; تحليل سياسي الانتخابات القادمة في مصر.. قضايا تحت المجهر (۱-۳) | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي الانتخابات القادمة في مصر.. قضايا تحت المجهر (۱-۳)

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

مشاهدات 79

نشر في العدد 1115

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

·       بدأت إرهاصات الانتخابات القادمة في مصر الآن على صفحات الجرائد وفي دهاليز الأحزاب.

·       ويمثل النظام الانتخابي محور اهتمام الأغلبية بينما تمثل ضمانات حقيقية لانتخابات حرة نزيهة محور اهتمام المعارضة.

·       وتمثل القوى الإسلامية خاصة الإخوان المسلمين الهاجس الأكبر في هذه الانتخابات، وتطل التجارب الإسلامية في الجزائر وتركيا واليمن والأردن برأسها وتلقي بظلالها على مصر.

ونظرًا لما تمثله مصر من ثقل كبير في المنطقة ولما يمثله مستقبلها السياسي من أهمية.. فسوف أستعرض في حلقات ثلاث القضايا التالية:

خريطة القوى السياسية.

الحوار الوطني والنظام الانتخابي.

موقف الحركة الإسلامية.

دور الإخوان المسلمين.

الحوار الوطني

كان الحوار الوطني الذي أطلق دعوته رئيس الجمهورية في أكتوبر 1993، ثم أكدها في نوفمبر 93، ثم أعطى شرارة البدء في مايو 94 وتم في يوليو الماضي مع مباريات كأس العالم فرصة كبيرة لإعادة ترميم الجسور بين الحكومة وحزبها الوطني وبين أحزاب المعارضة الرسمية والقوى الشديدة التي تتمتع بتأثير واضح في الحياة السياسية المصرية وفي مقدمتها الإخوان المسلمون وللأسف الشديد ضاعت الفرصة لعدة أسباب من أهمها:

عدم اعتراف الحكومة بوجود أزمة حكم أصلًا.

عدم قبول الحكومة بتوسيع دائرة المشاركة في الحكم وهي هدف الذين نصحوا بالحوار (أمريكا).

اختلاف الأهداف فالحكومة كانت تريد الحصول على تأييد في مواجهة أعمال العنف المتفاقمة، وفجأة اكتشفت أنها قد أجهزت على 90% من أعمال العنف فتراجعت عن هذه الأولوية.

والمعارضة كانت تريد الديمقراطية الحقيقية، واكتشفت أن المطلوب وجودها كديكور تجميلي لا أكثر، فانسحب الوفد وجمد الناصريون واشترك الآخرون لضغوط أو تهديدات أو تحقيق مصالح خاصة.

نتيجة الحوار

جاءت نتيجة الحوار بالتالي مخيبة للآمال فقد نجح المنتفعون من قيادات الحزب الوطني الحاكم بإجهاض فكرة الحوار من أساسها، ويكفي للتعبير عن ذلك ما كتبه أحد المشاركين من غير السياسيين حتى لا يتهمه أحد بأنه ذو غرض وهو محمد صديق لهيطة الرئيس السابق لغرفة السياحة المصرية في أخبار 7/8/94 يقول: "ولم يكن هناك وقت كاف للحوار أو المناقشة المباشرة بين المتكلم ومن يرغب من الحاضرين في مناقشته رغم الأهمية الكبيرة لذلك".

ولم يسفر الحوار -رغم الآمال التي علقها المتفائلون عليه- إلا عن اتجاه مشبوه لإجراء الانتخابات القادمة والمقرر عقدها في العام القادم 1995 لمجلس الشعب بالقائمة الحزبية النسبية والعدول عن النظام الانتخابي الفردي الذي تم العودة إليه في انتخابات عام 1990 والتي قاطعتها قوى المعارضة جميعًا مع شذوذ حزب اليسار (التجمع).

لماذا هو اتجاه مشبوه؟

للأسباب التالية:

أن هذا الاتجاه تبرأ منه الجميع بعد الهجوم الشديد عليه من جانب كل القوى السياسية، وكتب نائب رئيس تحرير الوفد في 11/8/1994 يقول: "نظام الانتخاب بالقائمة بدون أبوين شرعيين؛ فالحزب الوطني يعلن براءته من هذه التهمة".

