العنوان تحليل سياسي: الهزائم العربية أمام المد الصهيوني
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1994
مشاهدات 60
نشر في العدد 1112
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 16-أغسطس-1994
لا يمكن أن نفهم حالة المزاحمة والاندفاع العربية لخطب ود الكيان
الصهيوني والتهالك على نشدان واشنطن كطرف وسيط، دونما إلقاء نظرة فاحصة وقراءة
متأنية لوقع الهزيمة العربية.. تلك الهزيمة التي تعاقبت على حروب المنطقة بغض
النظر عن وجود إسرائيل كطرف مباشر فيها أو مستفيد منها.. فالخلاصة أن الإخفاقات
والهزائم المتلاحقة قد اخترقت وعي الأمة، وحطمت جدر التضامن العربي، وخلقت مناخاً
من العداوة والبغضاء، وغلب مكر الليل والنهار على طبيعة العلاقات والسياسات
العربية.. فالحالة التي خلفتها حرب الخليج الثانية من تقسيم العرب إلى معسكرين
متناكرين "مع وضد" جعلت التشرذم يضرب بسيفه البتار أصرة المودة والقربي
بين كيانات الأمة، ويستأصل بغلوائه وشائج التنسيق والتعاون التي حفظت للنظام
العربي حالة من التوازن والردع للمستوى القادر على التهديد والمواجهة لعنجهية
الاستبداد "الإسرائيلي".
وفي لحظة الهزيمة التي تبددت فيها ثروات الأمة بدخول صدام حسين للكويت
كانت إسرائيل تسجل أعظم انتصاراتها بتحقيق حلم أمنها واستقرارها حيث يتشاغل العرب
بمقاتلهم الجانبية بعيداً عن حدودها ودونما تحد لوجودها.. فقد تهشمت قدرات العرب
العسكرية وولغ العربي بدم أخيه، واحتقنت الأحقاد والثأرات وغدت العداوة "مطلب
الزين" كما يقولون.
لقد جسدت لحظة الهزيمة تلك أبشع تجاعيد المرحلة، ودشنت نقطة البداية
للزمن "الإسرائيلي"، حتى تحتمي الثكنة الصهيونية
الاستعمارية-الاستيطانية وتتوسع على أكتاف النظام العربي التابع سياسياً وعسكرياً
لأجندة السياسة الأمريكية ووجودها العسكري بالمنطقة، وهي الحالة التي انتظرتها
"إسرائيل" طويلاً، لإقامة تحالف أو شبه تحالف تتحدد فيه جبهة المواجهة
لجهة التحدي التي تفرضها تطاولات حركة المد الإسلامي فيما يسمى بمشروع احتواء
الصحوة الإسلامية، والتي بدأ الصهيوني مارتن اندك - نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي
- بوضع التصاميم الأولية له.
لقاء حسين-رابين: المرحلة والهزيمة
لقد كانت حرب الخليج الثانية هي المقدمة لانفراط عقد التحالف والتعاون
والتنسيق العربي، فجاءت مدريد وأوسلو لتدخل على خط الهزيمة وتنساق معه.. فانفتح
الباب لإسرائيل للاختراق والتطبيع مع غاشية الضعف والتهالك السياسي والأمني التي
تعيشها الأمة العربية والإسلامية، وهي الحالة التي عجزت أن تعبر عن رفضها لما يجري
من تنازلات وتفريط في حقوق الأمة وأراضيها وأغلى مقدساتها.
لقد نجحت "إسرائيل" في أن تحفر لها أنفاقاً في بناء التضامن
العربي لتصل إلى قلب الأمة ووجدانها، فتنهكه بالخلاف وتعبئه بالحقد وعدم الأمان،
وكان الشرخ الذي أصاب عمادة البيت العربي وعلى إيقاع هذه التناقضات العربية عزفت
"إسرائيل" أحلى أنغامها، وأتت لشعبه بالأرض والسلام.
صحيح أن "إسرائيل" ما كانت لتجني كل هذا الثمر والانتصار
لولا الدعم الأمريكي اللامحدود لها ولسياساتها، وصحيح كذلك أن أمريكا ما كان بيدها
أن تفعل ما فعلت لصالح "إسرائيل"، لولا أن نفوذها قد تعاظم بالمنطقة في
أعقاب انتصارها في حرب الخليج الثانية إلى المكانة التي تؤهله "إذا أمرت أن
تطاع". حالة التمكين تلك هي التي عبدت الطريق لإسرائيل لتبدأ مشوار علوها
وإطلاق يدها في تكييف المنطقة بحسب إطار استراتيجيتها وتصورها للشرق الوسط
الجديد.. وبالتالي تقاطعت أجندة الأطراف الثلاث "أمريكا، إسرائيل، النظام
العربي" في نقطة التقاء مشتركة تعمل على تطويق حالة المد الإسلامي وتقليص
النفوذ الأصولي المعادي لإسرائيل إلى الدرجة التي تسمح باستمرارية تعايش منظومة
الحتميات الثلاث المستحيلة - شرعية الاحتلال، الدكتاتورية العربية، الهيمنة
الأمريكية - كمتطلب لبقاء "إسرائيل" قوية فاعلة لسنوات عجاف قادمة.
إن المشروع "الإسرائيلي" لسلام الشرق الأوسط الجديد سيجعل
منها دولة قوية يتقرب إليها الجميع ويتبارى في التعاون معها وفي نفس الوقت سيشكل
النظام العربي لها منطقة معزولة تفصلها عن ضغوطات المد الإسلامي الهائلة، حيث
سينشغل ذلك النظام - بتحريض من أمريكا وإسرائيل - بمواجهة حركة المعارضة الإسلامية
لاحتوائها أو تهميشها، في الوقت الذي تقوم فيه "إسرائيل" بتحطيم الحواجز
النفسية مع العالمين العربي والإسلامي، وتلعب أمريكا من جهتها بورقة التهديد
والاتهام للإسلاميين بالتطرف والإرهاب، لتدجين الخطاب الإسلامي و"توظيف"
اتجاهات تحركه، ثم إفراغه من جدلية تناقضه مع المشروع الصهيوني، ليقبل بصور التعدي
والهيمنة "الإسرائيلية" والتغاضي عما يجري من غبن وإجحاف على جبهة
التسوية الإسرائيلية- الفلسطينية، ثم الترويض للقبول والاعتراف بشرعية الوجود
الصهيوني على أرض فلسطينية.
إن أمريكا لا تفعل كل هذا من أجل مصلحة إسرائيل فقط، وإنما لأن السلام
في هذه المرحلة - على رأي روبرت تكر - أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جون هوبكنز -
يخدم استقرار المنطقة، ويؤمن لأمريكا استمرارية حصولها على النفط بأسعار زهيدة.[1]
كما يعين الأنظمة العربية على مواجهة تهديدات المد الأصولي بالمنطقة، حيث إن
الصراع العربي-الإسرائيلي ظل ومنذ بدايته هو المحرك لطاقات الجماهير ووجدانها،
والعامل المحفز لاتجاهات نهضة الأمة في مواجهة أخطار الوجود الصهيوني بالمنطقة
الإسلامية. إن المتغيرات الدولية الكثيرة التي أعقبت مرحلة انتهاء الحرب الباردة
أوجدت ظروفاً تعمل في غير صالح الطرف العربي، كما أصبحت عملية التسوية - سواء كانت
عادلة أم غير عادلة - والتوصل إلى حل بين الجبهات المتصارعة ضرورة لاستقرار
المنطقة، وبالتالي الحفاظ على المصالح الغربية فيها، وهذا يعتبر إنجازاً عظيماً،
في حال تحققه للسياسة الأمريكية وأهدافها في الشرق الأوسط.[2]
إن قراءة عاجلة لردات الفعل على الساحة العربية والإسلامية عامة، وفي
الأردن على وجه الخصوص، تعطي انطباعاً بأن الحالة "الجماهيرية" ما زالت
متعبة، وغير معنية بما يجري. فلقد تركتها تداعيات أزمة الخليج وحربها في حالة
إحباط قاتلة، أصابت نصالها وجدان الأمة وعقلها، فتحطمت فيها أوعية التحدي والوطنية
وتلاشت هلهلات الغضبة المضربة.
وفي لحظة العزاء - تلك - للجسد العربي المحتضر ونفسه الرميم وبغياب
فعالية الحشد الإسلامي تجاسر الزعيم الفلسطيني وآخرون في التعدي على كرامة شعوبهم،
ولم يضعوا ولو "قطميراً" من الاعتبار لمؤسساتهم الدستورية وأجهزتهم
التشريعية المنتخبة، ومن قبل ذلك ومن بعده هيبة الأمة ووعيها.
إن مرايا الهزيمة العربية مثقلة بالفواجع وأشكال العمالة.. والمصيبة
أنه في أشد لحظات السقوط والهزيمة نجد من يهتف "انتصرنا" وتلقى هتافاته
صدى بين شعب "عقله في أذنيه".
