العنوان تحليل سياسي: مستقبل العلاقات الإسرائيلية التركية في ظل حكومة أربكان
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أغسطس-1996
مشاهدات 71
نشر في العدد 1211
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 06-أغسطس-1996
- الغرب يطرح النظام «الشرق أوسطي» ليحل محل النظام «الإسلامي الإقليمي» وليعمل على تمييع الهوية الإسلامية.
مستقبل العلاقات الإسرائيلية التركية، وتحديدًا الاتفاق العسكري الذي أبرم بين الطرفين في شهر فبراير «شباط» الماضي، أصبح مثار تساؤل في الأوساط السياسية وبخاصة الأوساط الإسرائيلية التي تابعت بقلق وحذر تشكيل الحكومة التركية الائتلافية برئاسة زعيم حزب الرفاه الإسلامي نجم الدين أربكان.
وانطلقت المخاوف الإسرائيلية إزاء التغير في موازين القوى السياسية في تركيا باتجاهين:
الأول: خشية إسرائيل من فقدان صديق وحليف إقليمي له وزنه الفاعل والمؤثر في المنطقة، لا سيما وأن إسرائيل كانت تأمل بتشكيل تحالف إقليمي في المنطقة تشكل نواته إلى جانب تركيا .
الثاني: خشية إسرائيل من تحسن العلاقات التركية مع الدول العربية والإسلامية وبخاصة سوريا وإيران بما يؤثر سلبًا على المصالح الإسرائيلية، وكان أربكان يؤكد باستمرار قبل تشكيل الحكومة التركية أهمية توثيق علاقات تركيا بالعالم العربي والإسلامي، وعاد بعد تشكيله للحكومة ليؤكد ذلك مجددًا أثناء استقباله لوفد من وزارة الخارجية الأمريكية، حيث طالب إسرائيل بالانسحاب من الجولان، وتعهد بإقامة علاقات أوثق مع العالم العربي والإسلامي.
وقد لوحظ من خلال رد الفعل السوري على تشكيل أربكان للحكومة التركية حجم الارتياح لدى سوريا من هذا التطور الذي جرى في ظل وصول العلاقات السورية التركية إلى ذروة التأزم، وقد عبرت الصحافة السورية عن ترحيبها بتشكيل الحكومة التركية الجديدة، وقالت إن آمالًا جديدة قد ظهرت لحدوث انفراج حقيقي في العلاقات التركية مع الدول التي تحيط بها، وخاصة سوريا، كما كانت التهنئة الحارة من الرئيس السوري ورئيس الوزراء السوري لأربكان مؤشرًا على الآمال والتوقعات السورية بإمكانية تهدئة التصعيد مع تركيا، وإن كان بعض المراقبين يشككون في إمكانية حدوث تغيير كبير في الموقف التركي تجاه سوريا بسبب سيطرة حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيللر على وزارة الخارجية.
قلق إسرائيلي وردود فعل مرتبكة:
القلق والتخوف كان عنوان الموقف الإسرائيلي تجاه صعود أربكان وحزب الرفاه إلى قمة الهرم السياسي في تركيا، وقد ظهر واضحًا الارتباك والاختلاف في الأوساط السياسية الإسرائيلية في التعامل مع هذا التطور الجديد الذي لا يشك أحد أن إسرائيل آخر من كان يرغب بوقوعه.
وزارة الخارجية الإسرائيلية أصدرت بيانًا أعربت فيه عن اعتقادها بأن الحكومة التركية الجديدة ستحافظ على علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، مؤكدة أن المصالح المشتركة للجانبين لا تتغير بتغير الحكومة في إسرائيل أو تركيا، ومشيرة إلى أنها تتوقع تعاونًا مثمرًا مع أية حكومة تركية.
وحاول السفير الإسرائيلي في تركيا زفي البيليغ كذلك التقليل من تأثير تشكيل أربكان للحكومة على المصالح الإسرائيلية، وقال: إن ذلك لا يشكل خطرًا على العلاقات بين الجانبين، وتوقع أن لا تعيد تركيا النظر في اتفاق التعاون العسكري المشترك لأنه يستجيب لاحتياجات تركيا - على حد زعمه - وادعت الإذاعة الإسرائيلية أن جهات دبلوماسية إسرائيلية تجري منذ عدة أشهر اتصالات مع مسؤولين في حزب الرفاه لضمان استمرار العلاقات الإسرائيلية التركية الوثيقة.
ولكن جميع المحاولات السابقة لإخفاء حجم المخاوف الحقيقية والقلق الإسرائيلي لم تكن مقنعة للكثيرين حتى من بين الإسرائيليين، فصحيفة «يديعوت أحرونوت» رأت في ما حدث في تركيا هزة أرضية سياسية واجتماعية، أما المحلل السياسي الإسرائيلي إليكس فيشمان فأشار إلى أنه «ستصعد إلى سدة الحكم حركة إسلامية راديكالية ترى في القيم الغربية تهديدًا للمجتمع التركي وستتوجه بأنظارها نحو العالم العربي وليس إلى أوروبا أو أمريكا».
