; «إسرائيل» تزرع أوهام الشرق أوسطية في الصحراء العربية | مجلة المجتمع

العنوان «إسرائيل» تزرع أوهام الشرق أوسطية في الصحراء العربية

الكاتب محمد دلبح

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1995

مشاهدات 55

نشر في العدد 1162

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 15-أغسطس-1995

•مدير مركز الدراسات الإستراتيجية في تل أبيب:

كنا ننظر للقوة من خلال فوهة البندقية.. والآن نرى الأهمية الاستراتيجية في القوة الاقتصادية.

نشرت صحيفة، وول ستريت جورنال تقريرًا حول استراتيجية «إسرائيل» في المنطقة في مرحلة ما بعد توقيع الأنظمة العربية لاتفاقيات الصلح وتطبيع العلاقات معها، وقد ذكرت في مطلع تقريرها المطول يوم الثالث من أغسطس (آب) الجاري أن رجال الأعمال الإسرائيليين بدأوا يسافرون إلى البلدان العربية للترويج لما وصفته بأنه صورة جديدة لإسرائيل هي صورة القوة الاقتصادية بعد أن كان يروج لها كقوة عسكرية وتقول الصحيفة إن التحول في فهم رجال الأعمال الإسرائيليين للأهمية الاقتصادية لإسرائيل بدلًا من القوة العسكرية يعكس تغيرًا رئيسيًا في نظرة إسرائيل لدورها في المنطقة العربية، فقد أوجد انهيار الاتحاد السوفييتي ووقوف الدول العربية ضد بعضها البعض أثناء حرب الخليج واتفاقية عام ١٩٩٣م، بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، فراغًا في القوة، ومع تآكل التحالفات التقليدية انتهزت إسرائيل الفرصة لتصبح لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد الإقليمي.

وأوردت الصحيفة مثالًا على ذلك أريك أراد الذي كان يعمل في السابق مديرًا لشركة أمن إسرائيلية، ثم أصبح رئيسًا لمركز «القدس التجاري»، وبدأ يسافر إلى البلدان العربية للترويج لصورة القوة الاقتصادية الجديدة لإسرائيل، وقد استقبل مدراء المركز مؤخرًا، وفدًا من رجال الأعمال من دول خليجية، وتلقى المركز دعوة للاستثمار في مركز تجاري في العاصمة الأردنية عمان، ويعتزم المركز الإسرائيلي في شهر سبتمبر المقبل القيام بحملة تسويق مكثفة لاجتذاب السياح العرب إلى مجمعاته التي تضم ثماني دور عرض سينمائية، ويقدم نفسه باعتباره أكبر مركز تجاري في الشرق الأوسط.

مفهوم جديد

ويقول مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة بار إيلان في تل أبيب إفرام أنبار: «هناك تحول مهم في مفهوم إسرائيل لما يشكل القوة الوطنية، فقد كنا ننظر إلى القوة من خلال فوهة البندقية، أما الآن فإننا نريد قوة اقتصادية لأننا نرى في ذلك أهمية من الناحية الاستراتيجية».

وبدأ رجال الأعمال والمسؤولون الإسرائيليون يتجولون في مختلف أنحاء الشرق الأوسط للحصول على الفرص التجارية، وحصلت وفود إسرائيلية على دعوات لزيارة معارض تجارية وحضور مؤتمرات في دول مثل عمان، وتركيا، والمغرب، ويقوم وزير الصحة الإسرائيلي أفرام سنيه بالترويج لمركز صحي يقام على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل، ويكون أطباؤه من الإسرائيليين والفلسطينيين لاجتذاب المرضى العرب.

خبراء المياه والزراعة

وقد عرض خبراء المياه الإسرائيليون تقديم المشورة لدول الخليج، كما عرض الاختصاصيون في مجال الزراعة الإشراف على مزارع نموذجية تستخدم التقنية الإسرائيلية الحديثة في الري في مصر والمغرب، أما مركز التعاون الدولي بوزارة الخارجية الإسرائيلية، فقد أخذ يعمل في المنطقة بعد ۳۸ عامًا من النشاط معظمه في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، فقد أشترك مهنيون من مصر والأردن والمغرب وتونس، والضفة الغربية وقطاع غزة في دورات تدريبية في «إسرائيل» خلال العام الماضي. 

