; تحليل الواقع بمنهج العاهات المزمنة «الأخيرة» القطيعة مع السياسة | مجلة المجتمع

العنوان تحليل الواقع بمنهج العاهات المزمنة «الأخيرة» القطيعة مع السياسة

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-2000

مشاهدات 66

نشر في العدد 1404

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 13-يونيو-2000

* الأنصاري جعل من الاستعمار الغربي لوطننا العربي تحريرًا من السيطرة الرعوية التركية وجعل من جلاء الاستعمار عن بلادنا انكشافا للضعف الذاتي.

* هل يجوز أن نتهم الحضارة والأمة بهجران السياسة والقطيعة مع عالمها وضعف الإبداع فيها لا لشيء إلا لتوظيف كلمة لابن خلدون في غير ما قيلت له؟

يستشهد الدكتور الأنصاري بما لا يشهد له، عندما يوظف كلمة ابن خلدون: «فبعدت طباع العرب لذلك عن سياسة الملك» وهي التي قالها ابن خلدون في عرب البداوة المتوحشة، عندما يوظفها في دعوى قيام القطيعة بين الأمة العربية وبين السياسة بإطلاق.. فيتهم العرب بتدني إنتاجهم في السياسة كعلم وفن ويتهم علماء الإسلام بالقطيعة مع السياسة وعالمها .. فيقول:

« إن الحضارة الإسلامية غنية بعطائها الروحي والعلمي والإنساني، فيما عدا عطاء السياسة.. وإن ظاهرة القطيعة بين الأمة ومفكريها من ناحية، وبين السياسة وعالمها من ناحية أخرى، لا تقتصر على محمد عبده - الذي لم يفعل .. عندما استعاذ بالله من السياسة أكثر من تأكيده استمرارية الماضي في الحاضر- وإنما تمتد عمقًا في جذور التاريخ العربي والإسلامي([1]).

ولو أن الدكتور الأنصاري قد اتهم «الدولة المستبدة» في تاريخنا القديم والحديث والمعاصر - بتحجيم الإبداع في السياسة ومعاداة الفكر السياسي - وخاصة السياسة الدستورية، المنظمة لعلاقات الحكام بالمحكومين - لكانت لتهمته وجاهتها .. أما أن تكون تهمته موجهة « للحضارة الإسلامية.. وإلى الأمة ومفكريها.. قديمًا وحديثًا» فلا بد من محاورته حول مدى الموضوعية والصدق في هذا الاتهام.

 فليس صحيحًا أن عطاء الحضارة الإسلامية في الفكر السياسي قليل أو ضعيف.. ذلك أن التأليف في الفكر السياسي قد بدأ في الحضارة الإسلامية بمباحث الإمامة والخلافة. ولقد ظلت هذه المباحث لعدة قرون تأتي ضمن التأليف في علم الكلام، ومنذ أن استقلت مباحث السياسة والأحكام السلطانية - كفن مستقل – بالتأليف- في عصر الماوردي (٣٦٤ - ٤٥٠ هـ - ٩٧٤ - ١٠٥٨م) أصبحت لدينا في التراث السياسي ثروة ضخمة في هذا الميدان.

 وإذا كان دمار مكتبات بغداد والشام، في ظل الاجتياح التتري، قد ذهب بكثير من كنوز - ومنه التراث السياسي، وإذا كانت مخطوطات التراث - والتي يزيد عددها على ثلاثة ملايين مخطوطة – لا تزال موزعة في مكتبات المعمورة، دون أن يكون لها فهرس واحد يحصرها، ويعين على التحديد الدقيق لحجم التراث السياسي فيها، فإن باحثًا واحدًا «هو الدكتور نصر محمد عارف، قد أحصى - في مصادر التراث السياسي الإسلامي- أكثر من ثلاثمائة مصدر، لم يطبع منها سوى سبعة!.. وهو يعترف بأنه لم يبلغ عشر معشار الاستقراء المصادر هذا التراث([2]).

