العنوان تحليل سياسي: بطرس غالى والحرب على الإسلاميين
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1994
مشاهدات 65
نشر في العدد 1093
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 29-مارس-1994
في مقابلة تلفزيونية مطولة يوم 7/3/1994م مع القناة الفضائية المصرية،
دافع الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي عن نفسه ومواقفه وأسلوبه في أداء مهامه
الدولية، دفاعاً شاملاً بأسلوب الهجوم أفضل وسائل الدفاع، وكان محدثه مفيد فوزي
بارعاً في توجيه الأسئلة المحرجة وبطرس غالي أبرع منه في إعطاء الأجوبة الجاهزة.
وكأنما استعد لها الطرفان وتدربا على الحوار حولها منذ زمن طويل.. ثم يأتي التصديق
على كلام الأمين العام على لسان الشهود، ويفترض عدم التشكيك في أقوالهم عنه، وإن
كانوا من أعوانه المقربين داخل جهاز الأمانة العامة للمنظمة الدولية.
والانطباع العام الذي يتركه حديث الأمين العام بطرس غالي عن نفسه في
المقابلة بمجموعها، هو أنه رجل نزيه فوق الشبهات، وإنسان حريص على كل إنسان آخر
دون استثناء، ويؤدي أعماله بصورة بطولية فدائية بمعنى الكلمة، ومن أجل سائر
المستضعفين في الأرض، لا سيما المسلمين في البوسنة والهرسك وأفغانستان والصومال..
وحتى بورما وإن كان لا يدري بذلك أحد، فهو - كما يقول - يؤديها علناً وفي الخفاء،
أما ما لا يصنعه من المهام فسببه هو أنه لا يملك من أمره شيئاً.
تعليق الأخطاء على الدول الكبرى
فالقرار الحقيقي للدول الكبرى التي تملك المال فهي قادرة على بيع
الأمانة العامة وشرائها وعلى التخلي عنه شخصياً لو تشاء في أي وقت، وقد يريد
التحرك لقضية فتمنعه بإظهار أنها لا تريد طرحها، وقد تعطيه الوعد ثم تخلف به،
فتخذله وهو غير قادر على إزعاجها بكلمة، لا سيما وأن الدول الإسلامية التي ذكرها
على وجه التخصيص، تطالب بما تطالب به لصالح المسلمين في هذا البلد أو ذاك، ولكنها
لا تتجاوز حدود تقديم الكلام دون الأفعال.. وبعد ذلك كله إن حققت الأمم المتحدة
نجاحاً.. نسبته الدول الكبرى لنفسها، وإن أخفقت في أمر جعلت المسؤولية على الأمم
المتحدة وجعلت من الأمين العام كبش الفداء... لجميع من واجههم الأمين العام للأمم
المتحدة بطرس غالي بالاتهامات من الخصوم الكبار والصغار.. يمكن التعامل معهم...
إلا الأصوليون فلهم شأن آخر وأمرهم معروف على حد تعبيره.
ويلاحظ هنا أن أول مشكل يواجه المشاهد للمقابلة التلفزيونية المتابع
للحوار بدقة، هو بقاء المقصود بكلمة أصوليون مجهولاً على لسان بطرس غالي أيضاً،
كما هو مجهول على لسان سواه.. فلا بد من التساؤل مبدئياً عمن كان مقصوداً بحديثه.
هل هم أولئك الذين استخدموا السلاح في الجزائر ومصر خاصة، فكانوا موضع الاعتراض
والنقد من داخل صفوف الإسلاميين، رغم أن سائر الإسلاميين، بل والغالبية العظمى من
الشعوب، وليس مرتكبو العنف فقط يواجهون ألوان الضغوط الاستبدادية إلى درجة
الاضطهاد المباشر؟ أم المقصود في كلام الأمين العام من يوصفون بالعرب الأفغان،
الذين كانوا أثناء الغزو الروسي - السوفيتي لأفغانستان أبطالاً ميامين، يشيد بهم
المخلصون ويشيد بهم أيضاً من كان يريد التغطية على قعوده هو عن دعم الجهاد
الأفغاني آنذاك، وقبل أن يتحول إلى صراع مرفوض هذه الأيام.. ثم أصبحوا الآن يوصفون
بالأصوليين حيناً وبالعرب الأفغان حيناً آخر.. على سبيل التشهير والتشنيع وتبرير
الملاحقة في كل مكان حتى وهم يمثلون الوجود الجهادي الرمزي المشرف الوحيد في أرض
البوسنة والهرسك للتخفيف من وطأة العجز أو الخذلان عن تقديم عون حقيقي لشعب يتعرض
لحرب الإبادة على مشهد ومسمع من العالم كله؟ أم أن المقصود بكلمة أصوليون على لسان
بطرس غالي، هم أولئك الذين انطلقت أقلامهم من منطلق إسلامي وتجرأت فانتقدت - فيمن
انتقدت - بطرس غالي ومجلس الأمن الدولي والدول الكبرى المتحكمة بالقرار فيه؟
الهجوم على منتقديه من الإسلاميين
إن سياق المقابلة التلفزيونية يرجح فعلاً أن المقصود بكلام الأمين
العام هم على وجه التخصيص الناقدون الإعلاميون من منطلق إسلامي عبر بعض وسائل
الإعلام ذات الاتجاه الإسلامي، أو تلك التي فتحت بعض الثغرات لبعض الأقلام
الإسلامية.. وليس مجهولاً بهذه المناسبة أن معظم ما ركزت عليه تلك الأقلام من
مواطن الانتقاد، كان موضع الانتقاد أيضاً من جانب أقلام غير متهمة بمنطلق إسلامي
فضلاً عن شبهة الأصولية بمحتواها الهيولي المائع، الذي لا يستقر على حال، ولا يثبت
له تعريف ولا تتبين له صورة من الصور.
