; تحرير المرأة بين شعار التنوير وواقع التدمير | مجلة المجتمع

العنوان تحرير المرأة بين شعار التنوير وواقع التدمير

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998

مشاهدات 75

نشر في العدد 1304

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 16-يونيو-1998

  • كيف تاب قاسم أمين عن رأيه في تحرير المرأة.. وماذا قال في آخر أيامه؟ 
  • دور اللورد كرومر والملكة نازلي في تدمير المرأة.. وخصومة لطفي السيد للعروبة والوحدة الإسلامية.

خلال الربع الأول من القرن العشرين، بدأت في العالم العربي عامة، وفي مصر خاصة، حركة تطالب بالتغيير وبتحرير المرأة، فكان ذلك مسبوقًا بدور قامت به الأميرة نازلي بنت الأمير مصطفى فاضل في نهاية القرن التاسع عشر، وكان محفل «صالون» أدبي للآنسة «مي» وفي جهود السيدة نور الهدى بنت محمد سلطان باشا التي عرفت باسم هدى شعراوي انتسابًا إلى زوجها علي باشا شعراوي على الطريقة الأوروبية.

 فإذا كانت حركة التنوير في أوروبا قد اتجهت إلى الثورة على تعاليم الكنيسة المسيحية، حيث كانت تحرم ما أحل الله من البحث في العلوم الطبيعية وفي الطب وفي الفلك والجغرافيا والهندسة وتقتل وتحرق وتسجن من يعارض مشيئتها في ذلك بدعوى أنهم يمارسون السحر الأسود أو يحاربون الله تبارك وتعالى، فإن حركة التنوير في العالم العربي ليست تقليدًا للتنوير الأوروبي من كل الوجوه:

أ - فكانت توجد حركة تقليد الفكر الغربي وتدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وكان هذا هو الأساس في هذه الحركة، قبل النظر إلى تعليم المرأة أو غيره، لأنه إذا تحرر الفرد من سلطان الدين يمكن تحريره فيما هو دون ذلك، وقد زادت هذه الحركة في مصر بعد أن اغتصب العلمانيون تركيا وحكموها عن طريق حزب الاتحاد والترقي الذي ألغى الخلافة الإسلامية سنة ١٩٢٤م، وقد عبر طه حسين عن هذه الحركة فيما طالب به بالاتصال المستمر بالحياة الأوروبية.

 ب- والحركة الأخرى في التنوير كانت بين العلماء الذين رأوا أن أحوال البلاد بصفة عامة والمرأة بصفة خاصة، في انحطاط مستمر، والسبب الجمود على تقاليد الآباء، وهي تقاليد لا تمت للإسلام بصلة، وقد كان من رواد هذه الحركة المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، والشيخ حسن العطار وتلميذه رفاعة الطهطاوي، ومن بعدهم الشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا. 

لقد كانت مصر في عصر محمد علي مسيَّرة إلى هذا التغيير والتقدم فيما كان يسمى بالعصرية كان أمل هؤلاء في المدرسة العصرية والفكر العصري والدولة العصرية، ولهذا بعث محمد علي عددًا من العلماء إلى أوروبا لهذا الغرض ومنهم الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي عاد من فرنسا ووضع كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» وقد أمر محمد علي بناءً على تزكية من الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر بطبع الكتاب على نفقة الدولة، وتوزيعه على الدواوين «الوزارات» والمدارس، وأصدر رفاعة الطهطاوي كتابه «المرشد الأمين للبنات والبنين» وبعد ذلك بعام فتحت أول مدرسة للبنات وكانت قد أنشأتها السيدة «حشم ألفت هانم» ثالث زوجات الخديوي إسماعيل، ثم أكمل هذا الدور في تحرير المرأة قاسم أمين بإرشاد من أستاذه الشيخ محمد عبده ولكن رفاعة الطهطاوي التزم بالدعوة إلى نهضة المرأة وتحريرها، بما لا يتعارض مع الإسلام، أما قاسم أمين فقد كانت بدايته صحيحة نحو هذه الحركة، حيث إنه في كتابه «تحرير المرأة الصادر سنة ۱۸۹۸م لم يخرج عن قواعد الإسلام، ولهذا عندما هاجمه بعض العلماء دافع عنه الشيخ محمد رشيد رضا والشيخ عبد القادر المغربي، وهم من تلاميذ الشيخ محمد عبده، ولكن في كتابه «المرأة الجديدة» لم يلتزم بهذه القيم وانتهى إلى أمور لا تقرها المرأة ذاتها، فيطالب بما يسميه منع ملكية الرجال للنساء ولو أدى إلى إلغاء الزواج حتى لا تخضع المرأة لأي نظام أو قانون.

 قاسم والمرأة الجديدة:

 لم يتجاوز قاسم أمين الحدود الإسلامية في كتابه تحرير المرأة، فكان الكتاب معبرًا عن أفكار الشيخ محمد عبده المؤيدة بالنصوص الشرعية ولكنه وضع في هذا الكتاب بعض التلميحات تكشف عن هدفه الذي ظهر في كتابه الأخير كقوله «إن أوروبا لم تترك الحجاب لو رأوا فيه خيرًا». ص ٩٦، وقوله: «غالينا في اعتبار صفة العفة في النساء وفي الحرص عليها والعفة لا تغني شيئًا عن باقي الصفات من كمال العقل وحسن التدبير» ص ۸۹.

وفي كتابه «المرأة الجديدة» يكشف النقاب عن هدفه فيقول: يجب أن تكون المسلمة كالأوروبية ويقول «الزواج ملكية الرجال للنساء»، ويقول: «يجب ترك الحرية للنساء حتى لو أدى إلى إلغاء الزواج» ص ۲۰۹.

ويروي الشيخ محمد رشيد رضا أن الشيخ محمد عبده كان يلقي درسًا بالأزهر في الرواق العباسي، فدخلت بنت لعل سنها لا تقل عن اثنتي عشرة سنة فتخطت الرقاب حتى وصلت إلى والدها فأسرت إليه كلمة وخرجت وقد كثر التفات الناس إليها استغرابًا لجرائها، فسكت الأستاذ الإمام هنية ثم قال باللغة العامية «إياك تكون دي المرأة الجديدة اللي بيقولوا عنها»، وذلك لأن الصحف كانت تكتب عن كتاب قاسم أمين «المرأة الجديدة». وعن وجوب سفورها واختلاطها بالرجال.

 ولقد نشرت جريدة الأنباء جانبًا من مذكرات سعد زغلول عن قاسم أمين، فذكرت أنه خصه بصفحات خمس بوصفه صديقًا له، وفيها أنه أبلغ بوفاته تليفونيًّا، فقال انتحر الرجل، وذهب إلى بيته فوجد صديقين للفقيد هما أحمد طلعت باشا وزير الحقانية «العدل» ويحيى إبراهيم باشا رئيس الوزراء السابق ومعهما الدكتور عباس، فسأل الطبيب عن حقيقة الوفاة؛ حيث قال أهله إنه عاد الثامنة مساءً وتألم من شيء في صدره ورفض أن يأكل ثم مات فقال الدكتور عباس إنه -أي الفقيد- كان عاشقًا، والموت طبيعي، ولكني لا أفهم أن العشق يفضي إلى هذه الحالة، وجاء في المذكرات أيضًا أن سعد زغلول علم من صالح ثابت المستشار بمحكمة الاستئناف مع الفقيد، أن مسألة العشق تسيطر عليه كما ذكر أن الصديقين كانا أول من وصلا إلى بيت الفقيد، وحفظا سره بأن أخرجا محفظته من جيبه وأخذا منها صورة عشيقته؛ حيث خشي أن تقع الصورة في يد زوجته فتثير همومها، ومزقا هذا الصورة، وكانت الوفاة يوم 1908/4/23م .

فهل كان قاسم أمين فيما كتب عن المرأة الجديدة متأثرًا بهذه الحالة من العشق، فهو لا يستطيع الزواج ثانية، ولا يستطيع طلاق الأولى، ولا يبقى أمامه إلا أن تكون المسلمة كالأوروبية في كل شيء.

الشيخ محمد عبده وحركة تحرير المرأة:

لقد طلب الخديوي إسماعيل من رفاعة الطهطاوي وضع كتاب يحث الناس على تعليم المرأة، ثم طلب منه تأليف كتاب في الحقوق والعقوبات الشرعية ليطبق في المحاكم على غرار القوانين الأوروبية بعد أن رفض مشايخ الأزهر القيام بهذا العمل، وأوضح الخديوي للطهطاوي أنه أقدر على هذا العمل وأقدر على إقناع شيوخ الأزهر؛ لأنه منهم لأن أوروبا تضطرب إذا هم لم يستجيبوا لحكم شريعة نابليون، فاعتذر الطهطاوي وطلب إقالته حتى لا يتعرض لتكفير مشايخ الأزهر له في آخر حياته، فأقاله الخديوي وحل محله الشيخ محمد عبده. 

وقد عهد الخديوي إلى الشيخ محمد عبده في سنة ١٨٩٦م أن يقدم تقريرًا لإصلاح المحاكم الشرعية بمساعدة بعض العلماء، وقدم هذا التقرير إلى الخديوي ولم يعمل به والجدير بالذكر أن هذه المحاكم كانت تختص بجميع الأحكام وليست بأحكام الأحوال الشخصية.

وفي سنة ۱۹۰۲م تقدم اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر بتقرير لإصلاح المحاكم الشرعية ليكون مقبولًا لدى الشعب، وقد نشرته مجلة المنار التي يصدرها الشيخ محمد رشيد رضا، وأثنت عليه لأنه قد جاء به أن التعجيل في إصلاح المحاكم خير من التأجيل حتى لا تمتد يد الجيل الجديد إلى الأركان القديمة بالتغيير فتكون أشد من الحكومة، وقد انتهى هذا الصراع بقبول الناس لمشروع الشيخ محمد عبده لإصلاح المحاكم الشرعية، ويتضمن تعديل اللوائح في هذه المحاكم على وجه يكفل انتظام سيرها وسرعة الفصل في القضايا بشرط المحافظة على حكم الشرع مع إيجاد طريقة لتقريب فهم الأحكام الشرعية للناس حتى يمكن للخصوم أن يعرفوا القواعد التي يحتكمون إليها، وليسهل على القضاء الرجوع إلى ما يحكمون بمقتضاه، وهذا يشمل جميع أبواب المعاملات من الفقه الإسلامي كما تضمن التقرير وضع قاعدة لتنفيذ الأحكام الشرعية ضد أي شخص كائنًا من كان.

وقد وافق مجلس الشورى على تقرير الشيخ محمد عبده، ولكن الشيخ علي يوسف في جريدة المؤيد والشاب الزعيم مصطفى كامل في جريدة اللواء طالبا برفض هذا المشروع. 

ويرى البعض أن هذه المعارضة كانت موجهة ضد اللورد كرومر والشيخ محمد عبده وليس ضد الإصلاح المستمد من الشريعة.

محمد عبده.. وتحرير المرأة:

لقد كان الشيخ محمد عبده أكثر جرأة في حركة تحرير المرأة، حيث شارك الأميرة نازلي فاضل في بعض الندوات، وكانت تجعل منزلها ديوانًا للندوات؛ حيث ذكر الشيخ محمد رشيد رضا أن الشيخ محمد عبده اصطحبه ذات مرة إلى محفلها، فكان من الحضور مع الشيخ محمد عبده، سعد زغلول باشا وغيرهما وكانت تتكلم بطلاقة وتحتج عليهم. 

وقد كان لهذه الأميرة أثر في الشيخ محمد عبده والذي كان يكره الإنجليز أثناء صحبته للأفغاني، ولكن بعد تردده على ديوان الأميرة نازلي خفت حملته على إنجلترا وسمع بالصداقة الشخصية للورد كرومر الذي كان صديقًا للأميرة مما جعله محل نقد من بعض الوطنيين وشيوخ الأزهر، ولكن تلاميذه يرون أنه قبل هذه الصداقة دون تفريط في حق بلاده أو عدول عن رأيه السياسي والشرعي. 

وقد كتب الشيخ محمد عبده عن تعليم المرأة وتقييد الطلاق وتقييد تعدد الزوجات، وتناول ذلك في دروس التفسير التي نشرها تلميذه محمد رشيد رضا، وأخذ قاسم أمين عنه ذلك، ثم انحرف عن جادة الصواب حيث تحول إلى تقليد أوروبا في نبذ الدين والتدين.

إن قاسم أمين وغيره من المقلدين لأوروبا في الماضي والحاضر يعلمون أن القرآن قد نزل لتصحيح هذا الانحراف قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكتاب لا تغلوا في دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أهواء قوم قد صَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سواء السبيل (المائدة:77).

وقال تعالى عن الرسول والرسالة: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ (الأعراف: ١٥٧) لقد كان أهم ما ظهر في هذا الموضوع كتابان لقاسم أمين الذي اقترن اسمه من بعد بتحرير المرأة وهما تحرير المرأة طبع سنة ۱۸۹۹م، والمرأة الجديدة طبع سنة ۱۹۰۰ وانصرف جهد المؤلف في الكتاب الأول إلى التدليل على ما زعمه من أن حجاب المرأة بوضعه السائد ليس من الإسلام، وأن في

الدعوة إلى السفور ليس فيها خروج على الدين أو مخالفة لقواعده رغم قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ  (النور: ۳۱)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ  (الأحزاب:٥٩)، أي يعرفن أنهن عفيفات غير سافرات فلا يؤذين بالقول من السفهاء.

وغلب المنهج الغربي الحديث على كتابه الثاني فأقام بحثه فيه على الإحصاءات التي تدعمها الأرقام والوقائع وتؤيدها آراء لبعض كتاب الغرب ومفكريه، ويذهب في كل مسألة من هذه المسائل إلى ما يطابق مذهب الغربيين زاعمًا أن ذلك هو مذهب الإسلام، بينما هو يخالف الإسلام كل المخالفة، بل يخالف جميع الأديان السماوية لأن الفواحش ما ظهر منها وما بطن من المحرمات في جميع الأديان. 

أما عن تعدد الزوجات فهو يقول إن الإسلام قد أنصف المرأة فيه ولكن الفقهاء هم الذين انصرفوا إلى مناقشة الألفاظ، ثم يزعم أن نصوص القرآن في تعدد الزوجات تتضمن الإباحة والحظر معًا، أي في آن واحد، فالشارع سبحانه وتعالى -في زعمه- قد علق وجوب الاكتفاء على واحدة لمجرد الخوف فقط من عدم العدل، ثم صرح بأن العدل كله غير مستطاع، وأن الحل هو انتقاء زوجة واحدة ولكن لا يمنع هذا من وجود عشيقات غيرها للحرية السائدة في أوروبا، أما الزواج بأخرى فلا يباح إلا في حالات الضرورة كالمرض المزمن ومثل أن تكون عاقرًا، أما في غير ذلك فليس التعدد إلا حيلة للشهوة البهيمية، إنه لا يجهل أن العدل غير المستطاع الذي أشار إليه القرآن الكريم هو العدل في الميل القلبي، أما العدل في النفقات والمسكن والمبيت فهو مستطاع، ولهذا حذر الله من الإسراف في الميل القلبي لأن العدل فيه غير مستطاع فقال تعالى ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ﴾ (النساء:129). 

وهذا الجزء الثاني من النص القرآني الذي استشهد قاسم أمين بأوله وترك آخره. 

من هذا العرض يبدو واضحًا أن الكتاب ليس كتاب فقه وأن صاحبه ليس فقيهًا يعرض لشرح النصوص الإسلامية شرحًا نزيهًا ليستنبط منها الحكم، ولكنه كتاب موجه لخدمة فكرة معينة يحاول المؤلف أن يسخر النصوص لخدمتها لذلك جاء كتابه معلومًا بالمغالطات سواء كان ذلك في تفسير الآيات القرآنية، أو في النصوص التاريخية والفقهية أو الأدلة الفعلية، وهذا الاتجاه الذي يفسر النصوص تفسيرًا جديدًا مخالفًا لكل ما هو ثابت متواتر في تفسيرها هو جزء من اتجاه عام تزعمه الشيخ محمد عبده في بعض الأمور، حيث نادى بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد الذي زعم أن الفقهاء قد أغلقوا بابه لهذا ارتبط فكر قاسم أمين بالشيخ محمد عبده، بينما كتابه ليس له إلمام بالعلوم الإسلامية، ولذلك شاع بين الناس وقت ذلك أن مؤلفه في الحقيقة هو محمد عبده أستاذ قاسم أمين والمقصود كتاب قاسم أمين تحرير المرأة والذي لم يخرج فيه صراحة عن أحكام الإسلام وذلك بخلاف كتابه الأخير.

إن قاسم أمين قد كشف عن أهدافه الحقيقية في كتاب ظهر في العام التالي وهو كتاب «المرأة الجديدة»، الذي تلحظ فيه أثر الحضارة الغربية واضحًا، فالتزم فيه بمناهج البحث الأوروبية الحديثة المناهضة الخرافات رجال الدين هناك. 

وهي خرافات نزل القرآن الكريم لتصحيحها، ولكن المؤلف تجاهل ذلك وأخذ بالمنهج الذي رفض كل المسلمات والعقائد السابقة سواء منها ما جاء عن طريق الدين وما جاء من غير طريقه، وهذا المنهج لا يقبل إلا ما يقوم عليه دليل من التجربة أو الواقع على حسب ما يفعله باحثو الاجتماع الأوروبيون وهو ما يسمونه بالأسلوب العلمي لأن هذا الذي ننقله عن الأوروبيين والأمريكيين ونثق فيه ثقة عمياء ونسميه بالمنهج العلمي، ليس علمًا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة إلا فيما يتصل بالفروع التجريبية كالطبيعة والهندسة والكيمياء والطب، أما ما يتصل منه بالنفس والتقنين الاجتماعي والأخلاقي فهو لا يزيد على أنه فروض لحل بعض المشكلات عندهم ولتعليل ما غاب عن الحس، ولذلك فهو ما زال موضعًا للخلاف والأخذ والرد بين الأوروبيين أنفسهم، ولو كانت له حقيقة ثابتة ما اختلفوا فيه ولا ينبغي أن ننسى أن بعض هذه الدراسات ولا سيما الدراسات النفسية والاجتماعية قد أصبحت دراسات موجهة تسخر لخدمة المذاهب والأحزاب السياسية المختلفة وبعضهم يتذرع باسم العلم إلى هدم الدين والأخلاق ومحو الشخصية القومية للبلاد العربية والإسلامية، ومن المعروف أن قاسم أمين كان يدعو إلى ثورة في لغة الأدب لتنسلخ عن لغة القرآن وتكتب باللهجات العامية.

عدول قاسم أمين عن أهدافه:

لقد روى بعض الباحثين أن قاسم أمين عدل عن رأيه في عام ١٩٠٦م، بعد أن تبين له أنه ضل الطريق، وذلك ضمن حديث له إلى صحيفة «الظاهر» التي كان يصدرها محمود أبو شادي «المحامي»، فأعلن رجوعه عن رأيه، كما أعلن فيه أنه كان مخطئًا في الدعوة إلى «تحرير المرأة»، وهذا يدل على أنه كان مسخرًا في هذه الدعوة التي أريد بها ظهور النساء متبرجات في المجتمعات وهذا ما كان يعد عيبًا كبيرًا في هذا العصر، فعندما نشرت مجلة روز اليوسف صورة للملكة نازلي حاسرة الرأس هاج الملك فؤاد وطلب من توفيق نسيم باشا رئيس الديوان الملكي أن يطلب من عبد الخالق ثروت باشا رئيس الوزراء بإغلاق مجلة روز اليوسف بتهمة «العيب في الذات الملكية» وحقق مدير المطبوعات مع السيدة روز اليوسف، فقالت إن الصورة منقولة عن جريدة فرنسية وزعت في مصر، واكتفى مدير المطبوعات بتوجيه توبيخ شديد اللهجة إلى روز اليوسف. 

أما رجوع قاسم أمين عن آرائه فيدل عليه قوله: «ولقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك، بل الإفرنج في تحرير نسائهم وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق الحجاب، وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس، فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق الرجال بكل أسف ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي واستنفر الناس إلى معارضتي».

لما كان ذلك، فهل يكون لدى دعاة تحرير المرأة من الشجاعة في إعلان هذا التحول حيث اعترف قاسم أمين نفسه بعد ذلك بأنه قد أدرك خطر هذه الدعوة بما اختبره من أخلاق الناس.

وقد كان نشر هذا الكلام قبل موته بعام ونصف العام، فلعله رأى -بعد أن تغيرت الظروف بزوال «كرومر» وانطفاء نفوذ «نازلي فاضل»- ربيبته أن يتخفف من تبعة هذه الدعوة المدمرة، بل ربما كان لبعض التجارب أثرها في نفسه، فمما يروى أن صديقًا عزيزًا هو المؤرخ الإسلامي رفيق العظم، زاره ذات مرة فلما فتح له الباب قال: «جئت هذه المرة من أجل التحدث مع زوجتك في بعض المسائل الاجتماعية فدهش قاسم أمين كيف يطلب مقابلة زوجته، ومحادثتها؟ فقال له صديقه «ألست تدعو إلى ذلك؟ إذن لماذا لا تقبل التجربة مع نفسك؟، فأطرق قاسم أمين صامتًا». 

ومن ثم يرى البعض أن هذا الموقف من أسباب رجوعه عن آرائه.

 لقد قال الأستاذ محمد فريد وجدي معلقًا على بدعة تحرير المرأة إن دعوة قاسم أمين قد أحدثت تدهورًا مريعًا في الآداب العامة، وأحدثت انتشارًا مريعًا في مبدأ العزوبة، وأصبحت ساحات المحاكم غاصة بقضايا هتك الأعراض، وهرب الشابات من دور أهلهن». 