وإذا كان ما نسبه الدكتور الأنصاري للأستاذ محمد عبده من مقولة أنه وجد في أوروبا إسلامًا بلا مسلمين، ووجد في الشرق مسلمين بلا إسلام... هي من الأخطاء الشائعة التي لم يقلها محمد عبده - بل كان فكره على النقيض من معناها - فإن معنى السياسة وأصولها ومشتقاتها إنما كان معنى للسياسة المكيافيلية.. سياسة المناورات اللاأخلاقية، التي سادت بمصر عقب احتلال الإنجليز لها .. ويومئذ «طلق» محمد عبده هذا اللون من «السياسة» واشتغل بصناعة التجديد الفكري وتربية الصفوة والنخبة اعتقادًا منه أن ذلك هو الذي سيثمر - ولو بعد السنين الطوال - تحقيق الهدف السياسي من مقاصد مشروعه الفكري الثلاثة.. وعن هذا الأمر قال: « أما أمر الحكومة والمحكوم، فتركته للقدر يقدره، وليد الله بعد ذلك تدبره، لأنني قد عرفت أنه ثمرة تجنيها الأمم من غراس تغرسه وتقوم على تنميته السنين الطوال، فهذا الغرس هو الذي ينبغي أن يعنى به الآن ، والله المستعان»([3]).

 فهو لم يطلق السياسة - بالمعنى الواسع والجوهري للسياسة - وإنما اشتغل بالغراس والبناء في صناعتها الثقيلة غير متعجل لقطف الثمرات. ومع ذلك، فلقد عاش تلك الحقبة من حياته مشتبكًا مع الخديوي.. ومع الاستبداد.. والجمود.. إلى آخر قوى وميادين السياسة في ذلك التاريخ.

فهل، بعد ذلك، يجوز أن نتهم الحضارة والأمة والعلماء بهجران السياسة والقطيعة معها ومع عالمها، وضعف الإبداع فيها، لا لشيء إلا لتوظيف كلمة لابن خلدون في غير ما قيلت له؟!..

واستــرسـالًا في منهاج تحليل واقعنا التاريخي والحديث والمعاصر بمنهاجالعاهات المزمنة.. ذهب الدكتور محمد جابر الأنصاري إلى قمة تكريس الهزيمة، عندما حكم على العرب - كأمة - وعبر كل تاريخها - بالعجز عن حماية الذات، وطلب أو قبول الحماية من الأغيار فكأن العجز – برأيه- جبلة في صنف العرب.. عجز عن بناء الملك وسياسة الدولة، لأنهم بدو.. وعجز عن حماية الحواضر إذا سكنوا هذه الحواضر.

ولأن القول بعجز المجتمع العربي عن حماية ذاته قول شديد الغرابة، وبالغ الشذوذ .. فلقد ذهب الدكتور الأنصاري - هو أيضًا - يطلب الحماية من الآخرين، حتى يؤيدوه في دعواه.

لقد ذهب ليحتمي بابن خلدون، فظلمه ظلمًا عظيمًا، وذلك عندما قال:

« لقد شخص ابن خلدون سرعة تساقط الدول في الفضاء العربي الإسلامي، ومدى عجز المجتمع الأهلي الحضري العربي، وعجز الحواضر ومناطق العمران العربية عن حكم نفسها بنفسها وتوفير الدفاع الذاتي عن وجودها، بحيث أصبحوا عيالًا، على غيرهم في المدافعة والممانعة.. فقد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال.. حتى صار ذلك خلقًا يتنزل منهم منزلة الطبيعة».

 وهذا التعبير الخلدوني اللاذع نجده يمتد ليصور واقع التبعية العربية في عصرنا، حيث مازالت الكيانات العربية المعاصرة «عيالًا على غيرها» في الاستراتيجية والتقانة والاقتصاد، مما يشير إلى أن للتبعية جذورًا في التاريخ أقدم من ظاهرة الإمبريالية والاستعمار!!([4])

وبهذا التشخيص الذي ينسبه الدكتور الأنصاري - أو يستعين عليه - بابن خلدون يضعنا أمام «عاهة مزمنة» رابعة هي في رأيه من العقبات الطبيعية التي تحول بين العرب وبين الاستقلال عن الأغيار.. فلا لوم - إذن – ولا تثريب على الإمبريالية والاستعمار، بل ربما استحقا الشكر والثناء لحمايتهما العرب المعاقين دائمًا وأبدًا.

فهل هذا صحيح؟.. وهل يستطيع الدكتور الأنصاري الاحتماء في هذا الرأي - بابن خلدون؟! 

إن ابن خلدون يتحدث عن عجز العرب «المترفين» وليس عن عجز العرب «المتحضرين» بمفهومنا المعاصر للحضارة والتحضر - يتحدث عن عجز مجتمعات «الشر والفساد» ويزيد هذه الحقيقة وضوحًا نص ابن خلدون الذي يقول فيه: 

«فأهل الحضر «أي الترف والشر والفساد» قد ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة، وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وانفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم»([5]) بينما أهل الخشونة ليسوا كذلك « فإذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع، وذلك لأنهم أقدر على التغلب والاستبداد»([6]).

هذا هو فكر ابن خلدون.

وغير محاولة الاحتماء بابن خلدون.. يذهب الدكتور الأنصاري ليستشهد بالأستاذ محمد حسنين هيكل.. فيقول:

«وربطًا لهذا الماضي «والذي استشهد عليه بابن خلدون» - بالحاضر، فإن الدراسات التي أجريت في مصر لهزيمة يونيو عام ١٩٦٧م قد نبهت إلى أن الانقطاع التاريخي الطويل بين المجتمع الأهلي العربي وبين مهام ومسؤوليات الحرب كان ضمن الأسباب العميقة لهذه الهزيمة القومية الكبرى، فحتى منتصف القرن العشرين لم يكن العرب قد تعرفوا بعد على فكرة الحرب»([7])

فهل هذا صحيح؟.. وهل هزيمة يونيو عام ١٩٦٧م سببها الانقطاع التاريخي الطويل بين العرب وبين الحرب.

 لقد فتح العرب - تحت رايات الإسلام - في ثمانين عامًا، أوسع مما فتح الرومان في ثمانية قرون.

 ومن زمن الفتوحات إلى عصر الثورات الوطنية التي تفجرت ضد الاستعمار، من أجل التحرر الوطني وحماية الذات حفل تاريخ أمتنا بكثير من الوقائع والأحداث التي تنتقض ما يذهب إليه الأنصاري. 

وليس صحيحًا أن هزيمة يونيو عام ١٩٦٧م كان سببها الانقطاع التاريخي الطويل بين الأمة وبين الحرب، وإلا فهل يعقل معالجة آثار « الانقطاع التاريخي الطوي»، في سنوات قليلة على النحو الذي حدث في أكتوبر عام ١٩٧٣م، إن الجندي الذي حارب في عام ١٩٦٧م هو ذات الجندي الذي حارب في عام ۱۹۷۳م وحتى الجنود «المؤهلات» خريجو الجامعات - الذين جندوا بعد هزيمة عام ١٩٦٧م كانوا هم أبناء الفلاحين مثل إخوانهم المجندين الذين لم يحملوا المؤهلات لا فارق بينهم في الموقف القتالي، والبسالة في الحرب، والممانعة عن الوطن والذات - وإنما الفارق الوحيد هو قدرة الجندي المتعلم على التعامل مع الأسلحة الحديثة والمتطورة والمعقدة.. فالجميع هم أبناء الفلاحين، الذين يكونون أكثر من ٨٠٪ من تعداد الشعب المصري.. والفارق بين حرب عام ١٩٦٧م وحرب عام ۱۹۷۳ م هو فارق القيادة، والأخذ بنتن وقوانين الانتصار، أو التفريط في هذه السنن والقوانين.. ولا علاقة لأي من ذلك بخرافة «الانقطاع التاريخي الطويل بين المجتمع وبين الحرب»، وغيرها من خرافات التبرير للهزيمة النفسية، التي يتعلق بها دعاة «العجز الذاتي المزمن»، و التبعية المزمنة للآخرين».

دولة العجز القطري:

وتأسيسًا على تلك العاهات المزمنة يقف الدكتور الأنصاري عند «الدولة القطرية» باعتبارها أقصى ما يمكن أن يتطلع إليه العرب من أفاق التقدم والتلاحم والتوحيد.. فالدولة القطرية عنده « هي الظاهرة والحقيقة السياسية الكبرى في حياة العرب.. إنها بمنظور الواقع الفعلي للتاريخ والمجتمع، ظاهرة «توحيدية» للتجزؤ الذري والمجتمعي، الذي كان قائمًا في ظل الإطار الفضفاض للإمبراطورية العثمانية، وفي ظل التأرجح بين حضور السلطة المركزية المنظمة وغيابها في معظمالمجتمعات العربية قبل قيام الدولة القطرية.. فهي تمثل أول محاولة عربية حديثة في «الوحدة» وفي «الدولة» إن العرب يعانون- وعيًا- هاجس «التجزئة» بينما هم يعيشون -فعلًا- فوق واقع يتوحد لأنه كان أكثر «تجزئة» من قبل بمعيار الوحدة العضوية لأي مجتمع موحد»([8])

