; لماذا يرفض المسلمون في البوسنة خريطة أون ستولتمبرغ؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا يرفض المسلمون في البوسنة خريطة أون ستولتمبرغ؟

الكاتب برنس علي حوجيتش

تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1993

مشاهدات 59

نشر في العدد 1067

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 21-سبتمبر-1993

·       الخريطة مليئة بالخداع والأكاذيب والظلم للمسلمين

وقف مسلمو جمهورية البوسنة والهرسك على عتبة جولة جديدة من مفاوضات جنيف، بعد أن صوت برلمان جمهورية البوسنة والهرسك –الشرعي والمنتخب– حول الخطة، كما صوت حول إقرارها كل مما يسمى بـ«البرلمان الصربي» و«البرلمان الكرواتي». ولا يمكن فهم التصويت في المجلس النيابي الصربي والكرواتي غير المعترف بهما دوليًا إلا كأمر واقع في آخر مراحل تقسيم الجمهورية وإقرار ذلك من قبل المجتمع الدولي عبر الوسيطين اللورد أوين وستولتمبيرغ. وقد أصبحت معالم المؤامرة الدولية على مسلمي البوسنة والهرسك واضحة أكثر من ذي قبل؛ لأن خرائط التقسيم التي مازال يطرحها الوسطاء الدوليون لا تهدف إلا إلى كسب ود الكرواتيين ووقوفهم مع الصرب في خندق واحد ضد المسلمين؛ لكي يعجلوا بالقضاء على الطرف المسلم الأضعف عسكريًا ولكن الأكثر عددًا.

ولا يمكن لرجل عاقل يتابع فصول مؤامرة ومحنة البوسنة والهرسك أن يدرك مدى الحاجة إلى مفاوضات السلام إذا كانت خرائط الوسيطين الدوليين تقر إرادة المجتمع الدولي وتفرض التقسيم على المسلمين من جانب، ومن جانب آخر تغتصب في كل خارطة جديدة مزيدًا من أراضي المسلمين وتمنحها للمحتل الصربي والكرواتي، وتقبل بنتائج الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وتضفي الشرعية الدولية على الاستيلاء على الأراضي بالقوة. إذن، كُشفت الأوراق الدولية وعُرفت أهداف الدول الغربية.

وكانت جميع جولات المفاوضات عبارة عن خطى متسارعة من المجتمع الدولي نحو تقطيع أوصال دولة البوسنة والهرسك وهدم أسسها الدستورية ومقومات بقائها.

بدأت جولات المفاوضات في مؤتمر لشبونة، ووضعت فيه دول المجموعة الأوروبية المبادئ القومية كأساس للتفاوض بين الأطراف الثلاثة، وجاء ذلك وقتئذ في صورة تقسيم البلديات والدوائر الإدارية (109 دوائر في الجمهورية)، مع التعليل بأن يمنح كل شعب أرضًا يمثل فيها أكثرية بناء على تعداد السكان من سنة 1991م بنحو نصف سنة قبل العدوان الصربي والغدر الكرواتي.

وكان إقرار هذا المبدأ إشارة واضحة إلى مجرمي الصرب سلوبودان ميلوشيفيتش ورادوفان كاراجيتش بتحريك وتشغيل الآلة العسكرية الصربية بكل قوتها لسحق المسلمين وتحطيم دولة البوسنة والهرسك، ومع ذلك فإن وجود الدوائر الإدارية في الدولة كان حجر عثرة في طريق مقومات الدولة وتحطيم ركائز بقائها؛ لأن الهجوم السافر على قوانين دولة عضو في الأمم المتحدة كان يعتبر مشاركة في العدوان آنذاك. لذلك لم يكن الوسطاء الدوليون يعدلون بأقلامهم على الخرائط حدود الدوائر الإدارية، بل كان اقتراحهم يضمن الإبقاء عليها وضمها إلى إحدى الدويلات الثلاث بناء على أغلبية السكان.

وكانت صورة التقسيم الذي طرح في لشبونة كما يلي:

المناطق

المسلمون

الصرب

الكروات

المساحة في كم مربع

22.265 كم2

22.385 كم2

6.547 كم2

من مجموع مساحة الدولة

(43.49% من البوسنة)

(43.72% من البوسنة)

(13.79% من البوسنة)

عدد ونسبة كل قومية

1.586.501 أو 82% من المسلمين

687.510 أو 50% من الصرب

319.707 أو 41% من الكروات

وأهم نقطة في هذه الخطة كانت إقرار المجتمع الدولي على دستور البوسنة والهرسك الحالي، مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة والحفاظ على شكل إدارتها الحالي. ومع مرور الزمن وانتهاء جولات المفاوضات المتعاقبة، استمر الوسطاء الدوليون «اللورد كارينغتون، اللورد أوين، سايروس وانس وستولتمبيرغ» في تقويض أركان دولة البوسنة والهرسك، وفي الوقت نفسه كان يتم التعديل في كل فقرة من فقرات الدستور البوسني التي يمكن أن تحافظ على دولة البوسنة كيانًا مستقلًا موحدًا متماسكًا، وبدأ تغيير الدستور في شهر نوفمبر 1992م في جنيف بطرح المبادئ الدستورية كأساس جديد لدستور البوسنة والهرسك، وكما قيل إنها تتضمن خلاصة التجارب الديمقراطية في الدول الغربية..

وابتداء من هذا التاريخ كانت صيغ المبادئ الدستورية أول شيء يطرح في كل المفاوضات كأساس لها والحل النهائي الأمثل الذي هو القاسم المشترك الأدنى للأطراف الثلاثة المتنازعة. وتستمر ضغوط الوسيط الدولي اللورد أوين «الطبيب» على فرض هذه المبادئ الغامضة على رئيس البوسنة والهرسك علي عزت بيجوفيتش «رجل القانون».

وإذا كان المجتمع الدولي مستعدًا لطرح النقاش حول دستور دولة البوسنة والهرسك الذي هو أساس قيامها واستمرار بقائها، فإن كل الأمور الأخرى كان طرحها أسهل وأحذر أقل. فبعد تقويض أركان الدولة المحمية بالدستور، لا نستغرب أبدًا إصرار الوسطاء الدوليين على تحديد صلاحيات السلطات المركزية للدولة «بحيث تبقى السلطات المركزية ضعيفة أو شكلية» ونقلها إلى السلطات الإقليمية لكي تصبح هي القوة الحقيقية وتضرب بقرارات الحكومة المركزية عرض الحائط، وبلغ الأمر في هذا الجانب مبلغًا مخجلًا في خطة وانس-أوين التي تنص في «المبادئ الدستورية الجديدة» على: «أنه لا يجوز للحكومة المركزية تكوين الجيش أو الشرطة والاستخبارات، ويجوز ذلك للحكومات الإقليمية، وفي حالة النزاع بين السلطات المركزية والإقليمية تنقل الأمور إلى الوسطاء الدوليين للبت فيها ويكون قرارهم ملزمًا لجميع الأطراف. ويكون من صلاحيات الحكومة المركزية إدارة الشؤون الخارجية والحفاظ على النظام النقدي الموحد».

ولأول مرة لا تحترم خطة وانس–أوين الدوائر الإدارية وحدود البلديات، وفي رسم الخارطة يجرى تعديلها بما يزيد النزاع القائم ضراوة، ويتسبب في ترحيل مزيد من المسلمين من المناطق التي منحت للكروات.

حقيقة الخطة الجديدة المطروحة في جنيف

يمكن وصف هذه الخطة الجديدة بأنها تحتوي على كل شيء ما عدا الأركان الضرورية لاستمرار دولة البوسنة والهرسك. والآن بعد حجب تفاصيل الخطة الجديدة عن وسائل الإعلام مدة طويلة، ماذا يمكن أن نتوقع من الخطة التي اعتمد فيها الوسيط الدولي اللورد أوين على خطة الرئيس الصربي ميلوشيفيتش «مجرم الصرب» والرئيس الكرواتي توجمان، كأساس لحل النزاع في البوسنة والهرسك؟ وبناء على الاقتراح الجديد لم يعد هناك وجود لدولة البوسنة والهرسك، بل أصبحت اتحاد الدول القومية الثلاث الذي لا يمكن وصفه دولة في حال من الأحوال. وقد أعلنها بكل صراحة رئيس ما يسمى ببرلمان صرب البوسنة مومشيلو كرابيشنيك إذ يقول: «لقد حققنا أكبر إنجازاتنا بسيطرتنا على كل الأراضي التي تتبع الجمهورية الصربية وأصبحت جمهورية الصرب واقعًا لا يمكن لأحد إنكاره، ولن ينهار اسمها إلا بالتوحيد النهائي مع جميع دول الشعب الصربي».

