العنوان تحليل سياسي: فرنسا تغوص في المستنقع الجزائري
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1994
مشاهدات 90
نشر في العدد 1112
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 16-أغسطس-1994
· زيارة
وزيري الخارجية والدفاع الفرنسيين إلى الجزائر بصورة مفاجئة تعبر عن وصول الوضع
الأمني إلى مرحلة تجاوز الخط الأحمر.
عادت المسألة الجزائرية إلى ساحة الأحداث الساخنة بعد مقتل خمسة
فرنسيين في العاصمة بحي عين الله؛ حيث يقطن عدد من الأجانب والدبلوماسيين، وكان رد
الفعل الرسمي الفرنسي يتمحور حول حملة أمنية في كامل التراب الفرنسي على ما أسمتهم
سلطات هذا البلد بـ "الأصوليين المتطرفين"، ما خلفيات هذا الموقف
وانعكاساته على أوضاع الجالية الإسلامية وعلاقاتها مع المجتمع الفرنسي وعلى
العلاقات الفرنسية - الإسلامية عموماً وفي المنطقة المغربية على وجه الخصوص.
زيارة مفاجئة
لقد كان في الزيارة التي قام بها كل من وزير الدفاع والخارجية
الفرنسيين إلى الجزائر مباشرة بعد العملية التي استهدفت حياً يقطنه الأجانب، دليل
على خطورة الوضع الأمني في هذا البلد المغربي من جهة وتزايد المخاوف الفرنسية على
مصالحها هناك من جهة أخرى.
فالعمليات التي تقوم بها الجماعات المسلحة وبالخصوص الجماعة التي
يقودها ما يسمون بـ: "الأفغان العرب"، قد تجاوزت المناطق الجبلية والمدن
الكبرى لتصل إلى العاصمة نفسها رغم التعزيزات الأمنية للنظام الجزائري، بل لتصل
إلى قلب الأماكن والمناطق التي من المفروض أن تكون شبه مطلقة، وتحت حراسة أمنية
مشددة.
ثم إن العملية الأخيرة كادت تكون حصيلتها عدداً أكبر من القتلى
والجرحى في حال تفجر السيارة المفخخة التي استهدفت حي عين الله، وبالتالي كادت
تحول مجرى الأحداث والمواقف السياسية الداخلية والخارجية من أساسها، ويمكن الإشارة
في هذا الصدد إلى أحداث بيروت التي استهدفت جنوداً فرنسيين أمريكيين وانتهت
بانسحاب هذين الطرفين وتغيير قوانين اللعبة إلى حد ما داخل لبنان.
لهذا كانت زيارة الوزيرين الفرنسيين إلى الجزائر بصفة مفاجئة معبرة عن
وصول الوضع الأمني هناك إلى مرحلة تجاوز الخط الأحمر، فجاءت المساندة الفرنسية
للنظام الجزائري بقدر استعداد هذا الأخير للرضوخ للشروط الفرنسية خاصة وأن العملية
الأخيرة أحرجت السلطات الرسمية الجزائرية أمام حليفها الذي وظف هذا الضعف في الوقت
المناسب للمطالبة بمزيد من الحماية للجالية الأجنبية على التراب الجزائري وبالخصوص
الجالية الفرنسية التي انحصرت في المصالح الدبلوماسية والمخابرات الأمنية
والعسكرية.
والنتيجة أن النظام الجزائري سيتجه إلى التصعيد الأمني الأقصى لإثبات
جدارته في السيطرة على الوضع وقدرته على اتخاذ المبادرة دون أن تملي عليه الجماعات
المسلحة ردود فعل خاصة، ولكن الرادع في كل ذلك من الأطراف الأجنبية – الطرف
الفرنسي بصفة أخص - بضمان حماية مصالحها واستمرار بقائها وتحكمها في القرار بأقل
خسارة ممكنة، والخاسر الكبير هو الشعب الجزائري الذي يدفع ضريبة اللعبة السياسية
الداخلية والخارجية بمزيد من إراقة الدماء والضيق في المعيشة.
إقامة جبرية
إلا أن السلطات الفرنسية لم تقف عند حماية رعاياها ومصالحها داخل
التراب الجزائري، بل عمدت إلى حملة أمنية واسعة النطاق على أراضيها استهدفت
الإسلاميين المتعاطفين أو المنتمين للجبهة الإسلامية للإنقاذ.
