة التي وصلت ديونها الخارجية خلال عشر سنوات من إنشائها إلى مليار دولار تزيد عامًا بعد عام، إلا أن الصدام داخل كرواتيا لا مفر منه بعد تخلخل بناء القوميين الكروات وانهدام واجهته السياسية، خاصة أن فتح ملف الفساد المالي، واستئثار حزب توجمان بالأموال، وإقامة البنوك الخاصة من أموال العامة- سيؤدي إلى هرج ومرج في الساحات السياسية والاقتصادية والأمنية في كرواتيا لا محالة، إضافة لتنامي النزعات الانفصالية داخل كرواتيا وخاصة في الساحل الأدرياتيكي إقليم «إسترا» الذي ينادي بالانضمام إلى إيطاليا أو الاستقلال، وكذلك المناطق السياحية في «دوبروفتيك» التي كانت دولة مستقلة في القرن الحادي عشر.

صربيا: الديمقراطية أو التخلف:

كما ذكرنا فإن الدولتين اللتين عملتا على تقسيم البوسنة والهرسك -صربيا وكرواتيا-تعيشان مخاطر انشقاقات، وانفصال، وحتى حرب أهلية انفصال سلمي في ظل الديمقراطية أو مسلح في ظل الديكتاتورية، الوضع في صربيا أكثر من مأساوي على جميع المستويات انغلاق سياسي، خطاب ديكتاتوري، انهيار اقتصادي، ومديونية تقدر بـ(٢٥) مليار دولار.

    أصبح الصرب يضيقون ذرعًا بصرب البوسنة، وصل إلى حد القتل والضرب والطرد، فصرب البوسنة الذين لجئوا إلى صربيًا بحثًا عن العمل، وحتى الطعام أصبحوا عبئًا ثقيلًا، وفي نظر الإنسان العادي طفيليات سامة، إذا اقتلعت فسوف يتحسن الوضع الاقتصادي، واعتبار حرب البوسنة مشجبًا يعلق عليه صرب صربيا مشكلاتهم، أثر تأثيرًا بالغًا في المسألة القومية الصربية، وكشف أن البعد القومي تراجع الحساب الاقتصاد، والتنمية القطرية، وأعطى لكل ذلك تعريفات ومفاهيم جديدة، صرب البوسنة ردوا على ذلك بنشر الغسيل القذر في جرائدهم وصدقت المقولة» على الباغي تدور الدوائر».

فمقتل مجرم الحرب أراكان ووزير الدفاع «بافلي بولاتوفيتش»، جعل الطبقات السياسية من عناصر الحكم والمعارضة تخشى أن يأتي الدور عليها، وأصبح السؤال المطروح في بلغراد من يكون القتيل الثالث؟ أكثر الخائفين أولئك الشاهرون سيوفهم في وسط لا يثقون به، وخشيتهم الكبرى من أن تخونهم الثقة، وذلك إلى جانب المشكلات الاقتصادية والأمنية التي وصلت إلى حد اغتصاب «الصربيات البوسنويات».

هكذا يبدو المسرح السياسي الصربي قائمًا بعد فشل المعارضة في إسقاط الديكتاتور «سلوبودان ميلوسوفيتش»، مما يعني استمرار معاناة الصرب إلى أن تحصل الكارثة، وهي حرب أهلية وانقسام يوغسلافيا، أو إقدام الغرب على التعامل مع ميلوشوفيتش كأمر واقع، وهذا ما ينظمه صدام في العراق، وميلوشوفيتش في يوغسلافيا، ففي الجبل الأسود لم يبق من الاستقلال سوى الإعلان عنه، لكن الفرصة لم تحن بعد، إلا أنها قريبة حادث واحد، أو رعونة عسكرية، يقوم بها الدكتاتور ميلوشوفيتش في الجبل الأسود، أو كوسوفا كما يهدد حاليًا، لن تفضي إلى استقلال الجبل الأسود فحسب، بل كوسوفا أيضًا، ولن يقف الأمر عند ذلك الحد، بل ستدمر صربيا وربما يقع تقسيمها.

 عقدة كوسوفسكا ميتروفيتيسا:

إذا عدنا إلى فترة حرب التحرير في كوسوفا التي خاضها الألبان ببطولة، وقدموا فيها تضحيات جسامًا، نجد في تصريحات میلوشوفيتش دعوة لتقسيم كوسوفا، وظلت صحف بلجراد تردد ذلك حتى نهاية العام الماضي، وأطماع ميلوشوفيتش تتمحور حول المناطق الغنية بالمناجم، ومنها منطقة كوسوفسكا متروفيتسا هذا يعطينا مفتاح فهم الطاحونة الدائرة حاليًا في المنطقة التي تكشف صراعًا ظاهرًا بين الصرب والألبان، وآخر خفيًا بين فرنسا والولايات المتحدة، فقد أقدمت فرنسا على طرد الألبان من المنطقة، وحالت دون عودتهم وقتلت منهم أربعة أفراد، واعتقلت (٤٩) آخرين مقابل اعتقال صربي واحد، وكان الصرب ولا يزالون راضين تمام الرضا على الفرنسيين، في حين امتلأت عليهم صدور الألبان غيظًا ومقتًا، وطالبت قياداتهم السياسية بإخراج الفرنسيين من المنطقة، فليس من المنطقي أن يرحل تسعون ألف ألباني ليهنأ تسعة آلاف صربي مشكوك في عددهم بالأمن والسلام، والمناجم، والأرض، والبيوت الألبانية والمرافق المهمة في المنطقة، بل إن المدارس والمستشفيات وجميع الخدمات البلدية والمدنية بأيدي الصرب،لكن سرعان ما تبدل الموقف بمجرد دخول الأمريكيين؛ إذ خرج الصرب في مظاهرات عنيفة ألقوا فيها الحجارة على قوات الناتو التي باشرت عليه البحث عن الأسلحة بين الصرب، وتزامن ذلك مع تصريحات في بلغراد، ومقالات في الصحف تتحدث عن قرب عودة الشرطة والجيش الصربي إلى كوسوفا، وجاء الرد حاسمًا من مقر القيادة العليا لحلف الأطلسي في بروكسل ومن الجنرال «ولي كلارك» في بريشتينا: «نحن هنا إلى أن يتوصل الألبان والصرب إلى اتفاق سياسي، وما لم يحصل ذلك فنحن باقون في المنطقة».

المراقبون لا يستبعدون أن تتولى الأمم المتحدة عملية استخراج الفحم الحجري، واستخدام المناجم الأخرى للإنفاق على الإقليم، وربما تغطية نفقاتها في كوسوفا، مما يعني البقاء إلى أجل غير معلوم في منطقة تزخر بالثروات الطبيعية، وتضم أضخم المناجم في العالم، وهذا أحد أسرار التدافع الفرنسي الأمريكي، وانحياز فرنسا إلى جانب الصرب    ودخول الولايات المتحدة على الخط، فهل يحسم استقلال كوسوفا قضية الصراع الدولي في المنطقة؟ وما هو وضع السنجق في التحولات الجيوسياسية المنتظرة؟ وهو الإقليم المقسم بين صربيا والجبل الأسود، هل سيخير الأهالي بين الدولتين فينحازون للجبل الأسود الذي يعاملهم بشكل أفضل، أو يمنحون الحكم الذاتي أو حتى الاستقلال؟ الجواب الذي تملكه هو أن الديكتاتورية تعمل دائمًا لصالح خصومها على المدى البعيد، ومنهم خصومها الخارجيون، وهذا ما يفعله میلوشوفيتش بامتياز دون أن يشغل هو بذلك، وربما خصومه أيضًا.

عودة البوسنة:

هذه التحولات ألقت بظلالها على البوسنة والهرسك، فهناك مباحثات شبه سرية -سياسية وعسكرية- لإعادة بناء البيت البوسنوي المثلث الأعضاء، فعلى الصعيد السياسي ترعى الولايات المتحدة مباحثات لتنظيم هياكل دايتون السياسية يلغي بمقتضاها التقسيم الإداري السابق (٥١% للمسلمين والكروات، و٤٩% الصرب) كما تلغي فيها الانتخابات على أساس طائفي (يتنافس فيها المرشحون من كل طائفة داخل دائرتهم الطائفية) ليصبح الانتخاب حرًا، ويختار الناخب من يريد من الشخصيات والأحزاب على أساس سياسي وبرامجي، وليس على أساس طائفي، أو غيره.

كما تجري حاليًا اجتماعات عسكرية في سراييفو وبنيالوكا بين المسلمين والصرب لتوحيد الجيشين، وتكوين جيش بوسنوي واحد، (يذكر أن الصرب طهوا أكلًا خاصًا للضباط والجنود المسلمين خاليًا من لحم الخنزير في أثناء الاجتماعات بينيالوكا) هذه التحركات الجارية على جميع الأصعدة تمهد لتقيح كبير لاتفاقية دايتون، وتعتبر فتحًا كبيرًا في حالة نجاحها، خاصة أن الولايات المتحدة ترى في ذلك حلًا لكل الخروقات التي كشفت عنها عمليات تطبيق «اتفاق دايتون»، ويلتقي ذلك مع طروحات الرئيس البوسني علي عزت وشكاوى رئيس الوزراء حارث سيلاجيتش، وتأكيدات بوش الابن الذي أعلن أنه سيغير اتفاق دايتون إذا وصل لكرسي الرئاسة عقب الانتخابات الأمريكية، وهو لا يتكلم من فراغ أو يعبر عن أمان، وإنما يتكلم بلغة المؤسسات التي لا تترك شيئًا للصدفة.

والأمر لله من قبل ومن بعد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8