ادعاء الموضوعية
ولكن بطرس غالي يواجه سائر الناقدين على اختلاف مواقعهم واتجاهاتهم
بأسلوب يحمل مسحة النقاش الموضوعي حسب فهمه للموضوعية، ويظهر بين كل حملة هجوم
وأخرى عليهم أثناء المقابلة، أسفه وتأثره أنهم لا يفهمون موقفه ولا يتفهمون
ظروفه.. أما من يصفهم بالأصولية وبأن أمرهم معروف فكلامهم غير مطروح للنقاش - ولو
تطابق مع كلام سواهم. ويعلن بطرس غالي السبب حسب تصوره بصراحة نادرة فيقول: إن سبب
نقدهم إياهم هو أنهم لا يطيقون وجود إنسان من غير المسلمين في منصب دولي مرموق.
الواقع أن مثل هذا الكلام يطرح عند محاولة استيعابه.. أو الإجابة عليه
مشكلة عويصة على من يلتزم الأسلوب الموضوعي في النقاش.. ومع ذلك فلا يمكن المرور
عليه مرور التجاهل، كما هو الحال مع كلام كثير من مستواه.. فهو لا يصدر في ندوة
محدودة العدد والتأثير على لسان فرد من الأفراد، ولو كان من ذوي المكانة بين قومه
وأنصار اتجاهه بل هو كلام رأس الدبلوماسية العالمية وصاحب أعلى منصب دولي وعبر
الأقمار الصناعية والقنوات التلفزيونية الفضائية!... ولهذا نتساءل بكل موضوعية..
رغم ابتعاد العبارة المذكورة عن الموضوعية.
- علام
ينتقد أصحاب الأقلام الإسلامية إذن مواقف كثير من الحكام والمسؤولين من
المسلمين؟.. بل علام ينتقدون إذن زعماء المجاهدين في أفغانستان مثلاً على ما
يمارسونه في الوقت الحاضر؟
بطرس ينتقد لمواقفه لا لنصرانيته
والأبعد من ذلك: لو أن الأمين العام للأمم المتحدة كان مسلماً، وصدر
عنه مع بداية مشوار مدريد ذلك الموقف الشهير بتفسير قرارات مجلس الأمن الدولي
بأنها لا تلزم الإسرائيليين على انسحاب من أرض احتلوها عام 1967م لأن الميثاق نفسه
لا يقرر ذلك - فهل كانت الأقلام الإسلامية ستهدأ وتسكت عن ذلك الموقف لمجرد انتساب
الأمين العام إلى المسلمين آنذاك؟ ولو كان مسلماً ووقف كما وقف بطرس غالي مع
الولايات المتحدة الأمريكية بمواقفه وتصرفاته، في تحويل مهمة إعادة الأمل في
الصومال إلى مهمة مطلوب القبض عليه حياً أو ميتاً بأساليب رعاة البقر مع توجيه
الضربات الدموية المباشرة لعامة أبناء الصومال، وليس لفرد بعينه يقود إحدى
الميليشيات المسلحة... فهل ستسكت الأقلام الإسلامية لأن الأمين العام مسلم وحسب؟
ولو كان مسلماً وامتنع عن استخدام منصبه وفق صلاحياته المحدودة لتحويل
قضايا دامية مثل كشمير.. وطاجيكستان... وأبخازيا.. وشيشان.. وبورما إلى قضايا
دولية.. على الأقل إلى جانب تركيزه بضغوط الدول الكبرى ودون ضغوطها، على قضايا
أخرى معروفة بأنها ذات أوضاع خاصة وذات أسليب مشبوهة في متابعتها الدولية، مثل
قبرص وليبيا وأفغانستان والصحراء الغربية والسودان.. فهل ستداريه وتحابيه الأقلام
الإسلامية آنذاك لمجرد أنه مسلم وتتناسى معه ما يرتكب من مذابح ومظالم في تلك
القضايا الدامية المهمة بالتناسي والتجاهل؟
ولو كان مسلماً ورصد أصحاب الأقلام الإسلامية أشد الانتقادات له
ولدوره، على ألسنة القادة التابعين له داخل البوسنة والهرسك، ومن جانب المنظمات
الإنسانية غير الإسلامية العاملة هناك.. فهل ستدافع الأقلام الإسلامية آنذاك عنه
متجاهلة حرب الإبادة الجارية والتواطؤ الدولي القائم.. باعتباره مسلماً فحسب؟
الواقع أن التفكير بهذا الأسلوب أقرب إلى السذاجة ونتجنب استخدام
تعابير أخرى قد تكون أنسب وأصح! إن بطرس غالي يعلم قبل سواه أن غير المسلمين هم
الذين يقدمون عامل الانتماء الديني المجرد في انتقاء الأشخاص المناسبين للمناصب
الدولية من غير المسلمين، وآخر الأمثلة على ذلك رفض اقتراحه هو بأن يعين شريف
بسيوني غير المتهم بإسلامية أو أصولية.. في منصب رئاسة المحكمة الدولية لمجرمي
الحرب في أرض يوغوسلافيا المنهارة، وكان تعليل الرفض أنه مسلم يرفضه الصربيون، أما
أن يتم اختيار أعضاء المحكمة جميعاً من غير المسلمين حتى من كان منهم من ماليزيا
وباكستان، فأمر يجب أن يقبل به المسلمون، وكأنه لم يعرف عن غير المسلمين انحياز
أبداً!
إن المواقف السياسية والتصرفات العلنية من جانب بطرس غالي هي التي
كانت موضع النقد بغض النظر عن مدى ارتباطها أو عدم ارتباطها بحقيقة كونه نصرانياً
قبطياً، أو كون زوجه يهودية مصرية، أو كون عدائه للاتجاه الإسلامي معروفاً من قبل
أن ينتقل من موقعه في مصر إلى موقعه في نيويورك.. وقد كانت تلك المواقف والتصرفات
موضع النقد من جانب أصحاب الأقلام الإسلامية، وكذلك من جانب سواهم. ولكن سواهم عند
بطرس غالي موضع حسن النية، أو المصلحة، أو سوى ذلك من الأسباب المتعارف عليها وعلى
التعامل بموجبها.. أما الإسلاميون - وعلى حد تعبيره الأصوليون - فأمرهم معروف
الحسد.. أو الضغينة.. أو التعصب.. أو ما شابه ذلك حسبما يقرره المنظار الذي ينظر
به الأمين العام!
كلا!.. ليس الإسلاميون - ولا نبرئ بشراً من الخطأ - هم الذين ينتقدون
بطرس غالي تحاملاً عليه لمجرد أنه غير مسلم - كما يتهمهم - بل بطرس غالي يشهد على
نفسه بالأسلوب الذي اتبعه في الدفاع عن مواقفه ومهاجمة ناقديه، بأنه ينطلق تجاه
الإسلاميين بالذات من منطلق التحامل والتعصب، وبأسلوب الأصولية الفكرية العلمانية
المتحجرة للتهجم على صاحب الرأي الآخر لمجرد أنه إسلامي المنطلق مع السعي للظهور
بمظهر أن كل ما عدا ذلك في نظره واقعي، ومنطقي، ومقبول، ويسمح بنقاش وحوار...
وتفهم وتسامح... وأخذ ورد!
ولكن.. لن ينكسر القلم الإسلامي المخلص... ولن يفيد لهذا الغرض أسلوب
التهجم والتعصب والتحامل ومحاولات وأد الفكر الآخر، وما هو أبعد من ذلك، مما يجري
في كثير من البلدان الإسلامية.. وبسعي القوى الدولية.. فالقلم الإسلامي عندما
يتحرك بما يراه صاحبه، على طريق التوعية وطريق النقد.. وطريق التعامل مع الفكر
الآخر وطريق انتقاد من يضطهد الفكر والإنسان معاً.. إنما ينطلق في ذلك كله من
مبادئ ثابتة لا يملك تبديلها .... وهو في ذلك أصولي فعلاً.. يعود إلى أصل من
الأصول الإسلامية الراسخة الخالدة فيجهر بالحق لا يخاف في الله لومة لائم....
ملتزماً بمثل قوله تعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ
قَوْلٗا سَدِيدٗا﴾ (الأحزاب: 70)
وقوله عز وجل:
﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا
تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰ﴾ (المائدة: 8)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل