; المعاهدة السورية الإسرائيلية هل باتت على الأبواب؟! | مجلة المجتمع

العنوان المعاهدة السورية الإسرائيلية هل باتت على الأبواب؟!

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995

مشاهدات 104

نشر في العدد 1146

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 18-أبريل-1995

عمان: مراسل المجتمع

عقب توقيع اتفاق أوسلو والمعاهدة الأردنية- الإسرائيلية، اتجهت الأنظار نحو المسار السوري- الإسرائيلي الذي واجه تعثرًا واضحًا خلال السنوات الثلاث الماضية وتم تعليقه أكثر من مرة.

ومع نهاية جولة وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر الأخيرة للمنطقة، والتي كان هدفها الرئيسي كسر حالة الجمود على المسار السوري- الإسرائيلي واستئناف المفاوضات المعلقة منذ ثلاثة شهور، تناقلت وكالات الأنباء المختلفة معلومات تفيد بحدوث تقدم حقيقي وجوهري في المواقف التفاوضية لكلا الجانبين، الأمر الذي دفع المراقبين للمسار السوري الإسرائيلي للتكهن بإمكانية توصل الطرفين لمعاهدة تسوية خلال الأشهر المتبقية من العام الحالي، فما حقيقة هذه المعلومات التي تتناقلها وسائل الإعلام؟ وهل تشير بالفعل إلى إمكانية تحقيق تقدم دراماتيكي سريع كما تشير كثير من التوقعات؟

المعلومات التي تسربت عن جولة كريستوفر الأخيرة أشارت إلى أن الوزير الأمريكي واجه صعوبة كبيرة في التقريب بين وجهات النظر المتباعدة للطرفين، وفي إقناعهما بضرورة استئناف المفاوضات المعطلة منذ فترة ليست قصيرة، مما اضطر كريستوفر إلى الاتصال بالرئيس الأمريكي كلينتون لوضعه في صورة الوضع المتأزم، وقد قام كلينتون بدوره بالاتصال برئيس الوزراء الإسرائيلي الذي أبدى في نهاية المطاف استعدادًا لتقديم بعض التنازلات في القضايا التي كانت تعترض مسار المفاوضات، وفي مقدمتها إبداء الاستعداد الإسرائيلي لانسحاب كامل من الجولان، وتسهيل الشروط الإسرائيلية حول الترتيبات الأمنية التي يطالب بها الجانب الإسرائيلي.

وقد أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ووزير خارجيته شمعون بيريز، أبلغا كريستوفر أن «إسرائيل» ستوافق على انسحاب كامل من الجولان إذا ما توصلت مع سوريا إلى اتفاق حول الترتيبات الأمنية، وقد أسفرت جولة كريستوفر بالفعل عن استئناف المفاوضات السورية- الإسرائيلية، حيث عقد سفيرا الطرفين في واشنطن عدة اجتماعات تضاربت الأنباء حول مدى التقدم الذي حققته، ولكن الجديد في تلك المفاوضات أنها بدأت تناقش التفاصيل التي كانت سوريا ترفض سابقًا مناقشتها، والتي تركز بشكل كلي على الترتيبات الأمنية التي تطالب بها «إسرائيل»، وتشمل هذه الترتيبات إقامة مناطق منزوعة السلاح على جانبي الحدود، ونشر مراقبين دوليين، وإقامة محطات إنذار مبكر.

ومع أن المسؤولين السوريين ووسائل الإعلام السورية يحرصون على التشكيك بصحة الأنباء التي تتحدث عن تحقيق تقدم جوهري في المفاوضات وعلى خلاف المسؤولين الأمريكيين الذين يحرصون على إشاعة أجواء إيجابية مفعمة بالتفاؤل، فإن ثمة مؤشرات جدية تعزز التكهنات المتفائلة بتحقيق تقدم ملموس قد يتبلور إلى صيغ معينة من الاتفاقات في الفترة القادمة.

فالإدارة الأمريكية التي تدرك أهمية تحقيق تقدم على المسار السوري الإسرائيلي بما يعزز سياستها الخارجية في انتخابات الرئاسة في العام القادم، بدأت تشعر بضرورة قيامها بجهود مضاعفة خلال الفترة المتبقية للانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، وقد بدأت مصادر أمريكية تتحدث عن أن الفترة التي يمكن خلالها التوصل إلى تسوية سورية- إسرائيلية، لا تتعدى التسعة أشهر المتبقية من العام الحالي، وأنه إذا لم يتحقق ذلك خلال هذه الفترة فمن الصعب جدًا التوصل إلى مثل هذه التسوية بسبب انشغال الأمريكيين والإسرائيليين بالانتخابات عام 1996م.

وعلى الجانب الإسرائيلي، فإن رئيس الوزراء إسحاق رابين كان قد أظهر ترددًا في وقت سابق بين أن يدخل الانتخابات القادمة بمعاهدة سلام مع سوريا وبين دخولها بمواقف متشددة على المسارات التفاوضية المختلفة، لقطع الطريق على حزب الليكود المتشدد الذي يستند في حملته الانتخابية على نقد «تنازلات» حزب العمل واستعداده للتنازل عن كامل الجولان والقبول بـ «دولة فلسطينية» في الضفة والقطاع!

وقد حسم رئيس الوزراء الإسرائيلي تردده لصالح الخيار الثاني، وهو التشدد في مواقفه السياسة على المسارين الفلسطيني والسوري، وبدأ باتخاذ مواقف متشددة على أمل تحسين موقفه الانتخابي في مواجهة زعيم الليكود بنيامين نتنياهو، ولكن محاولات رابين هذه باءت بالفشل، وأظهرت جميع استطلاعات الرأي تقدم نتنياهو عليه بفارق كبير.

وأمام هذا الفشل يبدو أن رابين وجد نفسه مضطرًا للعودة إلى الخيار الأول، وهو التوصل إلى تسوية على المسار السوري حتى لو تضمن ذلك دفع ثمن معين في الجولان، وقد رد رابين في كلمة ألقاها مؤخرًا أمام مؤتمر لحزب العمل على اتهامات حزب الليكود بقوله: «إن من يقول إنه يمكن الحصول على سلام مع الاحتفاظ بالجولان إنما يمارس الكذب».

ويمكن إضافة سبب آخر، غير الدافع الانتخابي، ربما يكون له دور مهم في إقناع الحكومة الإسرائيلية بضرورة التقدم على المسار السوري، وهو أن غالبية الدول العربية تجد نفسها محرجة من إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية كاملة مع «إسرائيل» قبل التوصل إلى تسوية على المسار السوري، الأمر الذي أقنع الإسرائيليين بصعوبة الوصول إلى تطبيع كامل في العلاقات مع الدول العربية بمعزل عن إحراز تقدم مع السوريين.

أما الموقف السوري فإن تغييرًا ملموسًا قد طرأ على تصريحات المسؤولين السوريين، فقد عبر وزير الخارجية السوري فاروق الشرع عن أمله في أن تسفر الأشهر القليلة القادمة عن التوصل إلى نتائج جديدة، أما نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام فقد بدأ يناقش في تصريحاته تفاصيل الجوانب الأمنية للتسوية بين الجانبين، وأشار إلى أن سوريا تريد أن يكون المراقبون على الحدود بين الطرفين مرتبطين بمجلس الأمن، وأن يكونوا على جانبي الحدود، وبالتقابل والتساوي والتوازن.

وقد وصف وزير البيئة الإسرائيلي يوسي سارير تصريحات المسؤولين السوريين بأنها «أكثر اعتدالًا» في حين قال وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز إن «علاقاتنا مع سوريا تأخذ حاليًا شكلًا مناسبًا جدًا ومرضيًا جدًا مما يجعلني أبني آمالًا كبيرة».

وقد نسبت صحيفة معاريف الإسرائيلية إلى مصدر إسرائيلي رفيع للغاية أن الرئيس السوري تعهد لوزير الخارجية الأمريكي بالسماح بإقامة ممثلية دبلوماسية إسرائيلية في دمشق قبل استكمالها الانسحاب الإسرائيلي من الجولان.

ومن المؤشرات كذلك على التغيير الذي طرأ على الموقف السوري، ما نقلته وسائل الإعلام عن نية السوريين ترحيل قادة المنظمات الفلسطينية المعارضة من سوريا، ويذكر أن «إسرائيل» تطالب منذ فترة بالتضييق على فصائل المعارضة الفلسطينية التي تتخذ من سوريا مقرًا لها، وقد صرح نائب وزير الخارجية الإسرائيلي قبل أيام بأن «إسرائيل» لن يكون بإمكانها أن تصنع السلام مع سوريا طالما أن المنظمات الإرهابية تتخذ من دمشق مقرًا لها.

وعلى الرغم من أن السوريين يحاولون التقليل من أهمية الأنباء التي تتحدث عن نية سوريا اتخاذ خطوات معينة بخصوص الفصائل الفلسطينية المعارضة، فإن معلومات مؤكدة أشارت إلى أن المسؤولين السوريين قد أبلغوا قادة تلك الفصائل بأن عليهم أن يتهيأوا لاحتمالات التوصل إلى تسوية سورية- إسرائيلية في المرحلة القادمة، وأن عليهم أن ينسجموا مع المعطيات الجديدة التي ستنجم عن ذلك.

وعلى الرغم من صعوبة الجزم بأن معاهدة تسوية سورية- إسرائيلية قد أصبحت على الأبواب، فإن دلائل قوية تشير إلى أن احتمال التوصل إليها خلال الشهور القادمة بات متوقعًا ومرجحًا، وربما كان علينا أن ننتظر عدة أشهر لنرى إن كانت معاهدة عربية- إسرائيلية ثالثة ستوقع بعد كامب ديفيد والمعاهدة الأردنية الإسرائيلية.

ولا شك أن توقيع مثل هذه المعاهدة في حال حصوله سيكون له أضرار وانعكاسات سلبية بالغة الخطورة على الوضع العربي والإسلامي المتردي وسيؤدي إلى تحطيم ما تبقى من حواجز أمام التطبيع والاختراق الصهيوني للمنطقة، حيث ستتذرع الأطراف العربية والإسلامية المختلفة بأن السلام الشامل قد تحقق في المنطقة، وبالتالي فليس هناك حرج من إقامة علاقات طبيعية مع «إسرائيل».

الرابط المختصر :