إن تاريخنا المعاصر - وقبل أن يطوي هذا القرن آخر صفحاته - سيكشف
حقيقة الدور القذر الذي لعبته واشنطن لتحطيم أمتنا، ونهب ثرواتنا، وإحالتنا إلى
قطيع من الخصوم يلعن بعضنا بعضاً، كما لن تخلو هوامش هذه الصفحات من تسجيل لأفعال
المال الحرام الذي تم توظيفه - إعلامياً - لتسويق فكر الهزيمة والاستسلام والعبث
بوجدان الأمة وتزييف مشاعرها وغيرتها، للتصاغر إلى وضع القابلية بالحالة الصهيونية
الاستعمارية الاستيطانية المفروضة عليها.
إن التحرك الأمريكي الهادف إلى تحقيق التسوية السلمية ينطلق من التزام
قومي أمريكي دائم بأمن إسرائيل، وبالتالي يجب ألا يفهم أنه يمكن أن يترتب على
السياسة الأمريكية الجديدة تخفيض لتأييد "إسرائيل" لمصلحة الأقطار
العربية، فما دام أصدقاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتقاسمون مصلحة مشتركة
في السلام وفي دور أمريكي قوي في الشرق الأوسط، وفي كبح جماح النفوذ الإسلامي
بالمنطقة، فإن قيام علاقات وثيقة مع فريق لا تعني علاقات أقل مع الفريق الآخر.. إن
"إسرائيل" كانت على عهد القطبية الثنائية قيمة استراتيجية لأمريكا
بالمنطقة وما زالت تحاول - بعد انتهاء فترة الحرب الباردة - التفاوض لكسب صفقة
"محاربة الأصولية الإسلامية" لحماية النظام العربي الحليف لواشنطن.. وقد
استطاعت "إسرائيل" من خلال الإعلام الصهيوني في الغرب ورجالاتها بالبيت
الأبيض أن تتأهل للفوز بالصفقة.
إن تاريخ أمريكا بالشرق هو تاريخ "إسرائيل"، وإن المراجعة
لصفحات العلاقة تكشف لنا أن الرهان على أمريكا لمصلحة شعوبنا هو رهان على الحصان
الخاسر، وما كشفته الحقائق والتحاليل يكفي دليلاً على ذلك، فكل المشاريع الأمريكية
لحل مشكلة الشرق الأوسط تقوم على تأمين الحماية والاستقرار "لإسرائيل"،
لا أكثر ولا أقل، وكل التفاصيل الأخرى لا تعطى للعرب من "الجمل أذنه"[3].
وإذا ما حاولنا أن نفهم الدور الذي لعبته أمريكا في تركيع الأنظمة
العربية واحداً إثر الآخر، فإن علينا أن نراجع سياسات أمريكا تجاه المنطقة، والتي
يمكن تلخيصها منذ ترومان وحتى الآن بمجموعة المبادئ التالية:[4]
استمرار التخلف وتكريس التجزئة في الوطن العربي، والعمل ضد قيام تضامن
عربي ذي مصداقية واستقلالية عن الغرب.
تأمين استخراج النفط واستمرار الحصول عليه كسلعة اقتصادية بأسعار
تناسب الدول الغربية كسلعة استراتيجية للغرب فيها حق كامل وكلي ومطلق.
ولتحقيق نجاح هذه الأهداف رأت الولايات المتحدة ضرورة استمرار الدعم
الكامل لدولة "إسرائيل" في النواحي العسكرية والاقتصادية والمحافظة
عليها كأقوى قوة ضاربة ضد أي دولة عربية أو مجموعة من الدول العربية المناهضة
للسياسة الأمريكية في الوقت الحاضر أو في المستقبل، أي إبقاء المنطقة في دائرة
النفوذ الأمريكي.
وهذا يعني - خلاصة - أن "إسرائيل" ستظل هي مركز الثقل
بالنسبة للمصالح الأمريكية في المنطقة.
[1] Commentary, May 1993, P 21.
[2] المصدر السابق.
[3] القبس 1/22/
1984م ص 11.
[4] د. إبراهيم
إبراهيم "جماعات الضغط الصهيونية وأثرها على سياسة الولايات المتحدة
الأمريكية تجاه العالم العربي" دراسات في السياسة والتاريخ والاقتصاد دولة
الإمارات - وزارة الخارجية 1983م.