ونقلت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي قوله في معرض تعليقه على تولي أريكان لرئاسة الحكومة إن الوضع مقلق وإن أربكان «سيبذل كل ما في وسعه لتفريغ اتفاق التعاون العسكري بين بلدينا من مضمونه»، كما أشارت الإذاعة الإسرائيلية عقب تشكيل الحكومة التركية إلى أن إسرائيل توجهت عبر قنوات مختلفة في تركيا وفي دول أخرى لاستيضاح موقف الحكومة الجديدة من الاتفاق العسكري المبرم بين الجانبين.
وفي محاولة للضغط على الحكومة التركية الجديدة تتضمن شيئًا من التهديد بإمكانية تضرر المصالح التركية في حال تغير موقفها من إسرائيل، ذهبت بعض المصادر الإسرائيلية إلى الربط بين التزام تركيا بالاتفاق العسكري مع إسرائيل وبين علاقاتها مع الدول الغربية، وفي إشارة لا تخلو من التضليل قال السفير الإسرائيلي في تركيا إن أربكان «زعيم يتحلى بالبراغماتية والواقعية وبالتأكيد سيأخذ في الاعتبار أن 95% من الأتراك يريدون أن يستمر توجه بلادهم نحو الغرب»!! وهي مغالطة مقصودة ليس من الصعب إدراك مراميها، فهل أجرى السفير استفتاءً في أوساط الشعب التركي للخروج بهذه النتيجة المئوية؟ ثم إن الفوز الكاسح لحزب الرفاه الذي أكد في برامجه الانتخابية عزمه على التقارب مع العالم العربي والإسلامي، وهو ما يشكل ردًا واضحًا على المزاعم الإسرائيلية.
أربكان.. تحديات وخيارات صعبة:
ولكن بمعزل عن المخاوف الإسرائيلية، هل يستطيع رئيس الوزراء التركي الجديد إحداث تغيير دراماتيكي في العلاقات التركية - الإسرائيلية لا سيما الاتفاق العسكري المشترك؟
لا شكَّ أن خيارات أربكان في هذا الجانب صعبة جدًا وتصل إلى درجة التعقيد، وفي محاولة لاستغلال المأزق الذي يواجهه أربكان طلب نواب في حزب الوطن الأم بزعامة مسعود يلماظ من أربكان توضيح موقفه من الاتفاق العسكري التركي الإسرائيلي، وقال أحد نواب الوطن الأم في سؤال موجه لأربكان: «عندما كان في المعارضة قال رئيس الوزراء إنه سيلغي اتفاق التدريب العسكري التركي الإسرائيلي عندما يصل إلى السلطة، فهل سيلغي اتفاق التدريب العسكري؟».
إذا ما أراد أربكان أن يلغي الاتفاق العسكري مع إسرائيل فإنه سيصطدم من جهة مع الجيش التركي الذي وقعت قيادة أركانه الاتفاق دون أن يعرض على البرلمان التركي لتصديقه، وبالتالي فإن موقف الجيش التركي سيكون معارضًا لأي توجه من أربكان لإلغاء الاتفاق، ومن جهة أخرى سيصطدم أربكان مع شريكه في الائتلاف الحكومي وهو حزب الطريق القويم الذي أشارت مصادر سياسية إلى أن إسرائيل تعتمد عليه في ضمان استمرار الاتفاق، خاصة وأنه يسيطر على وزارة الدفاع، كما أشارت هذه المصادر إلى أن زعيمة الحزب تانسو تشيللر كانت قد اشترطت على أربكان أثناء مشاورات تشكيل الحكومة استمرار العلاقات مع إسرائيل وعدم التراجع عن الاتفاق العسكري المبرم معها.
وفي نفس الوقت، إذا ما أراد أربكان إبقاء الاتفاق وعدم التراجع عنه، فإن ذلك قد يؤثر على مصداقيته وعلاقاته مع الدول العربية والإسلامية، خاصة وأن سوريا وإيران هاجمتا بحدة الاتفاق التركي الإسرائيلي الذي رأتا فيه خطرًا يتهدد المنطقة، ومع أن المعادلة صعبة ومعقدة، والخيارات ضيقة، وهامش المناورة محدود للغاية، فإن كثيرًا من المراقبين يتوقعون نجاح أربكان في تجاوز المأزق، فهو قد لا يلجأ إلى اتخاذ خطوة جذرية باتجاه إلغاء الاتفاق، ولكنه يملك تفريغه من مضامينه، وترجمته بمستوى منخفض، وهو ما رجحه المحلل الإسرائيلي فيشمان الذي أظهر تشاؤمًا بالغًا إزاء سيطرة أربكان وحزب الرفاه على مقاليد السلطة في تركيا.
مطلوب من الأوساط العربية والإسلامية المختلفة أن تقدر دقة الظروف وحجم الضغوط التي تواجه حزب الرفاه في موقعه الجديد، وفي الوقت نفسه فإن الرفاه مطالب بعدم الرضوخ لكثير من الضغوط التي لن تتوقف ولن تنتهي.