العنوان تحذير وتذكير لبعض دول الخليج: استمرار المعاصي يؤذن بذهاب النعم، وجلب النقم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-2000
مشاهدات 74
نشر في العدد 1394
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 04-أبريل-2000
لله -سبحانه وتعالى- في خلقه نواميس لا تتغير وسنن لا تتبدل: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (سورة الفتح: 23).
ومن سنن الله -تعالى- أن كتب الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة لمن آمن به واستقام على منهجه، قال -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة النور: 55). وقال -تعالي-: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة النمل: 97).
وهكذا فإن الاستقامة على شرع الله التي تستجلب الفوز والنجاة في الدارين إنما تكون بالإيمان الصحيح والعمل الصالح، وإذا كان العمل المجرد من الإيمان هو کرماد اشتدت به الربح في يوم عاصف، أو كهباء منثور، أو كسراب بقيعة، فإن العقيدة بلا عمل صالح وهم وخيال وكذب، فلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
وقد لمسنا -بفضل الله تعالى- كيف نعمت كثير من المجتمعات الإسلامية بنتاج هذا الإيمان والعمل الصالح، وكيف ظهر أثر ذلك في تلك المجتمعات رضا وبركة، وأمنًا وأمانًا، وسكنًا ومودة، وآثارًا في الضمير وفي الحياة، وفي الأزواج والذرية، ورغدًا في العيش، وكثرة في الرزق بفضل الله تعالى.
ولكن كما أن لله سننًا في جزاء المحسنين الطائعين، فإن له سننًا في عقاب الشاردين عن الحق، المرتكبين الذنوب والمعاصي، المصرين على الفواحش، الصامين آذانهم عن سماع كلمة الحق.
قال -تعالى-: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (سورة الأنعام: 6). وقد ضرب الله -تعالى- المثل على ذلك: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (سورة النحل: 112). يحدث هذا عندما يسير الناس على غير سنة الله -تعالى- التي أرادها لعباده وينحرفون عن عهد الله، ولا يتبينون عواقب الأمور: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (سورة الشورى: 30).
كما أن الله -تعالى- قد يبتلي البعض بالنعم، وهذا نوع من الاستدراج: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (المؤمنون: 55-56). ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته» رواه ابن ماجة.
وقد يقول قائل: نحن -والحمد لله- في منطقة الخليج بعيدون عن ذلك كل البعد، حيث لا تشوب إيماننا شائبة، كما أن عمل الخير ملموس والحمد لله.
ونقول: نحن نذكر بما سبق؛ لأننا وإن كنا نلمس الكثير من عوامل الخير في بعض مجتمعاتنا، وهذا من فضل الله، إلا أننا نلحظ أيضًا أن بعض دول الخليج فتح أبوابه لأمور لا تجوز شرعًا، ولا تليق خلقًا، ومن ذلك السماح بإنشاء دور اللهو واللعب والمراقص، بل تعدى ذلك إلى السماح بتداول الخمر أم الكبائر، وفتح الفنادق للفاحشة والزنى وصالات القمار، والولوغ في جميع أنواع الربا، وهي أمور تستجلب سخط الله -سبحانه وتعالى-، وتؤذن بذهاب نعمه، وحلول نقمته.
وقد يزعم البعض أنه مضطر لسلوك تلك السبيل لإنعاش الاقتصاد، وتحقيق الرواج في الأسواق، وتلك حجة داحضة؛ فالرزق بيد الله -سبحانه وتعالى-، وهو قد ربط بين طاعته والاستغفار، وبين سعة الرزق: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (سورة نوح: 10-12).
ولم يقرن الله الرزق أبدًا بالمعاصي، وإقامة أماكن بالتجارة الحرام، بل على النقيض جعل اللهو أو السماح ذلك من المؤذنات بذهاب النعم: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (سورة الأنعام: 6)، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (سورة غافر: ۲۱).
إننا نوجه هذا الكلام للمسؤولين في بعض أقطار الخليج، ونذكرهم بماضيهم، فلما أنعم الله عليهم كفروا بنعمه، نقول ذلك لا من باب الشماتة، ولكن حرصًا عليهم وخوفًا على تلك المجتمعات أن تصيبها نقمة الله بما كسبت أيدي البعض فيها، كما أننا ندعو المسؤولين أن يبادروا بتصحيح المسار ووقف التجاوزات، وأن يكونوا القدوة في المبادرة بالطاعات والرجوع إلى الله؛ أملًا في استجلاب رحمات الله، وزيادة بركته، واستمرارًا لما نحن فيه من خير، وحتى لا يحيق بنا ما حاق بالأمم السابقة التي تنكبت طريق الهداية والصواب.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (سورة غافر: 44).