العنوان تحليل اقتصادي أزمة الدينار الأردني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 934
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 26-سبتمبر-1989
الإشباع
العقاري، وهبوط النفط من أسباب تراجع التحويلات.
ثبات الدينار
الأردني طيلة السنين السابقة أثار دهشة المراقبين.
صندوق النقد
الدولي أداة تخريب دولية مدمرة للشعوب الفقيرة.
نجا الأردن من
العواصف السياسية التي اجتاحت المنطقة.
الدول العربية
النفطية سارعت لمساعدة الأردن؛ تقديرًا لدوره الهام، ووضعه الحساس.
خطوات على طريق
الحل.
الحل الجذري
يحتاج إلى قدرات جبارة ومواهب خاصة وجهود كبيرة.
كان الجنيه
الفلسطيني هو العملة السائدة في فلسطين وشرقي الأردن - على ضفتي نهر الأردن - وذلك
قبل نشأة المملكة الأردنية الهاشمية حين كان اسمها إمارة شرق الأردن، والجنيه
الفلسطيني يتكون من «ألف مليم = 100 قرش» كالجنيه المصري، وهي خمس وحدات الدينار
«1000 فلس»، والمفروض أن تكون بنفس القيمة، وأن تكون جميعًا على أساس الدينار
الذهبي.
وحين أعلنت
إمارة شرق الأردن مملكة في أواخر الأربعينيات، أصبحت لها عملتها المستقلة الجديدة
الدينار الأردني، الذي لم يلبث أن أصبح العملة السائدة كذلك فيما تبقى من شرق
فلسطين «غرب النهر» عربيًا مسلمًا، وضُم إلى الأردن، وسمي الضفة الغربية بعد نكبة
فلسطين سنة 48، واحتلال اليهود لمعظم فلسطين، وتبع قطاع غزة مصر، وتُعومِل بالعملة
المصرية.
وكانت عملات
المنطقة - في أوائل الخمسينيات – متقاربة، فمثلًا كان الجنيه المصري يساوي دينارًا
أردنيًا، وقد يزيد الجنيه قليلًا عن الدينار «2- 3%».
زعازع:
ثم أخذت الزلازل
والزوابع السياسية تجتاح المنطقة، في شكل انقلابات وتيارات، وتحركات، طالت كثيرًا
من البلدان، والبنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وبالرغم من موقع
الأردن «المملكة الأردنية الهاشمية» في مركز تلك الزعازع تقريبًا واستهدافها من
كثير منها، لكنها - ولحسن حظها - ظلت ثابتة، ونجت كثيرًا من المؤامرات، ولم تُنكب
بانقلاب عسكري يقوض كيانها ويزعزع استقرارها، ويجعلها في مهب الريح؛ حيث إن وضعها
حساس وخاص، فهي تواجه دولة اليهود على أوسع جبهة وأطول حدود «650 كيلومترًا»، وأي
إضعاف لها قد يطمع اليهود في الوثوب عليها، والتخلص من شبح الخطر، الذي يتوجسون
منه؛ حيث مدنهم على مرمى المدفعية، طيلة حدود ممتدة من اليرموك شمالًا إلى العقبة
جنوبًا، فإذا سيطروا عليها، أصبحت أقرب عاصمة أو مدينة عربية كبيرة إليهم من الشرق
تبعد عنهم نحو ألف كيلومتر، فيؤمنون دولتهم من الشرق بحاجز صحراوي طبيعي واسع
يستحيل معه مهاجمتهم من قبلها بالوسائل العادية، كما يأمنون من عمليات التسلل
والعمليات الفدائية.
ولكن الأردن مع
ذلك لم ينجُ من بعض القلاقل والمخططات المزعجة، التي اجتازها بحكمة ولم تترك كبير
أثر، وظل الوضع مستقرًا وعاديًا، وإن كانت هزيمة 67 ضربة موجعة سلبت الأردن جزءًا
مهمًا منه، ولكن عادت الدولة إلى ما كانت عليه قبل، وظلت الضفة الغربية مرتبطة
بالشرقية رسميًا وإداريًا حتى العام الماضي «آخر تموز 1988».
عوامل انهيار
عملات المنطقة:
لقد أثرت
الأحداث المتنوعة على المنطقة تأثيرًا كبيرًا، وبالذات على اقتصادها - واختلت
موازينها التجارية والاقتصادية بشكل كبير، وخصوصًا نتيجة تكديس السلاح - وكله
مستورد وغالي الثمن ومتغير بسرعة لا بد من ملاحقة تطوره، وكذلك التوسع الحضاري،
صاحب ذلك إهمال الموارد الرئيسية في بعض البلدان، وإهمال تكوين الإنسان «تذكر
اليابان مثلًا»، وأضف إلى ذلك تعثر خطط التنمية وتراجع الإنتاج - نسبيًا - وكذلك
تدهور الأمن الغذائي تدريجيًا، ولا زال يتراجع، وحتى الدول ذات الموارد الكبيرة
أكثر من الأردن ظلت عملتها تتراجع حتى تقلصت إلى نحو عشر قيمتها قبل أربعين عامًا.