إذن لا ينقص هؤلاء المجرمين غير الحصول على الشرعية الدولية لمطالبهم، وذلك أمر يتوقف على مجرد توقيع الرئيس علي عزت بيغوفيتش؛ لأن زعيم كروات البوسنة سيوقع على جميع الخطط الصربية بكلتا اليدين؛ إذ أصبح هدف الصرب والكروات واحدًا.

وهناك أمر آخر لابد من التنبيه عليه، وهو إقرار الحدود بين الدويلات الثلاث. وبما أن الوسطاء الدوليين قد اغتصبوا حق شعوب البوسنة والهرسك وألغوا دستور جمهورية البوسنة والهرسك القائم شكليًا حتى الآن، فإن الوسيطين أوين وستولتمبرغ قد اغتصبا حقًا آخر من شعوب البوسنة وهو الإقرار بحدود البلديات والإدارات الإقليمية، ولم يأخذا في عين الاعتبار غير خطوط القتال عند رسم حدود الدويلات الثلاث. وبناء على هذا فإن الوسيطين جعلا يمحوان حدود البوسنة والهرسك الداخلية والخارجية بدماء ضحايا الحرب، وبدلًا من هذه الحدود التي أقرت من المجتمع الذي يمثلان رغبته جعلا يرسمان حدودًا جديدة «بنيران أسلحة الصرب والكروات».

الواقع الحالي لخطوط القتال في البوسنة والهرسك

بإمعان النظر في المعارك الدائرة ورسم خطوط القتال استنادًا إلى المعلومات الدقيقة المقدمة من القيادات العليا للجيش البوسني، تتضح أمامنا الصورة التالية:

  • تحت سيطرة جيش البوسنة «المسلمين»: 14.522 كم2 أو 28.41% من مساحة البوسنة والهرسك.
  • تحت سيطرة الصرب: 30.689 كم2 أو 59.8% من مساحة البوسنة والهرسك.
  • تحت سيطرة الكروات: 6.036 كم2 أو 11.79% من مساحة البوسنة والهرسك.

إذن فإن المعلومات التي يطلقها المجرم الصربي كاراجيتش ويروج لها اللورد أوين في تصريحاته أن الصرب يسيطرون على أكثر من أراضي البوسنة هي معلومات خاطئة، ولكنها تجد من يطبل لها في وسائل الإعلام من أجل ممارسة الضغط على المسلمين للقبول بالمكرمة الصربية، وهي المنحة السخية من مجرمي الحرب يحصل بموجبها المسلمون على 20% من الأراضي التي خسروها في الحرب. ويتبين هذا الكذب الصربي الذي يروج له اللورد أوين إذا قارنا الواقع العسكري السابق بمساحة كل دويلة من الدويلات الثلاث كما تحددها الخطة الجديدة:

1.      جمهورية البوسنة «المسلمون»: 15.303 كم2 (29.9% من مساحة البوسنة والهرسك).

2.      جمهورية الصرب: 26.468 كم2 (أو 51.70% من مساحة البوسنة والهرسك).

3.      جمهورية الكروات: 8.089 كم2 (أو 15.80% من مساحة البوسنة والهرسك).

4.      منطقتا سراييفو وموستار «وضع خاص»: 1.333 كم2 (أو 2.60% من مساحة البوسنة والهرسك).

إذن ليس هناك أي أثر لهذا التسامح الصربي وهذه الروح الإنسانية الصربية التي تمنح المسلمين 20% من الأراضي التي خسروها، وذلك رغبة من الصرب في إحلال سلام دائم وعادل. وفعلًا يتنازل الصرب عن 81% من الأراضي المغصوبة، ولكن للكروات وليس للمسلمين.

إن المجرم كاراجيتش سوف يتنازل للكروات عن بعض الأراضي في شمال البوسنة «سهل بوسافينا» التي تشمل قرى كرواتية حول مدن بوسانسكي برود وأوجاك وبوسانسكي شاماتش – ولكن بدون هذه المدن، وفي وسط البوسنة عن مدينة يايسة وبعض القرى التابعة لمدينة دوني واقوف، ثم مرتفعات كوبريس.

ويتنازل للمسلمين عن مدينة دوني واقوف في الوسط، وجزء من مدينة بيهاتش في الغرب الأقصى، والجزء الغربي من مدينة برتشكو، بشرط أن يبنى جسر فوق أراضي جمهورية الصرب ليكون منفذًا لجمهورية البوسنة «المسلمين» على نهر صاوه والعالم الخارجي (الحدود مع جمهورية كرواتيا).