وذكرت الصحيفة أن أجواء التغيير هذه قد لفتت أنظار الشركات الأمريكية حتى من جانب شركات مثل تايمكس التي لم يكن لها حتى الآن أي وجود في الشرق الأوسط، وكانت مثل هذه الشركات تجد صعوبة في العمل في المنطقة، أما الآن فإن شركة تايمكس تعتزم فتح مكتب للبحث والتطوير في القدس في سبتمبر المقبل لتطوير ساعات ذات تقنية متطورة، كما تعتزم فتح مكتب للبيع والتسويق في دبي، وقال أحد مسئولي الشركة إن المبيعات والتسويق لإسرائيل ستتم من دبي، لأن الشركة تنظر إلى المنطقة الآن من منظار عالمي. 

وتشير الصحيفة إلى أن الكثير من البلدان العربية تنظر إلى الاندفاع الاقتصادي للإسرائيليين بحذر وريبة وتتهمهم بالرغبة في السيطرة على المنطقة بأسرها، ورغم أن بعض الإسرائيليين ينفون ذلك، إلا أن رئيس اتحاد غرف التجارة الإسرائيلية يعترف بذلك ويقول: إننا نسير على حبل مشدود بين رغبتنا في أن نكون لاعبًا رئيسيًا في اقتصاد الشرق الأوسط وبين محاولاتنا بعدم تبرير مخاوف الآخرين بالهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية.

تأثير طويل المدى

ومع ذلك- كما تقول الصحيفة. فإن الحكومة الإسرائيلية تتصيد كل الفرص من أجل ترسيخ «إسرائيل» كلاعب اقتصادي قيادي في المنطقة، وتعتقد أن إسرائيل، ستكون من خلال التجارة قادرة في النهاية على التأثير بقوة أكثر على الطريقة التي تتشكل فيها منطقة الشرق الأوسط في المستقبل.

والمهندس الرئيسي لهذا المفهوم هو وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز ونائبه يوسي بيلين، وقد اقترح بيريز مؤخرًا أن يكون بيلين وزيرًا للاقتصاد والتخطيط، ويخول بالتعامل مع المسائل الاقتصادية الخاصة بالشرق الأوسط والأخرى المتعلقة بإسرائيل.

ويقول أنبار إن التحول في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي يجد انعكاسه أيضًا في تقرير وضع عام ١٩٩٤م، من قبل مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحاق رابين الذي بدأ مؤخرًا فقط ينظر إلى الاقتصاديات باعتبارها حاسمة للدفاع الإسرائيلي، ويقول التقرير: «إن الخطوات الهادفة إلى التقارب بين «إسرائيل» والدول العربية تخلق تطورًا تتحول فيه

الاقتصاديات إلى قوة محركة تصيغ العلاقات الإقليمية التي كانت هي المهيمنة في الماضي». 

وعندما اقترح بيريز مؤخرًا حل الجامعة العربية، وإقامة جامعة شرق أوسطية تشمل دولًا غير عربية رفض العرب هذا الاقتراح، ولذلك بدأ بتبنى منظمات إقليمية من شأنها أن تخدم في النهاية التأثيرات التنافسية وتسمح لإسرائيل بالاشتراك فيها.

وقد اجتمع بيريز مع وزيري الخارجية التونسي الحبيب بن يحيى والمصري عمرو موسى، كما اجتمع مع السفيرين الجزائري والمغربي في فيينا للبحث عن صيغة لحوض البحر المتوسط مماثلة لمؤتمر التعاون والأمن الأوروبي، وعلاوة على ذلك شكلت قبرص ومصر، و«إسرائيل»، والأردن، وسلطة الحكم الذاتي، وتركيا، رابطة شرقي البحر الأبيض المتوسط من أجل التخطيط لمشاريع سياحية مشتركة، بما في ذلك تنمية سيناء، ومنطقة البحر الأحمر، وقد حضر وفد من غرف التجارة الإسرائيلية اجتماعًا عقد في قبرص لوضع خطط من أجل إقامة مجلس إقليمي اقتصادي قبل انعقاد المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط في عمان في أكتوبر المقبل. 

وتشير الصحيفة إلى أن نجاح إسرائيل في الاستحواذ على نفوذ إقليمي أكبر يتطلب أن تتغلب على عوائق جدية ويتوقف الكثير على نتائج محادثات السلام، ويقول محمد وهبي- رئيس قسم إفريقيا والشرق الأوسط في شركة «سي بي إس إنترناشيونال».. «إن عملية السلام قد فتحت آفاق التعاون الإقليمي، بما في ذلك استيراد وتصدير المنتجات الغذائية في مختلف أنحاء المنطقة»، واقترح وهبي أن تكون تل أبيب مركزًا إقليميًا تجاريًا، زاعمًا وجود ما يصفه بالبنى التحتية لديها من أجل التجارة والمصادر البشرية والخدمات.

غير أن الصحيفة قالت إن التفجير الأخير لحافلة ركاب في تل أبيب، يمكن بوضوح أن يعرقل أي تقدم في هذا المجال، وتقول بعض الشركات إن خططها تعتمد إلى حد كبير-في النهاية- على مدى الاندماج الاقتصادي الإقليمي في الشرق الأوسط، كما أن الحوادث الصغيرة أيضًا يمكن أن تعرقل ذلك أيضًا، فرغم وجود رغبة لدى بعض العرب للتعامل التجاري مع إسرائيل، إلا أن عشرين إسرائيليًا كانوا في طريق عودتهم إلى تل أبيب بعد أن حضروا مؤتمرًا حول تلوث المياه عقد في سلطنة عمان مؤخرًا، منعوا من دخول مطار دبي تمهيدًا لسفرهم إلى تل أبيب بطريق الترانزيت.

وتلقى المحاولات الإسرائيلية للنفوذ الاقتصادي في المنطقة معارضة داخل «إسرائيل». ويقول الاقتصاديون الإسرائيليون: «إن حجم التجارة البينية العربية باستثناء دول الخليج لا يتجاوز عشرة بالمائة من صادرات كل دولة».. ويضيف هؤلاء أن تأكيد «إسرائيل» على صناعة التكنولوجيا المتطورة يتطلب أن يبقى سوقها الرئيسي في أوروبا والولايات المتحدة، ويدلل هؤلاء على وجهة نظرهم بالقول إن مجمل الإنتاج الإسرائيلي العام لعام ١٩٩٤م، بلغ نحو ٧٤ مليار دولار، وهو ما يعادل تقريبًا مجمل إنتاج مصر وسوريا ولبنان والأردن مجتمعة، وأن معدل الفرد السنوي في «إسرائيل» الذي يصل إلى ١٤ ألف دولار يتجاوز كثيرًا الـ۹۰۰ دولار للفرد في الدول العربية المحيطة بإسرائيل. 

ونسبت الصحيفة إلى نمرود توفيك وهو دبلوماسي إسرائيلي سابق، وحاليًا نائب رئيس مجموعة شركات ميرحاف التي تقوم ببناء مصفاة تكرير النفط في الإسكندرية بمصر قوله «إن الحكومة الإسرائيلية ترى في الاقتصاديات سبيلًا لفرض إرادتها السياسية»، وأضاف: «أن رجال الأعمال من الجانبين لا يشترون المفاهيم إذا لم يروا سبيلًا لزيادة الأرباح إلى أقصى حد».

ويقول أنبار: «إن ما يقلقه هو أن «إسرائيل» ربما كانت تعلق أهمية كبيرة على الاقتصاد».

 

الرابط المختصر :