العنوان تحليل سياسي: الجذور الفكرية للسياسة الفرنسية تجاه الإسلام
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1994
مشاهدات 55
نشر في العدد 1112
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 16-أغسطس-1994
·
"الظاهرة الاستشراقية هي التي توجه
الدوائر الفكرية والسياسية الغربية ومنها الفرنسية وذلك لأهداف استراتيجية"
باريس عاصمة جمهورية "الحرية والمساواة والإخاء" تحولت في
الأيام القليلة الماضية إلى ثكنة عسكرية وتمت آلاف الاعتقالات للمهاجرين في فرنسا،
عمدة بلدية مونبلييه الفرنسية "جورج فريش" اقترح قبل مدة أن تضاف كلمة
والصرامة إلى الشعار السابق، ويبدو أن ما يجتاح العاصمة الفرنسية من اضطراب هذه
الأيام ما هو إلا إفرازات لموقف ذي جذور فكرية وتاريخية، ففرنسا تحصد هذه الأيام
نتيجة سياستها الاستعمارية السابقة والتي تعتمد على فرنسة المستعمرات التي احتلتها
الفرانكفونية وبالرغم من أن بلدانا عظمى كبريطانيا قد تخلت عن سياستها الثقافية
كأداة استعمارية واكتفت بالرباط الاقتصادي، إلا أن فرنسا ترى أن تواصلها الثقافي
والحضاري خصوصاً مع دول المغرب العربي يعتمد كثيراً على سعة عباءتها الفرانكفونية
ما يقارب "200 مليون إنسان"؛ ولهذا فإن على أرض فرنسا ما لا يقل عن 4
ملايين مسلم يشكلون جزءاً من حقيقة ديمغرافية لا فكاك منها.
في الماضي استخدمت فرنسا الدمج الثقافي لدمج حوالي 7 ملايين من
البولنديين والإيطاليين والروس والإسبان والبرتغاليين ما بين عام 1880 وعقد
الستينيات من القرن الحالي، وقد تم استخدام المدارس لتحويل أطفالهم إلى رجال
فرنسيين ونساء فرنسيات. ولكن الوضع الحالي معقد، فالمهاجرون الحاليون ليسوا
أوروبيين وليسوا نصارى ويعترف النائب المحافظ بيرليلوتشي بأن "المجتمعات
الفرنسية تقاوم مثل عملية الدمج هذه والتي تكلف أموالاً أكثر، إن التعددية
الثقافية تعني نهاية فرنسا".
ومروراً بمحاولات مجهدة من الزعماء الفرنسيين لإذابة ثقافية لـ: 350
ألفاً كانوا يقاتلون مع الجيش الفرنسي في الجزائر؛ وذلك بمساندة منظمة سوناكوترا
الفرنسية الإسكانية الاجتماعية إلى الدور الذي قامت به مؤسسات افتام "AFTAM" واسوتراف "ASSOTRAF" وسونديترا "SOUNDIATRA" لتحسين أوضاع المسلمين وسحب البساط من اليسار الماوي في عام
1975م كما برزت تلك المحاولات بإتاحة الفرصة لإنشاء مساجد ومنظمات إسلامية في عقد
السبعينيات من أبرزها جماعة التبليغ التي ولدت عام 1972م وكسبت في صفوفها مجموعة
من المهاجرين المغاربة والفرنسيين إلا أن عقد الثمانينيات والتسعينيات يمر بظهور
فاعل للجمعيات الإسلامية المدعومة من دول إسلامية مغاربية وعربية، "بسبب عدم
تمويل فرنسا لهذا النشاط" مما أوجد وضعاً جديداً للمسلمين وتغييرات فكرية
وثقافية لا تتناسق وسياسة الدمج الثقافي، ولهذا انتهجت الفرانكفونية الفرنسية
إيجاد ما يسمى بالإسلام الفرنسي، والذي يهدف كما يقول الباحثان إدريس اليازمي من
جمعية جينيرك ومصطفى بلباح: "التكيف مع العلمانية لإبراز إسلام متحرر، مع
التحرر من الوصاية الأجنبية على غرار موقف نابليون من الديانة اليهودية لحصر
الإسلام في إطار حدود وطنية ضيقة، وتأسس لهذا الغرض في عام 1989م، "مجلس
التفكير حول الإسلام في فرنسا" "كوريف" وذلك بمبادرة من وزير
الداخلية في ذلك الوقت "بيار جوكس" وكانت مهمته تنظيم مسألة تمثيل
المسلمين في فرنسا وتقديم المشورة للوزير المكلف بالأديان حول المشاكل التي يطرحها
عليهم.
إلا أن ما يظهر للعيان وفق تحليل "عز الدين قلوز" - أستاذ
بجامعة باريس، وعضو هذا المجلس "والذي جمد حالياً" - أن هناك فشلاً
واضحاً لتحقيق الاندماج بسبب أنه لا يوجد في الإسلام كنيسة بالإضافة إلى هيكلية
الجاليات الإسلامية وعدم حل مشاكل المسلمين التعليمية والتربوية والدينية، ويضيف
"Jean Gaeremynch"
وهو مقرر المجلس الأعلى للاندماج: أن مشكلة الأحوال الشخصية من المصادر الرئيسية
لمواطن الاحتكاك الحضاري.
واكب ذلك سياسة عملية قام من خلالها عمداء في نيس وبيساك ونانت وأميان
بالاستيلاء تلقائياً على الأراضي التي يريد المسلمون إقامة أماكن للصلاة فوقها.
فالإسلام لم يعترف به كديانة ثانية في فرنسا ولا يوجد سوى تسعة مساجد في فرنسا ولا
يوجد للمسلمين مدارس خاصة على غرار الجاليات الكاثوليكية أو اليهودية.
لكن ليس هذا كل شيء إن المشكلة جذورها تنبع من تداخلات فكرية وتاريخية
فالظاهرة الاستشراقية والتي توجه "الدوائر الفكرية السياسية الغربية"؛
ومنها الفرنسية مقدمة أهدافاً سياسية واستراتيجية، وهذه الظاهرة عادة ما توجه
صياغة القرار السياسي في فرنسا وغيرها، فالظاهرة الإسلامية تعتبر وفق ذلك تهديداً
للغرب والحضارة الغربية وغالب الدراسات ربطت بين الإسلام والعنف، وهذا يتضمن فهماً
استشراقياً ونزعة لتشويه الإسلام أكثر مما يتضمن الفهم الموضوعي والحيادي للإسلام
والمسلمين ثم التجمع على أساس الصراع مع المشروع السياسي الإسلامي وأصبح الإسلام
هو الخطر الأيديولوجي الجديد بدلاً من الشيوعية.
تقول الباحثة كاثرين فيتول في مجلة المشروع "Projet" في عددها رقم (231) 1992م: إن
المستشرقين تركوا المجال لوسائل الإعلام التي ركزت على الجانب السلبي، ثم تم خلط
الإسلام مع العديد من القضايا: "رشدي، الحجاب، حرب الخليج" بحيث اقترن
في الأذهان مع الأصولية ذات الأبعاد السياسية إلى حد التخوف من طابور خامس ذي
ولاءات مشبوهة للخارج ووصف المسلم بأنه: ينتمي إلى مؤامرة ثقافية ودينية على
الحقوق الفرنسية.
وتذهب الباحثة فيتول إلى أبعد من ذلك حيث تؤكد على أن نظرة المنتصر
"الفوقية" تسيطر على أذهان الفرنسيين وأن ما عداها هو ظلامية وانحطاط
"لاحظ نفس ألفاظ الرئيس التونسي بن علي عن الإسلاميين في تونس"، ومن ذلك
نستطيع أن نعرف خلفيات مقولة كوفي يامغنان. وقد عمل وزيراً للإدماج في الحكومة
الاشتراكية "من السهل للفرنسيين أن يقولوا للمهاجرين أنتم أدنى منزلة لأننا
قد استعمرناكم" وتضع الباحثة الخطاب الاجتماعي الفرنسي للظاهرة الإسلامية
الذي يبتعد عن الخطاب العلمي الأكاديمي والذي يركز على أصول الحضارة الإسلامية
ليستبدل ذلك بالتركيز على إشكاليات محسوسة مثل: "الاندماج، إسلام فرنسي،
قراءة جديدة للهوية الفرنسية العلمانية".
وتذكر أن كثيراً من المختصين قد أبرزوا هذا الخطاب الاجتماعي مثل: Loustant Hans, & Gilles Kepel, & Bruno
Etienne, & Remy
Leveau.
وتتابع قولها: "في المخيلة التاريخية الغربية وخاصة الفرنسية فإن
الإسلام تجمع من المحاربين الغزاة وتعززت هذه النظرية من خلال الملاحم البطولية
التي قام بها "شارل مارتيل" في حملاته الصليبية.
وتركز الباحثة دي فاندان على أن الخطاب السياسي في فرنسا يوظف أفكاراً
مسبقة لكسب جانب من الرأي العام وحسب هذا الخطاب فإن الإسلام هو أفيون الشعوب وجذر
متجذر في الثقافة الأهلية مخترق جزئياً من الإسلاميين الأجانب ويأتي الخطاب
الإعلامي ليثبت المخاوف الجماعية من الإسلام كخطر على الهوية مع حتمية الصراع.
لهذا لا نجد غضاضة في أن بعض السياسيين الحاليين المتواجدين في
الدوائر الفرنسية متأثرين بتلك الجذور الفكرية فالمساعد الأساسي "جان
كلودبارو" المسؤول عن شؤون الهجرة والأجانب سكرتير وزير الداخلية الفرنسي
"شارل باسكوا" تهجم على القرآن ووصفه بالكتاب المتخلف، وتعرض للإسلام
ووصفه بالدين "الرجعي"، هذا "جان" من أبرز الكتاب والمفكرين
المعادين للإسلام وله مؤلف مشهور صدر منذ عامين تحت عنوان: "الإسلام والعالم
المعاصر"، يحذر فيه الغرب من عودة الخريطة الإسلامية، ويبين أن الإسلام يمثل
تهديداً مباشراً للحضارة الأوروبية المعاصرة، ويدعو لاتخاذ موقف حاسم وحازم
للمواجهة.
وعمدة بلدية مونبلييه "جورج فريش" الذي يسميه الفرنسيون
"الأب الصغير المحاصر للمسلمين في فرنسا" يصرح إلماري فارسن ايتجون
قائلاً: "إن الإسلام يخلق مشكلة؛ لأنه لا يفرق بين الروحي والزمني"،
وبالرغم من تأكيدات المفكر الفرنسي "أوليفيه روا" مؤلف كتاب: "فشل
الإسلام السياسي" في جريدة لونوفل أوبسرفاتور في 28 فبراير 1993م: "إن
الحركة الإسلامية لم تغير في العمق الجيو- استراتيجية في الشرق الأوسط، وهذه
البنية لا تزال بيد السلطات الرسمية، وأن ما يسمى بالتهديد الإسلامي ليس سوى شبح
فرنسي".
بالرغم من ذلك فإن وزير خارجية فرنسا "رولان دوما" يصرح في
مارس الماضي إلى أن "تصاعد الأصولية في الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض
المتوسط سيشكل الظاهرة الأخطر والأهم في السنوات المقبلة"، ويؤكد بأن
"فرنسا ستساعد الجزائر في النضال ضد الأصولية".
ويطالب المفكر الفرنسي "أوليفيه روا" بعدم طرد الإسلام
السياسي بالقوة من الساحة السياسية بل مساعدته للتأقلم مع التعددية.
إلا أنه بالمقابل نجد أن ألن جوبيه "سكرتير عام حزب التجمع من
أجل الجمهورية" لا يلوم السلطات الجزائرية والتونسية لمعالجتها للمشكلة
الأصولية بالطرق البوليسية.
ووفق ما أوردته لو نوفل أوبسرفاتور الفرنسية في عددها الصادر في 18
نوفمبر 1992م، من أن الاستخبارات العامة الفرنسية أرسلت تقريراً في شهر يونيو
1992م إلى قصر الإليزيه تدعو فيه إلى الحذر من تأثير أطروحات الإسلاميين على الجيل
الثاني في فرنسا، وترى أن التأثير قد تعاظم كثيراً منذ حوالي العام.
هذا التناقض بين سياسة الإسلام الفرنسي والموقف السياسي يجعل فرنسا
تعيش هذه الأيام مأزقاً داخلياً ناتجاً من هيمنة الأفكار المتولدة عن صراع حروب
شارل مارتل الصليبية وإن موقف فرنسا سيكون أكثر حرجاً عندما تسير الأمور على غير
ما يرام لصالح الإسلاميين في الجزائر.
فالباطن الفرنسي الديمغرافي والذي يشكل المسلمون 4 ملايين منه
بالإضافة إلى ما لا يقل عن 1000 منظمة سيكون في وضع غير مستقر.
يقول الأستاذ عبد الله بن منصور مصرحاً في أبريل 1992م في مجلة الحياة
الفرنسية "LA VIE PUBLIQUE"
وهو عضو مجلس شؤون المسلمين في فرنسا: "إن المسلم الصالح لا يمكن إلا أن يكون
مواطناً صالحاً ولكن إذا شعر المسلم أنه يعتدى عليه في دينه فهنا لا يمكنه أن يكون
ذلك المواطن الصالح، الإسلام دين منفتح ويتوجب على العمداء أن يكلفوا أنفسهم
بالتحاور مع الممثلين المسلمين، وأن الإسلام الفرنسي هو في الواقع إسلام اختلقته
فرنسا من أجل نخبة علمانية".
يقول الشيخ عبد الهادي دوري إمام مسجد ماداراغ في جنوب فرنسا:
"من يخاف النار لديه قش في أحشائه".
فهل تفلح فرنسا في حماية الإسلام الفرنسي.