وهذا الجسر الذي سيكون الاتصال البري الوحيد بين البوسنة والعالم الخارجي يجب أن يبنى بعد التوقيع على الخطة، ولا شك أن الصرب سيدمرونه متى خطر ذلك على بالهم. إذن فالمجرم الصربي مستعد للتنازل عن 2% من الأراضي المحتلة لصالح المسلمين مقابل الدخول إلى العاصمة سراييفو بعد عجزه عن الاستيلاء عليها بالقوة وبعد إعلانها مفتوحة للجميع وفرض الوصاية الدولية عليها، رغم أنه مازال يدمرها ويقتل الأبرياء فيها. وبموجب الخطة يتنازل المسلمون عن 80% من العاصمة «سراييفو القديمة، سراييفو الجديدة، المدينة الجديدة، وقلب سراييفو» إضافة إلى أجزاء من المدن المحيطة بالعاصمة: إيليجا، وووغشوتشا، وحاجيتشي.

وفي المقابل يتنازل المسلمون للكروات عن مدينة غورني واقف وأجزاء من مدن بوسوفاتشا، وكيسيلياك، وويتيز، ونوفي تراونيك، وفوينيسا، وسابلانيسا؛ من أجل اتصال أراضي الكروات عبر مدينة بروزور بمناطق الهرسك، بينما يتنازل الكروات للمسلمين عن مدينة واريش وكريشيفو وأجزاء من المدن المذكورة، وتبقى مدينة موستار مدينة مفتوحة تحت إدارة الأمم المتحدة.

وأما في شرق البوسنة حيث كانت تقطن الأغلبية المسلمة، فإن الوسيطين الدوليين لم يراعيا غير الأمر الواقع المفروض بقوة السلاح؛ كل ما استولى عليه الصرب أعطي رسميًا صفة الجمهورية الصربية، ولم يبق للمسلمين غير ما يسيطرون عليه فعلًا، وهو عبارة عن مدينة غورازده التي ستصل بسراييفو عبر طريق جبلي «بعد أن يبنيه المسلمون»، بينما تبقى مدينتا جيبا وسريبرينيتسا في عمق أراضي الجمهورية الصربية متصلين بمدينة غورازده بطريق يمر عبر الأراضي الصربية «ولا شك أن هذا حل مؤقت».

ولا أظن أن من ينظر إلى هذا التحليل للخطة الجديدة يغفل أن الوسيطين الدوليين أخذا في عين الاعتبار واقع الحرب فقط؛ لأنهما –دون أدنى ريب– يضعان الخطة المرحلية والحل المؤقت لبلوغ الهدف النهائي.

وهكذا تحولت المخططات الدولية من الاعتراف بدستور دولة البوسنة والهرسك واحترام تنظيمها الداخلي في لشبونة، إلى تحطيم كل جزء من دستور يضمن للبوسنة والهرسك شكل الدولة ويكفل استمرارها واستقلالها وحدتها، وجرى ذلك كله على أيدي الوسطاء الدوليين الذين يمثلون هيئة الأمم المتحدة التي اعترفت باستقلال البوسنة والهرسك! وفي نهاية المطاف ليس مهمًا أصلًا على أي شكل ستظل البوسنة والهرسك، وكيف سيتم إقرار حدودها الداخلية، ولكن المهم أن الوسطاء الدوليين حققوا مآربهم بتقطيع الدولة إلى ثلاث دويلات قومية، ونجحوا في تمايز شعوب البوسنة والهرسك إلى ثلاثة شعوب. والخطوة التالية الطبيعية هي إجراء الاستفتاء الشعبي في الجمهورية الصربية والكرواتية حول تقرير المصير؛ وهذا يعني -بطبيعة الحال- الاتحاد مع صربيا وكرواتيا، وتبقى مساحة رقعة المسلمين مرهونة بالقوة العسكرية للأطراف الثلاثة -بعد نزع سلاح المسلمين.

وكل هذه الألاعيب الدولية يجب أن تأخذ وضع الشرعية والرغبة الدوليين بعد التوقيع على فصلها النهائي بأيدي الرئيس علي عزت بيغوفيتش، الرئيس الشرعي المنتخب لجمهورية البوسنة والهرسك..

(*) ترجمه وأعده للمجتمع بالعربية حسين عمر سيباهيتش.

الرابط المختصر :