; تحصين الإسلام للمسلمين ضد الغزو الفكري | مجلة المجتمع

العنوان تحصين الإسلام للمسلمين ضد الغزو الفكري

الكاتب الدكتور عمارة نجيب

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1979

مشاهدات 90

نشر في العدد 448

نشر في الصفحة 13

الثلاثاء 05-يونيو-1979

يرجع نجاح أي فكرة غازية في التسرب والتأثير في عقول وقلوب شبابنا إلى أمرين:

أولهما: الشعور بالحاجة إلى الفكرة أو المعلومة الواردة أو المعرفة الأجنبية.

 وذلك يعني الشعور بأهمية الفكرة لخلو الذهن مما سواها. ولمناسبتها للظروف التي فوضت الحاجة إليها، ومثال ذلك إذا رأينا أسرة لا تعرف الإسلام على حقيقته، ولا تعتبره مرجعها الأساسي لتربية الأولاد. فلا تسمح لأبنائها بطرح مشكلاتهم النفسية الخاصة والبحث معهم عن حلول لها. 

خاصة مشكلات العلاقة بين الذكر والأنثى وعائدها النفسي والاجتماعي. 

عندئذ يشعر الأولاد بالحاجة الشديدة إلى توجيه وإرشاد في الوقت الذي صار مصدر معارفهم في هذه الشئون مغلقًا في نظر أصحاب المشكلات. 

النتيجة الطبيعية للإلحاح النفسي في المعرفة نتيجة الشعور بالحاجة هو البحث عن مصدر آخر، فإذا تعرض لأصحاب المشكلات من أوهمهم مجرد إيهام بأن لديه الحلول لمشكلاتهم، فتحوا له عقولهم وسهلوا له الطريق إلى قلوبهم، لتصبح أرضًا صالحة للبذر، وتربة خصبة للإنبات.

هكذا كل شعور بالحاجة يهيئ قلب صاحبه لاستقبال أي غاز أو فاتح يحمل الحاجة أو يحمل مجرد إبهام يمثلها.

ثانيهما: الشعور بالدونية

وهذا الشعور يعني الانبهار بكل فكرة أو معلومة يطرحها من هو- في نظر المتدني بنفسه- الأعرف والأرقى والأقوى والأعظم والأكثر فهمًا ووعيًا وعلمًا، وسواء كان هذا الشعور من شخص أو من جماعة تجاه شخص أو تجاه جماعة أو هيئة كإذاعة والصحيفة مثلا. 

والشعور بالدونية غير التواضع لا يكون إلا مصاحبًا للثقة بالنفس والاعتزاز بالكرامة، والإحساس بالقوة الذاتية المستمدة من كيان الشخص نفسه أو من كيان أمته، وعقيدته، ومراجعه في العلم والمعرفة، يعكس الدونية التي تصاحب الإحساس الداخلي بالصغار، وعدم الثقة بالذات أو بالمرجع الذي هو الجماعة أو العقيدة، أو مصدر العلم والمعرفة وهذا الشعور يجعل صاحبه خامة طيعة لكل مؤثر، وبيئة موطأه لكل دعاية مضادة وكلا الأمرين: الشعور بالحاجة والشعور بالدونية مما عمل الاستعمار جاهدًا على تنميته في نفوس وعقول الشباب المسلم في البلاد الإسلامية، ولما عجز السلاح عن ذلك في ظل الاستعمار العسكري تبنى اليهود هذه الفكرة وأقنعوا أصحاب الأحقاد على الإسلام في الشرق وفي الغرب أنهم القادرون على تنفيذها.

وتحقيق نجاحها، بالمزاوجة بين السلاح والغزو الفكري، ولكن ليس على طريقة الصليبيين، ولا على طريقة التتار، إنما على طريقة لا يحرق الشجرة إلا فرع منها.

ونال اليهود ثمن السهر على هذه الفكرة الجديدة وطنًا في الأرض التي حددوها، وراحوا يثبتون صحة فكرتهم من خلال جماعاتهم الخفية ومنظماتهم السرية، وماسونيتهم العريقة في التدبير والتخطيط والتآمر... ولكن فات الحاقدون على الإسلام أن اليهود ركبوهم لتحقيق مآربهم الخاصة، وأن اليهود لن يتركوهم لينعموا بنجاح هذه الفكرة في بلاد المسلمين قبل أن يشقوا بنجاح نفس الفكرة في بلادهم هم.

وها نحن نرى بأعيننا كيف صار الرعب والشقاء والتعاسة والقلق واللصوصية والجرائم والأمراض والمخدرات والجنس والزهري والسيلان والانتحار والقتل يخيم على عواصم أوروبا الغربية وأمريكا. ويهدد أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي وغيرهما.

كل هذا يتم من خلال شعور أعداء الإسلام بالحاجة إلى اليهود، والإحساس بقدرة اليهود دونها قدرة الشرق والغرب، وإن كانت الحاجة هي الرغبة في قمع المارد الإسلامي، ولو كان الإحساس هو إحساس بقدرة على الإفساد وإدارة أعمال التحلل والإباحية والمنكرات دونها قدرة غير اليهود فات الحاقدون على الإسلام هذا، ولم ينس اليهود أو يفوتهم أن الجميع مسيحيين ومسلمين أعدادهم، وأن واجبهم الأساسي هو القضاء على المسيحية وإذلال شعوبها، وذبح الإسلام، واستعمال المسلمين خدمًا وعبيدًا في مزارع ومصانع اليهود.

  • المخطط في دستور ما يدعى بثورة ٢٣ يوليو

وكان مخطط تنمية الشعور بالحاجة إلى الغرب والشرق في البلاد الإسلامية وتنمية الإحساس بالدونية قبل الأمم المتقدمة من دستور العمل الأساسي لقادة انقلاب الثالث والعشرين من يوليو عام ١٩٥٢ في مصر وعلى رأسهم الماسونيون.

وبدأت الخطة المدروسة بإلهاب مشاعر الجماهير العكسية: أي مشاعر الاستغناء والثقة والاستعلاء. 

وهذا شرط لنجاح مخطط هدم الشيء من أساسه، والقضاء عليه نهائيًا حتى تكون شدة الصدمة موازية للشعور النامي فينخلع من الجذور وهو ما نراه حتى في المسائل- المادية المحسوسة، فإذا تقابل القطاران المتواجهان بسرعة عالية كان الدمار شاملاً ومخيفًا.

 وفعل عبد الناصر فعلته التي انتهت بنكسة يونيو عام ١٩٦٧ ليحل بالنفس الإسلامية من اليأس والشعور بالدونية ما يوازي شعور هذه النفوس قبل النكسة بالاستعلاء والثقة والقوة.

ولكن بدا للعيان خاصة المتربصين بنا أن الصدمة لم تمتص كل مشاعر الإيمان، ولم تقض على جميع مظاهر الثقة، ولم تمنع من ظهور عوامل تنشيط أخرى تهدد مخطط أعداء الإسلام.

فكانت الملاحق التي تلت ذلك، كان مخطط الإفراج عن المعتقلين، والسماح للنشاط الوطني بالعمل ونفخ أبواق الدعاية بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية لتصل سرعة القطار إلى أقصاها في حرب رمضان عام ۱۳۹۳ هـ أكتوبر ۱۹۷۳م تلك الحرب التي جاءت بغير ما توقعه المخططون، فقد كانوا يتوقعون نكسة كنكسة ١٩٦٧م، ليذهب إلى القدس من يذهب بطلًا لا يحق لأحد أن يعترض على تصرفاته خاصة بعد حرب عبئت لها الأمة العربية في الظاهر، وقدم لقيادتها من يظن المصريون أنهم أفضل القيادات. وسميت باسم «بدر» ووقتت برمضان، وبالنسبة لليهود كانوا في إجازة «يوم الغفران» وهكذا أبلغ الأمر ذروته لتكون الصدمة موازية للذهاب إلى القدس، والاعتراف بإسرائيل، غداة تنفيذ الطبخة التي طبخت مع كيسنجر وبالمناسبة أدعو الذين يملكون التسجيل التلفزيوني لخطابات السادات أثناء حرب رمضان أن يعيدوا عرضها ليروا إن كان وجهه يعبر عن فرحة أو يمثل نشوة انتصار؟؟ بل على العكس تمامًا. يرون وجها حزينًا جدًا وإن كان يحاول صاحبه جاهدًا أن يغطي هذا الحزن.. وهو ما يؤكد أن خطته كانت تعني شيئًا آخر غير تحقيق الانتصار الساحق كما حدث.

وقد أثبت هذا منع السادات للقوات السودانية من الاشتراك في الحرب وتدخل لمنع الدول العربية من إرسال قواتها إلى ميدان القتال، وادعاؤه فيما بعد أنه أرادها حرب تحريك لا حرب تحرير، ليوقف القتال رغم أنف القادة العسكريين، وليتهم المخلصين منهم باتهامات غريبة، وليضغط العدو على جزء محدد فتكون الثغرة، وهكذا جاءت الرياح بما لا تشتهي سفن الماسونيين الصهاينة فانصب حقد السادات وغضبه على الجيش المنتصر، وراح يدعوه إلى الترف، ويدخل في صفوفه النساء، ويعمل جاهدًا على إضعافه، ولكن بأساليب اليهود التي تخفي غير ما تظهر.

وقامت وسائل الإعلام بأكبر مؤامرة وأدنا خطة لتشيع المنكرات والفواحش وتنشر أسباب التحلل.

 وتهيئ الجو للسادات حتى يذهب إلى القدس في غيبة الإسلام.. نعم في غيبة من يخافون غضبته ويخشون عقابه.. وكانت مؤامرة القتل من جهاز أمن السادات للذهبي، وكان القبض لا على القتلة، ولا على من ادعوا هم بأنهم القتلة، ولكن على جماعة إسلامية منتشرة في أنحاء مصر قبضوا على الكل ليخيفوا المسلمين، وليعلنوا تربصهم بالإسلام وجاء السؤال: ما الذي يخيفهم من الإسلام؟؟ خصوصًا من ادعى العلم والإيمان، والجواب: الذي يضمنه الإسلام لأتباعه من حصانة ضد مخططات أعداء الإسلام، هو الذي يخيفهم.

فالإسلام ينمي في أتباعه إيمانًا بقدرته على إدارة حياتهم من جميع جوانبها، ولا يحتاج في هذا إلى جزء دخيل، ولا إلى عنصر غريب، من حيث اشتمل على قواعد السياسة الناجحة، والاقتصاد النشط النامي أبدًا والاجتماع المتعاون السعيد ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 9) 

ومن حيث تضمن أسباب النصر المحتم والقوة المضاعفة، والفكر الراشد ومن حيث شهد تطبيقه خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، كما شهد تاريخه أنه ما كان الإسلام وجه ووجهة حاكم من حكام المسلمين حقًا إلا وكان النصر حليفه على أعدائه مهما كانت قوة أعدائه، ومهما كان ضعفه، ما دام قد بذل الوسع وأعد من العدة ما استطاع، كما فعل صلاح الدين وقطز ومحمد الفاتح. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(الحج: 40) ومن حيث يتأكد لأعدائه أنه يضاعف من قوة الفرد ومن معنويات الجماعة ومن قدرة الحكام، بدليل تخوفهم الشديد من عودته إلى حياة المسلمين ومن حيث يحتوي على وسائل الإقناع وقواعد الحوار العلمي الجاد، وأسباب راحة القلب، وطمأنينة الفؤاد، وكل ما تطمح إليه النفوس في كل العصور من أمان وما ترنو إليه من يقين وإيمان حتى في أرقى البلاد حضارة ومدنية في القرن العشرين ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 146).

كل هذا وغيره يمثل التحصين الضروري ضد كل أمراض الغزو الفكري وهو ما يجعل المسلم يشعر بيقين أنه لا يحتاج إلى مستوردات فكرية ولا إلى قواعد إدارية أو قانونية، فإذا جاءه ما لا يحتاج إليه رده ردًا مناسبًا، ولم يقع له في نفسه أدنى تأثير.

وهذا ما يجعل أعداء الإسلام يقررون ضرورة إزالة هذا الشعور أولا والعمل على هدمه في قلوب المسلمين ليحلوا محله، الشعور بالحاجة إلى الفكر المستورد كحاجتهم إلى السلع المادية المستوردة.

وهو نفسه ما يؤرق حكام التبعية والاستخذاء، فراحوا يضربونه بعنف وقسوة ووحشية ليساهموا مع

أعداء الإسلام في تنمية الشعور بالحاجة إلى معارفهم ومعاونتهم وأفكارهم كالحاجة إلى أسلحتهم وتكنولوجيتهم ومصانعهم، والإسلام يربي أتباعه على الشعور بالعزة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) ويحصن المسلمين بالشعور بالكرامة وبالثقة في أنفسهم وفي معتقداتهم وفي شريعتهم بحيث لا يرون شيئا يعلو على هذه الثقة أو ينال منها ولأن الدونية تجعل صاحبها يسلم لمن يظنهم أعلى وأعظم وأرقى وصل الإسلام أتباعه بالله لتكون عزتهم مستمدة من عزة الله فتصبح كل عزة دونها سراب﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: 139) وجعلها الإسلام مطلب المسلم وغاية له ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ﴾ (فاطر: 10)

بهذا يتم تحصين المسلمين ضد الدونية التي أرادها لهم المنافقون وأعداء الإسلام، وخططوا لنموها في حياة المسلمين، لتجعل منهم مرتعًا خصبًا لنمو جراثيم الغزو الفكري، وانتشار أوبئة التبعية والاستسلام. وبالتحصين لأتباع الإسلام يحال بينهم وبين الرضا بالمهانة والذلة والاستضعاف، حيث يشعرون بأن مال المستضعفين منهم إلى جهنم كما جاء في قول الله تعالى﴿قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:97).

وهو أيضا مما يدركه أعداء الإسلام فيعملون على الحيلولة بينه وبين حياة المسلمين لتخلص لهم فيرتعون فيها فسادًا واستعبادًا.

ويشيعون فيها الاستضعاف والصغار تمهيدًا لفرض التبعية والاستسلام.

فما أحوج المسلمين اليوم إلى هذا التحصين، وما أحوج الدعاة إلى استخدام هذه الأمصال في هذه الأيام. حتى يعود المسلمون إلى حصونهم الآمنة القوية العتيدة بالإيمان والعزة والقوة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 47

0

الثلاثاء 16-فبراير-1971

مواقف!

نشر في العدد 38

147

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

مع القراء (38)