وقامت باعتقال سبعة عشر إسلامياً جزائرياً ووضعهم تحت الإقامة الجبرية
في منطقة "فولو مبراي" بدون موافقة السلطات المحلية وسكان المنطقة الذين
احتجوا بقوة على هذا الإجراء، وصاحبت هذه الحملة الأمنية تصريحات رسمية وحملة
إعلامية على "الأصولية"، و"الإرهاب" المقرونين بالإسلام.
والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان، ما العلاقة بين مقتل خمسة فرنسيين
تبنت جهة معينة مسؤوليتها في ذلك وبين الحملة المسعورة على الإسلاميين في فرنسا؟
الجهات الرسمية تبرر موقفها بالتصدي للتهديدات الصادرة في البيان الذي
نشرته هذه الجهات بأنه: إعلان حرب على فرنسا.
البيان المعني موقع من طرف أمير كتيبة: "العهد"، حسين عبد
اللطيف وهي إحدى كتائب الجيش الإسلامي للإنقاذ.
تحدث البيان عن اعتقال مجموعة الإسلاميين الذين وصفهم بأن جلهم ينتمون
إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو متعاطفين مع القضية التي تدافع عنها، واعتبر
عملية اعتقالهم والزج بهم في المحتشدات، بمثابة إعلان الحرب على الجبهة الإسلامية
للإنقاذ والشعب الجزائري المسلم.
ثم جاء في البيان: "إما أن يعدل النظام الفرنسي عن هذه السياسة
العدوانية ويطلق سراح إخواننا وإما أنه سيتحمل مسؤولية ما يحدث على يد المجاهدين
التابعين للجيش الإسلامي للإنقاذ".
وفي البيان نفسه نفي لأي علاقة للجبهة بمقتل الأجانب في الجزائر،
فيصبح أن عملية الاعتقال غير مبررة خاصة وأن هناك فصيلاً يسمي نفسه "الجماعة
الإسلامية المسلحة"، أغلبه من "الأفغان العرب" قد تبنى العملية.
ثم إنه من خلال العديد من المؤشرات يبدو أن الجبهة لا تريد أن تتورط
في عمليات تفجير أو ردود فعل ضد الفرنسيين والأجانب عموماً فهناك تجربة سابقة تركت
آثاراً سلبية جداً في نفوس المسلمين والفرنسيين وفي العالم؛ وذلك خلال عمليات
التفجير التي حدثت عام 1986م، في قلب العاصمة باريس رداً على سياسة فرنسا في الشرق
الأوسط وليس من صالح جهة تطمح إلى الحكم في الجزائر وإلى بناء علاقات مع الجهات
والأطراف الخارجية والدول الكبرى أن تهدم الجسور التي تمدها مع هذه القوى خاصة
منها المتحكمة في مسار النظام الدولي الجديد من قريب أو من بعيد.
وتكفي الإشارة إلى أن حركة المجتمع الإسلامي "حماس" بقيادة
الشيخ محفوظ نحناح دعت في بيانها الأخير إلى استئناف حوار حقيقي تشارك فيه جميع
الأطراف الفاعلة بما فيها القيادة الشرعية للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وإلى إلزامية
أن تكون الحلول جزائرية، وهي المرة الأولى التي تدعو فيها حركة حماس، المعروفة
باعتدال مواقفها إلى تشريك الجبهة في الحوار مع تخصيص "القيادة
الشرعية"، إشارة إلى إمكانية وجود جهات أخرى تتكلم باسم الجبهة وليست لها
شرعية تمثيل هذا الطرف السياسي.
"حركة المجتمع الإسلامي تدعو إلى استئناف حوار حقيقي تشارك فيه
جميع الأطراف الفاعلة بما فيها القيادة الشرعية لجبهة الإنقاذ"
أبعاد سياسية أيديولوجية
لكل هذه العوامل لا يمكن فهم الإجراءات الفرنسية سوى في إطار سياسي
أيديولوجي.
البعد السياسي يتمثل في الظرف الخاص الذي تمر به فرنسا وهو الاستعداد
للانتخابات الرئاسية في مارس (آذار) 1995م، ذلك أن قراراً من نوع تعبئة أمنية
وإعلامية كبيرة حول قضية معينة جد حساسة مقصود منه جلب انتباه الرأي العام الفرنسي
للدور الفعال للحكومة اليمينية في مقاومتها "للإرهاب والأصولية"، وهو
موضوع الساعة ويمكن ضمان إجماع شعبي حوله مهما اختلفت الجهات السياسية من أقصى
اليمين إلى أقصى اليسار خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالجزائر وبالإسلام وهي المسائل
الأكثر حضوراً في الضمير الجمعي الفرنسي لأسباب عدة تاريخية وحضارية وجغرافية
سياسية وثقافية.. فالعازفون على هذه الأوتار يجدون آذاناً صاغية، وهذا مدخل رئيس
لكسب أصوات الناخبين في الموعد القادم الحاسم الذي يعول عليه اليمين كثيراً للصعود
مرة أخرى إلى سدة الحكم.
أما البعد الأيديولوجي فإن ملف الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي
والغرب تحول إلى هاجس أصحاب القرار في العالم، لكن هناك من يتعامل معه بمرونة وبعد
نظر، وهناك من يتعامل معه بتصلب ونظرة ضيقة مصلحية ظرفية، وفي تحليل سياسي بإحدى
الصحف الجزائرية، تحت عنوان الجزائر ولعبة الأمم، عندما يتداخل التاريخ والجغرافيا
والاستراتيجيا، قارن صاحب المقال السياستين الأمريكية والفرنسية في التعامل مع
الجزائر، وذكر بأن أمريكا تتلخص سياستها في التكيف من غير صدام، وأما فرنسا
فتتمحور سياستها حول "التغيير من غير خسارة"، وقال إن السؤال عند
الأمريكيين هو كيف ينبغي احتواء الوضع في الجزائر وعند الفرنسيين هو كيف ينبغي
تغييره؟
من هنا تظهر أهمية العامل الأيديولوجي في السياسة الفرنسية، ذلك أن
الحملة الأمنية التي تشهدها باريس والمدن الفرنسية ضد الإسلاميين ليست وليدة حدث
أو ظرف سياسي معين بقدر ما تعكس تصورات أصحاب القرار في التعامل مع الحالة
الإسلامية خاصة في المنطقة المغاربية المتاخمة لها في الحدود الجنوبية لمنطقة
البحر المتوسط وليس هناك استعداد رسمي فرنسي في الوقت الحاضر إلى أي انفتاح على
الإسلاميين العاملين في الساحة الجزائرية حتى من كان منهم يدعو إلى الحوار صيانة
للأرواح والأعراض، وليس حباً في السلطة؛ لأن كل انفتاح في الجزائر سينعكس على
الوضع في تونس؛ حيث ما زال سيف الحل الأمني مسلطاً على رموز الصحوة الإسلامية
وعناصرها هناك وكذلك سينعكس على الجالية الإسلامية المقيمة في فرنسا.
وبخصوص المسألة الأخيرة، يبدو أن الحملة الأمنية التي تقوم بها
السلطات الفرنسية حالياً تستهدف ردع أبناء هذه الجالية، وكذلك الفرنسيين الراغبين
في تبني مشروع الصحوة الإسلامية، بمعنى توطين الدعوة في فرنسا والاندماج الإيجابي
مع المجتمع الفرنسي مع الحفاظ على الهوية الإسلامية مقابل دفعهم إلى الانخراط في
مشروع الإسلام على الطريقة الفرنسية، واعتباره النمط الوحيد المسموح به في فرنسا،
وفرض هذا النمط لا يكون إلا بالتخويف من أن أصحاب المشروع الإسلامي ليسوا في
الحقيقة سوى مجموعة من "الإرهابيين المنغلقين" يريدون فرض نمط مستورد.
ويبدو أن الحملة الأخيرة تهيئ الرأي العام الفرنسي لإجراءات أشد ضد
بعض مظاهر النشاط الإسلامي في فرنسا والضغط عليه تحت مبررات عدة وليست هذه
الاعتقالات سوى حلقة من حلقات تضييق الخناق على كل مؤشرات الصحوة خاصة لدى الشباب
من الجيل الثاني وليس الوضع في الجزائر سوى المبرر لسياسة أوسع نطاق في التعامل مع
هذه الصحوة.