هكذا تحدث الدكتور الأنصاري عن الدولة القطرية في واقعنا العربي المعاصر.. ونسي أن هذه الدولة القطرية كانت في الإمبراطورية العثمانية ولايات متمايزة، لكنها لم تكن تقطع ولا تجزئ «دار الإسلام» بنظام «الجنسية» الذي أخذته عن الدول القومية الأوروبية - والتي تتجاوز هذه الدول القومية الأوروبية، في ظل وحدتها الحالية.. فدولنا القطرية انتكاسة عن الوضع العثماني في هذا الميدان.. وذلك فضلًا عن أن الكثير من هذه الدول، القطرية لا يملك شيئًا من شروط مكونات ومقومات الدولة. 

ولذلك .. ولأن هذه الدولة القطرية كانت النموذج الوحدوي الذي رآه الدكتور الأنصاري رأيناه يدافع عن عجز هذه الكيانات القطرية، جاعلًا من هذا العجز ثمرة لعاهات طبيعية مزمنة.. حتى لقد جعل من الاستعمار الغربي لوطننا العربي تحريرًا لهذا الوطن من السيطرة الرعوية التركية. وجعل من جلاء الاستعمار الغربي عن بلادناه انكشافًا للضعف الذاتي المتأصل في العرب من جديد».

وحتى لا نتهم بأننا ننسب للرجل ما لم يقل نسوق كلامه كاملًا.. فهو يقول:

ويلاحظ - في مفارقة عجيبة - أن الحواضر والمدن العربية ومجتمعاتنا الأهلية المدينية لم تخرج من تحت السيطرة الرعوية إلا بوجود القوة الأوروبية «الاستعمارية»([9]) في البلدان العربية، حيث أدى الوجود الحمائي إلى «تحررها» من السيطرة الرعوية التركية.. فتمكنت المدينة العربية، في تلك الفترة ذات الطابع الاستعماري، من إنشاء المدارس والجامعات الحديثة، وتطبيق النظم العصرية، وتكوين الأحزاب السياسية المدينية، ذات اللون الليبرالي.. وانجبت العديد من المفكرين المجددين والنهضويين.. ولكن ما إن رحلت القوة الاستعمارية الحامية واحتاجت المدينة العربية ومجتمعها المديني إلى «قوة» ذاتية تولد السلطة وتؤمن الدفاع، حتى انكشف الضعف الذاتي «المتأصل» من جديد في هذه البنية المدينية العربية» ([10])

فهل هذا معقول؟ وهل هذا مقبول ؟!

إن أخشى ما نخشاه أن تخدم الاجتهادات الخاطئة هؤلاء الذين يعملون على تكريس الهزيمة لدى الأمة والإجهاز على أمالها في النهوض والانعتاق من المازق الحضاري الذي تعيش فيه.

وهناك فارق كبير بين «تفسير الواقع» للخروج من عثراته، وبين تأييد وتأبيد هذه العثرات، بتصويرها في صورة العاهات المزمنة والإعاقات الطبيعية التي جعلت العجز تاريخيًا ومزمنًا وطبيعيًا.

وحتى لا نظلم الدكتور محمد جابر الأنصاري، فلا بد من التنبيه إلى أن هذا النقد الصريح الذي قدمناه في هذه الصفحات ليس موجهًا إلى مجمل مشروعه الفكري. فللرجل مشروع نتفق معه في عديد من القضايا والأفكار والإبداعات التي قدمها فيه -والله من وراء القصد. 

([1]) تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية ص17-18

([2]) في مصادر التراث السياسي الإسلامي: دراسة في إشكالية التعميم قبل الاستقراء والتأصيل - طبعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي - واشنطن ١٩٩٤م.

([3]) المصدر السابق: ج ۲ ص ۳۱۲

([4]) تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية: ص20،50

([5]) المقدمة ص 99.

([6]) المصدر السابق ص ١١٥ .

([7]) تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية ص ٥١ - والدكتور الأنصاري يشير إلى كتاب محمد حسنين هيكل «الانفجار: قصة حرب يونيو عام ١٩٦٧م» ص ٨٠٦-٨٠٣ طبعة مركز الأهرام للترجمة والنشر - القاهرة عام ١٩٩٠م.

([8]) تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية- ص 11.

([9]) وضع علامات التنصيص حول كلمة «الاستعمارية» من عنده!.

([10]) تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية - ص ٥٠.

الرابط المختصر :