العنوان بعد الاقباط في مصر والبربر في الجزائر جاءت بورقة ضغط جديدة.. تحريك ملف الزنوج في موريتانيا ... رداً على رفض قاعدة عسكرية أمريكية
الكاتب رضا عبدالودود
تاريخ النشر السبت 18-مارس-2006
مشاهدات 58
نشر في العدد 1693
نشر في الصفحة 22
السبت 18-مارس-2006
•واشنطن تهدف من وراء إقامة القاعدة العسكرية فرض حماية على الاستثمارات الأمريكية في الصحراء الكبرى!
•الإدارة الفرنسية نجحت في السيطرة على منطقة نفوذ ظلت تابعة لها منذ أمد بعيد!
موقف الولايات المتحدة الأمريكية الأخير من موريتانيا كشف عن وجه آخر من أوجه الابتزاز تحت شعار الديمقراطية التي تبشر بها. فبعد رفض المجلس العسكري الحاكم في موريتانيا إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية على الأراضي الموريتانية، استنادا لكونه مجلس حكم انتقالياً لا يستطيع البت في مثل تلك الأمور الاستراتيجية، بدأت واشنطن على الفور تحريك ملف الزنوج في موريتانيا وهو أحد أكثر الملفات المطروحة في موريتانيا حساسية في العقدين الماضيين مع نزوح آلاف الزنوج الموريتانيين إبان أحداث ۱۹۸۹ إلى السنغال ولجوئهم هناك!
لقد مثل الرد الموريتاني صفعة قوية للوفد الأمريكي الذي زار موريتانيا مؤخراً برئاسة مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية بوبي بيتمان وضم مسؤولين من وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي ووكالة التعاون الدولي والتنمية الأمريكية خلال زيارة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد للمنطقة المغاربية ورئيس مكتب التحقيقات الأمريكي روبرت مولر، حيث أعلن الرئيس الموريتاني المؤقت ولد فال: «أنه غير مستعد للمشاركة في حرب على إرهابيين وهميين»، مؤكداً رفضه إقامة قاعدة عسكرية في الصحراء الموريتانية، لكونه رئيساً انتقالياً، ولا يملك الشرعية الكافية لاتخاذ قرار في هذا المستوى، مطالباً بتأجيل الموضوع إلى حين قيام نظام منتخب ديمقراطياً.
تحريك ملف
جاءت هذه المواقف لتدفع بالولايات المتحدة إلى مراجعة سياساتها تجاه النظام الجديد في موريتانيا، ولم يخف الوفد الأمريكي استياءه من العلاقات مع المجلس العسكري، فأعلن أن أي تحسن لهذه العلاقات مرهون بإقامة الديمقراطية، وهي العبارة المطاطة التي تترجم بعدم الرضا الأمريكي عن أي نظام في العالم. وعلى الفور شرعت السفارة الأمريكية، ومسؤولو مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي أي» في تطبيق التوجيهات التي وصلت إليهم من واشنطن بتحريك ملف الزنوج الموريتانيين المبعدين إلى السنغال ومالي، وتبلورت الإشارة الأولى في تصريح السفير الأمريكي في موريتانيا جوزيف ليبارون في زيارته مؤخراً مخيمات اللاجئين الزنوج في السنغال، وأعلن مسئولو هذه المخيمات أن السفير تعهد لهم بعودتهم إلى موريتانيا قبل انتهاء المرحلة الانتقالية، وهو ما أثار جدلاً كبيراً في الأوساط الموريتانية، مما دفع جوزيف بعد عودته إلى نواكشوط إلى القول إنه تم تحريف تصريحه. كما طلب المسؤولون الأمريكيون من مخيمات اللاجئين تقديم لوائح بـ ١٢٠ ألفاً من النازحين بدلاً من العدد الأصلي الذي يبلغ ٢٠ ألفاً وتعترف به الحكومة الموريتانية بصفة غير رسمية. ورأت نواكشوط أن هناك تشجيعاً غير بريء على هجرة الأفارقة إليها، مع ما نقل عن مصادر أمريكية في مخيمات اللاجئين والقرى السنغالية الحدودية من أن لهؤلاء السكان الحق في الثروة النفطية الموريتانية التي تفتح باب الثراء في الضفة اليمنى للنهر. ولا حقت الإدارة السنغالية التوجهات الأمريكية الجديدة في ملف المبعدين، وهو الملف الذي كاد النسيان يطويه خلال الفترة الأخيرة من حكم ولد الطايع – الذي كان مطيعاً للتوجهات الأمريكية والصهيونية بشكل كبير، والذي كان قد وافق على إقامة قواعد عسكرية أمريكية في الصحراء الموريتانية الرصد تحركات من أسماهم بالعناصر الإرهابية والتنسيق بين جيوش دول غرب إفريقيا في مجال التعاون العسكري - حيث أعرب الرئيس السنغالي عبدالله واد خلال زيارته لنواكشوط قبل أيام صراحة عن رغبته في أن تسمح الحكومة الموريتانية بعودة الزنوج المبعدين إلى موريتانيا، وطالب بمعالجة الملف
القيادات الزنجية
وعلى الصعيد الداخلي تعرضت القيادات الزنجية في أحزاب موريتانية لضغوط من جهات أمريكية لتحريك الملف، إلا أنها أثرت الابتعاد عما يثير الحساسية وما يمكن أن يعكر صفو المرحلة الانتقالية، وأبدت تخوفها صراحة في لقاءات مع مسؤولين أمريكيين، من أن يؤدي الإلحاح في طرح الملف إلى نتائج عكسية، أو إلى فتح باب الصراع العرقي من جديد، خاصة بعدما أعلنت عناصر سابقة في قوات التحرير الإفريقية في موريتانيا وحركة السود الموريتانيين في المنفى، منتصف فبراير الماضي تمسكها بقرار التخلي عن الكفاح المسلح، والعمل مع القوى السياسية والاجتماعية بلا استثناء في موريتانيا، بقيادة سليمان عمر با الذي يتخذ من داكار مقراً له. وكانت قوات التحرير الإفريقية في موريتانيا قد أعلنت في أغسطس الماضي في مؤتمر صحفي في دكار أنها تخلت عن الكفاح المسلح على غرار عدة حركات موريتانية معارضة بما فيها «فرسان التغيير» والوعي المقاومة ومنظمة «اساو اس - عبودية» ومجموعة السود الموريتانيين للتغيير.
التاريخ السياسي
ولعل تصاعد أزمة الزنوج في موريتانيا شكلها السياسي يرجع إلى فترة حكم ولد الطايع، حيث انقلب على جميع قوى المجتمع جعلهم أعداء متربصين به، وشهدت فترات حكمة العديد من التصفيات والإعدامات خارج القضاء للعسكريين الزنوج والمدنيين وترحيل عشرات الآلاف الآخرين، وعمليات تطهير واسعة النطاق في الإدارة والقوات المسلحة قوات الأمن. وكانت أحداث التسعينات هي الأبرز وراح ضحيتها ما يقارب ٢٠٠ من الضباط والجنود الأفارقة المتهمين بمحاولة قلب نظام الرئيس المخلوع. وبالتوقف قليلاً أمام المشهد الموريتاني الذي يشير إلى أن تاريخ الصراع بين الزنوج والعنصر العربي في موريتانيا، سببه الأساسي الاستعمار الفرنسي الذي جاء بجنوده من الزنوج والمعروفين بالرماة السنغاليين الذين كانوا وقود كل أحداث العنف في المنطقة التي امتدت نحو ٣٦ عاماً، من بداية القرن حتى عام ١٩٣٦م، وكبقية قوى الاستعمار عملت فرنسا على خلق مناطق عازلة بين العنصر العربي الذي دافع عن أراضيه والعنصر الزنجي لضمان بقاء سيطرتها. وفي أواخر الخمسينيات بدأت تهب على المنطقة ريح التحرر من الشمال، خصوصاً مع الثورة الجزائرية، وموجة الاستقلال في المغرب وتونس، وحصلت موريتانيا على استقلالها الشكلي في عام ١٩٦٠م دون كفاءات و كوادر تدير البلد حديثة الاستقلال، غير الزنوج السنغاليين الذين سيطروا على مقاليد الحكم والإدارة، وكان هدفهم خدمة المستعمر السابق الفرنسي الذي ظلت له الكلمة العليا في البلاد، كما أسست مجموعة من الزنوج الموريتانيين مطلع السبعينيات حزبا أطلقوا عليه اسم «جبهة تحرير الأفارقة في موريتانيا»، وكانت هذه الجبهة تهدف إلى إقامة دولة سوداء في موريتانيا، تحمل اسم دولة – «والو والو» – في حال نجحت خطة هذه الجبهة، إلا أن حلمها لم يكتمل.
حركة التململ ومع بداية النهضة الموريتانية التعليمية بدت العناصر الموريتانية العربية في البحث عن ذاتها ودورها منذ منتصف الستينيات والتي بدأت بإضراب المدارس، وبدأت تتكون الحركات القومية العربية مع تصاعد المد الناصري في المنطقة العربية، ساعدها تصاعد كتلة الدار البيضاء في الشمال التي تكونت أساساً من الحركة الاستقلالية في ذلك الوقت في المغرب ومصر والحكومة المؤقتة بالجزائر، بينما في الجنوب كانت مجموعة «اللوكامب»، ومجموعة «مدغشقر» الافريقية التي سارت في فلك الاستعمار. واشتدت حركة التململ بين العناصر العربية والزنجية في منتصف الستينيات وبدأت أحداث مذبحة الزويلات سنة ١٩٦٦م في المناجم وتدخل الجيش بصورة كبيرة في حفظ أمن البلاد، وبدأ التحول النسبي في نظام الحكم نفسه يتغير بمساعدة وبدعم من الجزائر، بعد أن توطد النظام الوطني في الجزائر بقيادة «بومدين» وبدأ يعاد تشكيل الدولة الموريتانية المستقلة. ومع تطورات الأزمة الديمقراطية في موريتانيا وحكم العسكر والانقلابات بدأت تصفية العنصر الزنجي الذي ارتبط تاريخياً بالاستعمار والدخول كطرف مناؤي للحكم القائم خدمة لأهداف خارجية، ولعل الحرب السنغالية الموريتانية عام ۱۹۸۹ كانت إحدى الإفرازات السياسية لتلك المعضلة. تفويت الفرص ولعل تلك التطورات الحادثة في مسار العلاقات الموريتانية الأمريكية تؤكد عدداً من التداعيات والدلالات الاستراتيجية، أهمها رغبة واشنطن في إنشاء طوق أمني – يحميها من كل اعتداء إرهابي محتمل - من خلال إقامة قواعد عسكرية في موريتانيا، كما تستهدف واشنطن من وراء ذلك، فرض حماية على الاستثمارات الأمريكية في الصحراء الكبرى، ومراقبة تحركات الجماعات المسلحة بالتنسيق مع القيادات العسكرية الجزائرية والمغربية والليبية، دون إحراج هذه الدول بإنشاء قواعد عسكرية بداخلها، لأنه سيساهم في خلق بؤرة توتر في مكان تريده واشنطن من الآن فصاعداً آمناً ومستقراً. كما يثبت الموقف الموريتاني نجاح الإدارة الفرنسية في السيطرة على منطقة نفوذ ظلت تابعة لها منذ أمد بعيد، ولم تبتعد عنها إلا في أواخر حكم الرئيس المخلوع معاوية ولد طايع، إلا أن الإدارة الأمريكية تبدو متمسكة بمشروعها الإمبراطوري للسيطرة على المغرب العربي الهادئ بالنسبة لها عن المشرق العربي الملتهب، مستغلة عدداً من الأوراق السياسية في المرحلة المقبلة في موريتانيا، والتي بدأتها بتحريك ورقة الزنوج ثم تأتي الانتخابات المقبلة والاستحقاقات الديمقراطية، وملف البترول وشركات النفط.. وعلى صعيد أبعد تبقى ورقة الأقليات والمهمشين أُلعوبة ووسيلة قذرة لابتزاز دول الشرق الأوسط والدول العربية والإسلامية مثل الأقباط في مصر والبربر في الجزائر وغيرهم من نقاط الالتهاب في وطننا العربي، وهي كثيرة وتحتاج إلى نظرات وتوقفات من أجل العلاج الهادئ لتفويت الفرص على المتربصين.