ولكن الدينار
الأردني - بالرغم من صغر الدولة وقلة مواردها - ظل مرتفع القيمة وكان تراجعه بنسبة
ضئيلة «من 10 إلى 20%» حتى بلغ نحو 30% حتى العام الماضي، فقد كان يساوي أكثر من
دولارين أو ستة جنيهات مصرية.
وقد كان ثبات
الدينار الأردني يثير دهشة كثير من المراقبين الاقتصاديين؛ حتى كان العام الماضي،
وأخذ الدينار يتراجع بسرعة شديدة أمام الدولار وغيره، حتى وقف الآن عند نصف قيمته
السابقة «أي أنه تراجع بنسبة 50 % تقريبًا»، فأصبح الدينار يساوي نحو دولار وخمس
تقريبًا.
ويرى بعض
المراقبين أن هذا الوضع ليس مفاجئًا، وأنه طبيعي، وأن عوامل الاستقرار السياسي
ارتبطت بالاستقرار الاقتصادي النسبي.
ولقد كان تدخل
صندوق النقد الدولي - ربما بدوافع خارجية في الدرجة الأولى لعوامل سياسية معينة -،
كما أشرنا في تحليل سياسي سابق، ربما كان ذلك التدخل، والضغط من الصندوق الدولي
ومحاولته إجبار الأردن على اتخاذ إجراءات معينة من حيث الأسعار وغيرها، من أهم
الأسباب التي سارعت بهز قوة الدينار.
وقد كانت حجة
البنك أن الديون تراكمت على الأردن «8 مليارات من الدولارات»، وكذلك فوائدها «3
مليارات» «المجموع 11 مليار»، والصندوق حسب شروطه يريد حفظ حقوقه وحقوق مساهميه
«معظمهم من الدول الرأسمالية الغنية، وعلى رأسها الولايات المتحدة»، ولقد اتخذت
بعض القرارات التي أثارت عاصفة، مرت بسلام، لكنها تركت أثرًا عميقًا، واتخذت كذلك
بعض القرارات الاقتصادية، فبدأ الدينار يتراجع؛ حيث إن المال - كما أسلفنا - حساس،
ويتأثر من كل حركة، ثم كان الفصل الإداري للضفة الغربية، وهو قرار سياسي أملته
ظروف وضرورات معينة، سبق أن تعرضنا له في مناسبة سابقة، وترك هذا القرار كذلك
آثاره السلبية على الاقتصاد وغيره، وربما يعتبره البعض من العوامل الحاسمة على
أزمة الدينار.
وتبعت هذا
القرار قرارات اقتصادية تنظيمية واحترازية أخرى، مما سارع بالدينار إلى التراجع في
الأسواق أمام الدولار حتى اقترب منه.
لقد استطاع
الأردن أن يحافظ - مدة طويلة - على استقراره السياسي والاقتصادي بحكمة وحنكة وثبات
في وسط جو مضطرب متقلب.
ولقد مر - هو
وغيره - بفترة ازدهار مذهلة في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وتركت هذه الطفرة
آثارها على كثير من أنماط الحياة والسلوك والتعامل والأسعار والمشروعات.. إلخ.
ولقد صرح
الاقتصاديون الرسميون الأردنيون أن تحويلات المغتربين كانت وعلى تلك الفترة تكون
ثلث الميزانية.
وخلال السنوات
الماضية، استطاع معظم المغتربين أن يكونوا لهم مساكن وأراضي ومشروعات أخرى في
الأردن؛ حتى أصبح معظمهم في حالة إشباع من هذه الناحية.
وبعد أن ارتفعت
قيمة الأراضي والعقارات لدرجة كبيرة، عادت إلى الركود، وعدا عن هذا فقد قل إنتاج
النفط وسعره معًا مما أثر على مداخيل المغتربين أنفسهم، وأكثرهم في دول النفط.
هذان العاملان -
الإشباع العقاري - ومأساة النفط، كانا من أسباب تراجع تحويلات الأردنيين العاملين
في الخارج، والذين كانوا يحولون مئات الملايين؛ حتى إذا جاءت الظروف الأخيرة وما
اكتنفها من قرارات، فجعلت الكثيرين يتريثون ويترددون في تحويلاتهم إلى أن يستقر
الدينار، بل ربما سعى البعض إلى سحب أموالهم أو إخراجها تحسبًا من الأسوأ، أو لأن
الممنوع مرغوب - كما يقولون -، ولكن بعد تحسن وضع الدينار عادت الأمور إلى
الاستقرار، والوضع إلى حالته الطبيعية تقريبًا.
التحرك نحو
الإصلاح:
لكن الدولة لم
تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الظروف، بل بادرت بالتحرك السريع والنشط على كافة
الجبهات الاقتصادية والسياسية، الداخلية والخارجية، والعربية والدولية، وقام عدة
مسؤولين على مختلف المستويات بتحركات شتى أسفرت عن نتائج مثمرة.
1. على المستوى الداخلي: ففي الداخل اتخذت
السياسة الاقتصادية نهج التقشف وضغط المصروفات واختصار النفقات، وتوفير بعض
المداخيل، وإغلاق محلات الصرافة، وتقييد خروج العملات، وحصر الاستيراد في
الضروريات، ومنع استيراد بعض السلع كالسيارات والأدوات الكهربائية والكماليات،
ورفع أسعار بعض المواد وزيادة الجمارك على بعضها، ودمج بعض المصارف.
وفي نفس الوقت
تشجيع الاستثمارات الخارجية وضمانها وتنمية تجارة الترانزيت وتنشيط الحركة،
وخصوصًا في ميناء العقبة، وكذلك تشجيع الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي وتصديره،
والتوجه إلى خطط طويلة الأمد لإقامة صناعات متطورة توفر المزيد من العملة الصعبة
للأردن.
فقد ذكر أن
تحركًا أردنيًا واسع النطاق سيبدأ قريبًا بهدف جذب شركات عالمية لإقامة مشاريع
مشتركة إنتاجية يتم تصدير سلعها للأسواق العربية المجاورة.
وتقول مصادر
مطلعة: إن اتصالات قد بدأت بالفعل مع شركات تنتج سلعًا تكنولوجية متطورة لإقامة
مصانع لها في الأردن تستفيد من تسهيلات التصدير المرتقبة إلى العراق ومصر في ظل
مجلس التعاون العربي.
وتأتي هذه
المساعي ضمن مخطط طويل المدى يهدف إلى زيادة موارد الأردن من العملات الأجنبية،
وإيجاد فرص عمل تخفف الاعتماد على المساعدات الخارجية.
ويسعى هذا
التوجه للاستفادة من الشركات، التي قد ترغب بنقل نشاطاتها من هونغ كونغ، التي
يقترب موعد تسليمها للصين.
2. على المستوى العالمي: لقد جرت اتصالات بنادي
باريس ولندن للدائنين، واتُّفق على إعادة جدولة ديون الأردن، وقام بعض المسؤولين
الأجانب بزيارات للأردن لاستطلاع الوضع، ووعدت بعض الدول الأجنبية بتقديم معونات
وتسهيلات للأردن لمساعدته على اجتياز أزمته الحالية.
3. على المستوى العربي: ما إن تحرك المسؤولون
الأردنيون، واتصلوا بالعواصم العربية «القادرة»؛ حتى هبت لمساعدتهم بدون تباطؤ،
مقدرة دور الأردن ووضعه الحساس على أطول جبهة مواجهة مع العدو الصهيوني مما يقتضي
المحافظة على ثبات الأردن وتماسكه وقوته؛ حيث إنه بمثابة الدرع والمقدمة للأمة
العربية في مواجهة اليهود الطامعين، وتجلت الأخوة العربية والإسلامية في مسارعة
الدول الشقيقة لمساعدة الأردن، فبعد زيارة سريعة قام بها الملك حسين للمملكة
السعودية قُدمت للأردن 200 مليون دولار كمساعدة ووعدت بإيداع مليار دولار في البنك
المركزي الأردني لدعم الدينار، وتوفير العملات الصعبة، وتعزيز الغطاء المناسب
منها.
كما بادرت سائر
دول التعاون والعراق لدعم الأردن.
فقد نسبت وكالة
الأنباء الفرنسية إلى أوساط مطلعة في عمان قولها: إن الكويت يمكن أن تودع مبلغ 200
مليون دولار في البنك المركزي الأردني.
وذكرت الوكالة
أن الأردن تلقى مبلغ 40 مليون دولار من إمارة أبو ظبي و30 مليونًا من إمارة دبي؛
لمساعدته على تجاوز أزمته الاقتصادية.
ومع هاتين
الدفعتين من الإمارات العربية المتحدة ارتفعت الهبات العربية الممنوحة إلى الأردن
إلى 380 مليون دولار منذ أبريل الماضي، وكان العراق قد قدم للأردن 50 مليون دولار،
والكويت 40 مليونًا، وسلطنة عمان 20 مليونًا، والسعودية مئتي مليون دولار.
كما أُعيد
افتتاح مقر الصندوق الفلسطيني في عمان، مما سيكون له أثر جيد في دعم الاقتصاد -
ولو معنويًا على الأقل -، ولقد ارتفع الدينار الأردني قليلًا في ضوء ما سبق، أو
ثبت وتوقف عن التراجع، ونرجو أن يتصاعد أو على الأقل أن يثبت - حتى بعد نهاية
إجازة الصيف وعودة المغتربين - الذين ساهم وجودهم في البلاد، وما ضخوه مما حملوه
معهم من أموال في دعم الدينار مؤقتًا.
وقد عادت شركات
الصرافة الخليجية والخارجية إلى التعامل بالدينار الأردني بشكل طبيعي، ونشطت
التحويلات نسبيًا إلى الأردن.
وإذا ثبت
الدينار بقية الصيف، وإلى مطلع العام القادم يكون قد اجتاز محنته فعلًا، ولا بد من
المحافظة على صعوده.
دور متميز
للكويت:
وقد ذكر في وقت
سابق أن الكويت على استعداد لتقديم المساعدات والخبرات اللازمة للمملكة الأردنية
الهاشمية بغية مواجهة الضائقة الاقتصادية، التي تمر بها في الوقت الحاضر، وقال أحد
المسؤولين: إن الكويت مستعدة لدراسة كل ما يلزم، وتقديم الخبرات الضرورية اللازمة
إذا ما طُلب منها ذلك؛ كي تسهم في إعادة ترتيب الأوضاع الاقتصادية بشكل ملموس».
وذكر المصدر أن
دراسة الأوضاع الاقتصادية الأردنية بصورة شاملة أمر ضروري ومهم في المرحلة
الحالية؛ كي يتم استقرار الدينار، وجدولة الديون الأردنية للخارج، خاصة وأن مثل
هذه الدراسات الاقتصادية المتأنية، والتقييم الشامل سيضع حدًا لاستمرار تدهور
الدينار بشكل ملحوظ كما حصل في الشهور الماضية.
على درب الحل
الجذري الجاد:
وهذا ولا شك أن
من منطلقات الحل التشاور مع أهل الخبرة، والاستماع بعمق إلى نصائح المخلصين
والمجربين، ومحاولة تلافي الأسباب التي أحدثت الأزمة ما أمكن، وإعادة الثقة إلى
الدينار والاقتصاد ومحاسبة المقصرين، ومحاولة إشراك المواطن في الداخل والخارج في
عملية إعادة بناء الثقة بمصداقية وجدية عالية، والحذر من الوقوع في أية مزالق
جديدة من شراك صندوق النقد الدولي أو الغرق في بحار الربا الدنسة والمرهقة
والمدمرة!
ولا بد من تخفيف
الأعباء عن كاهل المواطن العادي، والذي أصابه نصيب كبير من آثار الأزمة، وتنويع
مصادر الدخل، والتشجيع على استغلال الأرض والثروات الأخرى جيدًا وبتقنية عالية،
وتكثيف التنقيب عن النفط والمعادن، وتحسين وتصعيد ما يُستخرج منها كالفوسفات
والبوتاس، ومحاولة إقامة صناعات متطورة تستغلهما جيدًا وتسوقهما في الجوار، بدلًا
من بيعهما مواد خام واستيراد المصنعة، ويقال: إن هناك ثروات أخرى كبيرة من النحاس
والغرانيت وغيرهما يمكن الاستفادة منها عدا عن كنوز البحر الميت الخيالية!، ولا بد
كذلك من العناية بالإنسان وتطويره ورفع مستواه الفكري والحضاري والتقني،
والاستفادة من جهود القوات المسلحة وجنود الاحتياط في تعمير الأرض البور، وفي بناء
الطرق والجسور وسائر المشروعات النافعة والمنتجة.
ومهم جدًا
العناية بمصادر المياه وتطويرها قدر الإمكان.
كل هذه الخطوات
وأمثالها تحتاج إلى قدرات جبارة ومواهب غير عادية، لن تعدمها الأردن والبلاد
العربية، التي نجحت حتى الآن في امتحان مساندة الأردن في محنته، ويُرجى أن يتطور
دورها ليكون له، ولجهود الأردن الذاتية نتائج جدية ومجدية ودائمة وجذرية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل