العنوان تحقيق صحفي مع الوفد الليبي لحلقة الترجمة العربية في الكويت
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يناير-1974
مشاهدات 89
نشر في العدد 182
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 01-يناير-1974
لقاء مع الأستاذ تيسير بن موسى
· اللغة العربية قادرة على احتواء العلم
· حركة التعريب نجحت تطبيقيا في ليبيا
يسر مجلة «المجتمع» أن تتقدم إليكم بجملة أسئلة عن مهمتكم في مؤتمر الترجمة المنعقد بالكويت هذه الأيام.. لكي يتعرف القراء على هذا النوع من النشاط الثقافي والفكري واللغوي.
ونود أن نقوم بتعريف قراء المجتمع بشخصيتكم.. كمندوب لليبيا الشقيقة في هذا المؤتمر.
الاسم: تيسير بن موسى أحد العاملين في الإعلام والثقافة وعضو وفد الجمهورية العربية الليبية في حلقة الترجمة في الوطن العربي.
س- كيف تكونت وتحققت فكرة المؤتمر؟
ج- حلقة الترجمة في الوطن العربي هي تحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة للجامعة العربية وهذه المنظمة هي التي تبنت تنظيم هذه الحلقة.
س- هل هو الأول من نوعه؟
ج- لقد عقد في عام ١٩٦٢ حلقة ضمت عددا من المختصين بالترجمة في الوطن العربي وأصدرت عددا من التوصيات بشأن الاهتمام بالترجمة والنهوض بها.. غير أنه من الوجهة الواقعية فالحلقة التي تنعقد الآن في الكويت تعتبر أول لقاء عربي على هذا الطريق، ونرجو أن تتكرر مثل هذه اللقاءات في المستقبل نظرا لأهمية الموضوع الذي نتصدى له.
س- هل اشتركت فيه جميع الدول العربية؟
... هل اشتركت فيه وفود من دول غير عربية؟
ج- الدعوة وجهت إلى جميع الدول العربية غير أن بعضها قد تخلف عن الحضور كاليمن الشمالي واليمن الجنوبي ودول الخليج ولبنان، وحضر الحلقة أيضا مندوب عن المركز الدولي للتعليم الوظيفي التابع لليونسكو.
س- الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى قليلة فهل قامت ليبيا بترجمة كتب الفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي إلى اللغات الأجنبية- نماذج من ذلك مثلا.
ج- قامت ج ع ل بإصدار كتب وكتيبات بعدد من اللغات المختلفة عن التراث العربي الإسلامي والفكر الإسلامي ومثال ذلك: النظرية الثالثة والثورة الثقافية وغيرها.
س- الملاحظ على حركة الترجمة العربية أنها يغلب عليها نقل الطابع الشكلي من الحضارة الغربية مع اهتمام أقل بجوهر الحضارة المفيد.. ما هو السبب؟ وهل في النية تغيير هذه الإستراتيجية؛ بحيث يصبح التركيز على ترجمة العلوم والأنظمة الإدارية مثلا؟
ج- في الواقع إننا في هذه الحلقة قد ركزنا على أن ينصب جل اهتمامنا على ترجمة الكتب العلمية والتقنية من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية وهذا ما يحتاجه الآن بالفعل الإنسان العربي وما ينقص مكتباتنا العربية فبعد الاستماع إلى جميع التقارير التي تقدمت بها الوفود المشاركة في هذه الحلقة عن واقع الترجمة في بلادهم تبين أن معظم الترجمات قد تناولت المواضيع الأدبية والفنية وغيرها والتي سماها أحد الزملاء المشاركين في الحلقة (بالرومانسية)، وهذا يوافق تماما المخطط الاستعماري الذي يهمه إغراق أسواقنا ومكتباتنا بكتب يفرض من خلالها استعماره الثقافي علينا ويبعدنا بنفس الوقت عن ولوج العالم التقني ومسابقته في هذا الميدان.