أن قيادات الحزب الوطني تتصارع الآن حول النظام الانتخابي القادم فبينما يرفض أمين عام الحزب "د. يوسف والي" الرجل الغامض نظام القائمة تمامًا، تؤيده -على استحياء أحيانًا- بعض قيادات الحزب التي تنتفع ماليًا وتنظيمًا من هذا النظام بسبب التنافس على إدراج الأسماء في القائمة أولًا، ثم التنافس على ترتيب الاسم داخل القائمة ثانيًا، وفي كل لا بد من دعم الحزب ماليًا.

أن هناك حكمين من المحكمة الدستورية بعدم دستورية فقرات عديدة في قانوني الانتخاب بالقائمة المطلقة ثم النسبية بسبب التمييز بين المواطنين من ناحية، وعدم تكافؤ الفرص بين المرشحين الحزبيين وبين المستقلين من جهة أخرى.

ورغم حماس بعض ترزية القوانين من أساطين الحزب الوطني في الدفاع عن هذه النقطة، إلا أن الشعور العام هو بعدم دستورية قانون الانتخابات بالقائمة.

أن الرئيس شخصيًا لم يفصح عن رأيه بعد في النظام الانتخابي القادم، وتتضارب التقارير المرفوعة إلى الرئاسة حول صلاحية النظام الانتخابي، ومعيار الصلاحية ليس بالضرورة مدى الديمقراطية أو الدستورية بل كفاءة النظام المقترح لحرمان التيار الإسلامي المؤثر من الوجود الفعال داخل مجلس الشعب القادم.

وبالتالي نجد أنفسنا في نهاية القرن العشرين ومع تصاعد موجة الديمقراطية والحرية السياسية، وفي ظل الاتجاه إلى ربط المعونات الخارجية بشروط سياسية، ومع تزايد السخط الشعبي ضد الحكومة القائمة والذي لا تخطئه عين نجد أنفسنا أمام دعوة إلى العزل السياسي.

لم يسفر الحوار إلا عن اتجاه مشبوه لإجراء الانتخابات القادمة لمجلس الشعب بالقائمة الحزبية النسبية المحكوم بعدم دستوريتها مرتين من المحكمة الدستورية وذلك لعزل التيار الإسلامي..

محاولة عزل التيار الإسلامي

لا يخفى على أي مراقب ما يتمتع به التيار الإسلامي ويقصد به هنا الإخوان المسلمون من شعبية تؤهلهم لمنافسة حقيقية مع الحزب الحاكم، وقد ظهر ذلك بوضوح في العقد الأخير 84-1994....

أولًا: نجح الإخوان بتنسيقهم مع حزب الوفد عام 84 في اجتياز حاجز نسبة الـ 8% وحصلوا مجتمعين على حوالي 18% من الأصوات و57 مقعدًا في المجلس النيابي كان نصيب الإخوان منها عشرة مقاعد، بينما فشل بقية الأحزاب جميعها في اجتياز ذلك الحاجز وكان أعلاها نسبة حزب العمل الذي حصل على 7% فقط ولم يتم تمثيله في مجلس 84 ولكن تم تعيين خمسة من قياداته.

ثانيًا: نجح الإخوان بتحالفهم مع حزبي العمل والأحرار في إطار التحالف الإسلامي عام 1987 في اجتياز حاجز الـ 8% مرة أخرى وحصلوا على حوالي 20% من الأصوات و60 مقعدًا في المجلس كان نصيب الإخوان منها 37 مقعدًا وشكلوا في التحالف زعامة المعارضة التي انتقلت من الوفد إلى العمل، وكاد الوفد أن يخفق في اجتياز حاجز النسبة وحصل على 10% فقط وترددت أقاويل أن الحكومة ساعدته في عدة مواقع لكي يمثل داخل المجلس ولا ينفرد الاتجاه الإسلامي بالمعارضة.

ثالثًا: خاض الإخوان منفردين انتخابات النقابات المهنية بدءًا من عام 84 في نقابة الأطباء وغيرها بعد ذلك كالمهندسين والصيادلة والبيطريين والأسنان والتجاريين حتى وصلوا إلى نقابة المحامين عام 1992 واستطاعوا الفوز بجدارة في هذه الانتخابات النقابية، ولم يصمد لمنافستهم أي قوة أخرى حكومية أو معارضة حتى مررت الحكومة قانون النقابات الموحد عام 1993 لوقف هذا الفوز الكبير ومع ذلك لم يفلح القانون في ذلك.

رابعًا: خاض تحالف الإخوان والعمل انتخابات المحليات عام 1992 في حوالي 15% من الدوائر ونجح الإخوان في تحقيق مكاسب معقولة، فمن بين 300 قائمة انتخابية رشحوها مع العمل فازت 120 قائمة واستطاعوا أن يسيطروا على المجالس المحلية لـ 17 مدينة كبيرة في مصر وحوالي 40 قرية.