وبموت قاسم أمين لم تهدأ الدعوة إلى تدمير المرأة إلا قليلًا، وإن مات قاسم أمين، فقد كان هناك على الساحة السياسية من يستأنف الدور، ويحمل اللواء، هناك حزب الأمة وزعاماته بعمالتها للإنجليز من أمثال أحمد فتحي زغلول عضو محكمة دنشواي والهلباوي جلادها، وسفاح هذه المحكمة.

 تلاميذ الاستعمار:

قبل رحيل كرومر عن مصر قال: سنرحل عن مصر بشروط، أن تحكم بأيد مصرية، وعقول بريطانية.

لقد صهر تلاميذ الغرب الاستعماري أمثال لطفي السيد الذي حمل على عاتقه الدعوة إلى خروج النساء باسم التحرير، وها هو ذا أستاذ الجيل أو منشئ الوطنية المصرية الحديثة، على حد تعبير سلامة موسى يتحدى المسلمين، ويدخل الفتيات طالبات في الجامعة مختلطات بالطلاب سافرات الوجوه ولأول مرة في تاريخ الجامعة المصرية، وظل أستاذ التضليل يروج لحركة تحرير المرأة على صفحات الجريدة لسان حزب الأمة وناصره طه حسين وكامل مرسي. 

وقد كان لطفي السيد خصمًا عنيدًا للعروبة والوحدة الإسلامية وكان يدعو إلى قصر التعليم على أبناء الأعيان، وكان يدعو إلى اللهجة العامية على وفق ما دعا إليه المستشرقون والمبشرون مثل مولار، ويلكوكس، رافعًا شعار تمصير العربية بإحياء العامية وكان يقاوم التضامن العربي الإسلامي، فقد عارض مساعدة المصريين لجيرانهم في طرابلس الغرب، ودعا إلى ما أسماه الحياد المطلق في هذه الحرب.

ومن مواقفه أنه مجد اللورد كرومر، ووصفه بأنه من أعظم عظماء الرجال، ويندر أن نجد في تاريخ عصرنا ندًا له يضارعه في عظائم الأعمال ونشر عنه هذا الكلام في اليوم نفسه الذي ألقى كرومر خطاب الوداع وسب المصريين جميعًا. 

وقد رسم لطفي السيد منهجًا للحياة الاجتماعية والسياسية والتربوية والاقتصادية في مصر يقوم على التبعة العامة للنفوذ الأجنبي والاحتلال البريطاني والفكر الغربي تحت اسم عبارة خادعة هي مصر للمصريين، ولهذا منحوه لقب أستاذ الجيل كما منحوا طه حسين لقب «عميد الأدب العربي»، وهو يعمل ضد العروبة. 

كان لطفي السيد قد أنشأ حزب الأمة الذي كان «صناعة بريطانية»، بإجماع الآراء، وكان هدف هذا الحزب تقنين الاستعمار والعمل على شرعية الاحتلال والدعوة إلى مهادنة الغاصب، وتقبل ما يسمح به دون مطالبته بشيء، كل ذلك يكشف عن عدم اكتراث لطفى السيد بالدين، ومع هذا فموقفه من الدين يلخصه قوله: «لست ممن يتشبثون بوجوب تعلم دين بعينه، أو قاعدة أخلاقية بعينها، ولكنني أقول بأن التعليم العام يجب أن يكون له مبدأ من المبادئ يتماشى عليه المتعلم من صغره إلى كبره هذا المبدأ هو مبدأ الخير والشر، بتصرف من كتاب رجال اختلف فيهم الرأي، للأستاذ أنور الجندي ص (٤ - ١١). لست هنا بصدد سرد أسماء كل من حمل لواء التغريب في العالم العربي والإسلامي، فقد تاب الكثير منهم ويجب احترام توبتهم ومن ثم اكتفيت بمن مات دون أن يعدل من فكره، ومنهجه وما زال محل قدوة من الكتاب المعاصرين.

 لقد آن الأوان للتفرقة بين حركة التنوير الأوروبية التي كان روادها قادة ومخلصين ووطنيين وبين حركة التنوير في العالم العربي والإسلامي والتي تحل الفواحش وتدافع عن الاحتلال الإسرائيلي، وتسعى لشيوع الاستبداد تحت ذريعة محاربة التطرف دون تحديد للأصول التي يحتكم إليها في هذا كله.

(*) كاتب إسلامي- الكويت

الرابط المختصر :