س- أداة الترجمة بالنسبة للعرب هي اللغة العربية.. فما هي الوسائل التي تمكن اللغة العربية من السيادة في مناطقها أولا فلا تزال العلوم والطب يدرسان في معظم جامعات الدول العربية باللغات الأجنبية وما هي الوسائل التي تجعل اللغة العربية لغة عالمية؟
ج- مما يؤسف له أن بعض الأنظمة العربية وحتى بعض المثقفين العرب لا يولون اللغة العربية الاهتمام اللائق بها فما زالت كما تفضلت بعض الجامعات العربية تدرس موادها، خصوصا العلمية منها بلغات أجنبية مع العلم أن اللغة العربية وبشهادة الجميع -أعداء كانوا أم أصدقاء- هي لغة غنية ومرنة قابلة لاستيعاب جميع المستحدثات والمصطلحات في الثقافة والعلوم والاقتصاد وغيرها وأما الوسيلة لجعلها لغة عالمية فيمكن كما أرى أولا بإيجاد مؤسسة معتمدة من جميع البلاد العربية تتفرغ لدراسة اللغة العربية وتعريب ما يستجد من اختراعات وعلوم ومسمياتها وتعميمها على كافة أنحاء الوطن العربي مع ضرورة التقيد بها.
وثانيا: العمل على إدخال اللغة العربية في جميع المحافل الدولية كما تفعل الآن الجمهورية العربية الليبية فهي التي كانت وراء اعتماد اللغة العربية في منظمة الأمم المتحدة والمنظمات والهيئات التابعة لها...
كذلك ما فرضته على الزوار الأجانب من وجوب تعریب بیانات جواز سفرهم وإلا منعوا من دخول البلاد.
وأضيف أيضا أن عزة لغتنا مرهونة بمدى اعتزاز وافتخار العرب بها وهناك أيضا موضوع آخر هام اقترحنا إدراجه في توصيات الحلقة وهو أن تتبنى الجامعة العربية مشروع فتح معاهد خارج حدود الوطن العربي التعليم اللغة العربية وذلك على غرار معاهد اللغات المنتشرة في معظم البلدان العربية.. على أن يبدأ بفتح مدارس في القارة الأفريقية، والدول الإسلامية على وجه الخصوص في آسيا وأفريقيا.
س- التقدم العلمي والصناعي هو الذي أعطى الإنجليزية والفرنسية مثلا طابعا عالميا، إلى جانب النفوذ إبان الاحتلال الاستعماري، فإلى أي حد يؤثر التخلف العلمي والصناعي في انتشار اللغة العربية؟
ج- الحقيقة أن التقدم العلمي والصناعي قد يساهم إلى حد كبير في نشر اللغة، ولكن هناك عوامل أخرى تساهم هي أيضا في نشر اللغات في العالم، منها تمكن اللغة من استيعاب كافة المستحدثات والمصطلحات العلمية والثقافية، وكذلك سهولتها واعتمادها على الاشتقاق، وإلى غير ذلك، فمثلا التقدم التقني الراقي الذي وصلت إليه اليابان، لم يستطع جعل اللغة اليابانية لغة عالمية، نظرا لصعوبة هذه اللغة وتعقدها ومعلوم أن اللغة العربية تعتبر من اللغات الحية والسهلة وأنها إذا ما توفرت النية الجادة لدى أبنائها قابلة أن تكون لغة عالمية ويجب أن أشير إلى أن اللغة الفرنسية أو الإنكليزية كثيرا ما تعجز عن مجاراة التقدم الصناعي لذلك يلجا العلماء للاستعانة باللغة اللاتينية القديمة والأفريقية لاستنباط مسميات واشتقاقات لإعطائها للمخترعات الجديدة والأمثلة على ذلك كثيرة.. وبعكس اللغة العربية التي أثبتت دائما أنها تستطيع بمرونتها وكثرة الاشتقاقات التي فيها تلبية كل التسميات الجديدة والمستحدثة.
س- كيف تتوافر الدراسات الإسلامية باللغات الأجنبية حتى لا يتخذ المستشرقون عدم وجود كتب إسلامية بالإنجليزية ذريعة إلى اللجوء إلى كتابات مغرضة ضد الإسلام؟
ج - هذه نقطة هامة جدا.. إن معظم ما كتب عن العرب والإسلام بصورة عامة كان من قبل المستشرقين الأجانب فالواجب المُلح الآن -وهذا ما أكدنا عليه في تقريرنا الذي قدمناه إلى الحلقة- أن يقوم العرب بأنفسهم بترجمة تراثهم التاريخي والديني وتعاليم الإسلام الحنيف إلى اللغات الأخرى وذلك لقطع الطريق أمام الكتاب الأجانب الذين يتصدون للكتابة عن تراثنا وديننا فيلجؤون إلى التزييف والتحريف المتعمد بحجة أن ليس لديهم مصادر عربية بلغاتهم... وأحب أن أشير أيضا إلى أنه قد آن الأوان أن تكتب تاريخنا بأنفسنا ونبتعد عن تبني ما كتبه الآخرون عنا وعن تراثنا فحتى المستشرقون الذين يمكن أن نصفهم بالموضوعية «كبر وحكمان» مثلا فإن أوروبيته الحاقدة على قمة العربية والإسلامية لا بد أن تظهر رغما عنه ولا بد أن يخفي أمورا وحقائق يعرف أن في نشرها تقديرا للعرب والإسلام ولدينا نحن العرب الآن والحمد لله الكثير من كبار الكتاب وعمالقة الباحثين والمؤرخين الذين يستطيعون إعادة دراسة تاريخ العرب والإسلام ووضع الأمور في نصابها وإظهار الوجه الحقيقي المشرق والمبدع لدينا وأمتنا
س- هل قامت ليبيا بتعريب المصطلحات المستعملة في الحياة اليومية.. وما هو مدى نجاحها؟
وهل قام في ليبيا في هذا المجال نموذج علمي واقعي يهزم حجة الذين يدعون بأن ألفاظ اللغة العربية تعيق عن استيعاب المصطلحات الحديثة؟
ج- إن الجمهورية العربية الليبية هي الآن رائدة في هذا المجال فاللغة العربية هي السائدة تماما في طول البلاد وعرضها ولا أثر لأية لغة أخرى أجنبية في أي مكان من الجمهورية العربية الليبية وقد نجحت نجاحا تاما في ذلك فالتلفزيون يسمى عندنا الإذاعة المرئية والإذاعة العادية تسمى بالإذاعة المسموعة وغيرها وغيرها من المسميات الأجنبية التي كانت سائدة في بلادنا إبان الحكم الاستعماري والحكم الملكي المنهار الذي تلاه.. وقد بدلت جميع تلك الأسماء إلى أسماء عربية صرفة حتى الشركات الأجنبية العاملة في بلادنا قد أصبحت جميع مكاتباتها بالعربية والشيء اللافت للنظر أن سياسة التعريب وجميع الأسماء الجديدة قد دخلت في الوجدان العضوي للمواطن العربي الليبي وأصبح لا يعرف الأشياء كل الأشياء إلا بمسمياتها العربية وقد نسي تماما الأسماء الأجنبية التي كانت تطلق عليها.. فلا تجد عندنا أحدا يقول تلفزيون أو بوليس أو تلفون فالكل يقولون إذاعة مرئية شرطة هاتف الخ... وتعتبر بلادنا نموذجا ناجحا لمن أراد أن ينتهج نهجنا ويعتز بلغة آبائه وأجداده.
س- ما هي ملاحظاتكم على المؤتمر؟
ج- الحلقة غاية من الأهمية فهي تمس مسا مباشرا نهضتنا العربية وتقدمنا واحتلال مكاننا الطبيعي بين الأمم المتقدمة العريقة وأرجو مخلصا أن تجد جميع توصيات هذه الحلقة ومقرراتها طريقها للتنفيذ لا أن تدخل كسابقتها أدراج مكاتب الجامعة العربية لتعلوها أتربة النسيان والإهمال.
وبهذه المناسبة أقول إنني كنت سعيدا طيلة مدة وجودي بين إخوتي العرب الكويتيين وقد لمست فيهم الرفض لواقع التجزئة والتفرقة المهين الذي تعيشه أمتنا العربية كما لمست فيهم الاعتزاز والفخر بالعروبة والإسلام وهذا ما أثلج قلبي وزاد من يقيني أن مستقبل الأمة العربية سيكون بإذن الله باهرا مزدهرا بفضل شبابها المثقف والملتزم بالأخلاق والمثل العربية الأثيلة العريقة.
كما أشكركم على هذه المقابلة وأتمنى لمجلتكم الغراء كل تقدم وازدهار.