خامسًا: أثبت الإخوان كفاءة عالية في النشاط الأهلي الاجتماعي خاصة في إغاثة الملهوفين وظهر هنا جليًا في كارثة الزلزال عام 1992 حيث كانت ثقة الشعب في لجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة أطباء مصر أكبر من ثقته في أي جهة أخرى، مما دفع الحكومة لإصدار أمر عسكري يمنع كافة من جمع التبرعات.

السبب الحقيقي

لا يخفى على القارئ المتابع أن السبب الحقيقي لعزل التيار الإسلامي هو التجارب الخارجية خاصة تجربة الجزائر الدامية.

إن قبول التيار الإسلامي الدخول في حلبة الانتخابات النيابية وإعلانه الاستعداد لقبول قواعد اللعبة الديمقراطية أهله لثقة عالية من جماهير الشعوب الإسلامية بحيث أصبحت نتيجة أية انتخابات تأتي بالاتجاه الإسلامي في المركز الثاني إن لم يكن الأول مما يجعل التعامل معه ضروريًا، وتهرب بعض الحكومات من هذا الموقف، ولكن هروب إلى المجهول كما هو واضح في الحالة الجزائرية وقد يتكرر في تركيا أيضًا...

دلائل الاتجاه إلى الحرمان السياسي

ظهرت الدلائل واضحة في كلمات نقلت عن الدكتور مصطفى خليل مقرر مؤتمر الحوار الوطني ورئيس الوزراء الأسبق، ومهندس العلاقات المصرية-الصهيونية حيث نقل عنه في أهرام 8/3 في صفحة أحزاب ونواب "إن الانتخاب الفردي يمكن أن يتسلل من خلاله أصحاب التيارات السياسية غير الشرعية"، وأضاف قائلًا: "إنه يجب على من يفوزون في الانتخابات من المستقلين أن يحتفظوا بصفاتهم السياسية التي انتخبوا عليها دون تكوين تكتل في المجلس النيابي" ص 18.

إذن هذا تخوف من النظام الفردي.

ويتدارك السيد فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد هذا الأمر ليبين من وجهة نظره خطر الانتخاب بالقائمة، فبعد أن يبين أن هدف الحزب الوطني من اختيار نظام القائمة هو إحكام السيطرة على أعضائه وتأديبهم ومنعهم من الخروج على الخط المرسوم إذا به يقول في كلمته بجريدة الوفد في 1/8/1994 في الصفحة الأولى:

"غير أنه (الحزب الوطني) نسي الآثار الجانبية التي قد تعود عليه بأفدح الأضرار في خلل هذا النظام خصوصًا عن طريق قوائم المستقلين، ويبدو أن هذا الخطر بدأ يتعاظم في ذهن المناصرين لنظام الانتخاب بالقائمة. لذلك ظهرت أخيرًا نغمة جديدة تحذر من التورط في هذا النظام".

وكان أوضح المتناولين لهذه القضية الأستاذ محمود معوض المحرر البرلماني للأهرام في أهرام 10/8/1994 تحت عنوان "الخارجون على الشرعية بين القوائم والنظام الفردي"، حيث يقول: "تعالت صيحات الغيورين على نظامنا الديمقراطي، وهي تحذر من استغلال المتطرفين لثغرات النظام الفردي، وتطالب بالعودة إلى نظام القوائم ليكون جدارًا منيعًا يحول دون تسلل هذه الجماعات إلى مجلس الشعب".

ويؤكد على ضرورة استبعاد القوى الخارجة على الشرعية، ولكنه ينقل عن أحد الخبراء قوله: "إنه من المستبعد أن تنجح القوائم في منع وصول هذه القوى إلى مجلس الشعب نتيجة اضطرار الأحزاب إلى عقد تحالفات سياسية مثلما حدث مع الإخوان والوفد ثم العمل".

ثم يؤكد هذا الخبير ضرورة عدم تضخيم الخوف من تيارات أو اتجاهات قد تسقط -وقد سقطت- في أول مواجهة علنية حقيقية معها.

إذن الحيرة تضرب في أطناب الحزب الوطني صاحب القرار، والصراعات تدور علنية أو خفية بين قياداته والهاجس هو الخوف من "التيار الإسلامي".

فما هو موقف القوى الأخرى من الانتخابات القادمة في مصر؟ لهذا حديث آخر

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل