العنوان تحذيرات للدعاة من فتن الابتلاء
الكاتب حجازي إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1997
مشاهدات 95
نشر في العدد 1240
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 04-مارس-1997
إن المتأمل في وقائع الابتلاء السابقة يرى أن الواجب على المسلم أن يثبت على الحق ولاتلين له قناة، ولا يحيد عن الحق قيد أنملة، ولو مزقته السياط أو تناوشته المنون، وهو بذلك يرفع من قدر نفسه ويعلي درجته ويرفع منزلته، ويحظى بصحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
وأمام الشدائد والمحن، يجب عليه ألا يبوح بشيء قد يضر بالآخرين، أو يعرضهم للفتن ونذكرك بوصية الراهب للغلام: «أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي..».
فإذا ابتليت أخي المسلم فلا تدل على أحد مما تعرف واستعن بالله ولا تعجز.
وأعلم أن حيلهم شتى ووسائلهم شيطانية قد تهدد بالاعتداء عليك أو زوجك أو ولدك، وهذه من الورقات التي يحرص الأعداء على استعمالها أداة ضغط لعلمهم بحمية الأخ المسلم، وقسوة وقع ذلك الجرم على نفسه، وبالتالي هذا هو الشيء الوحيد الذي يرونه أداة ضغط، فلا تخف من ذلك ولا تخشاه، فهم غالبًا يهددون بذلك ولا يقدمون عليه إلا نادرًا، وإذا وقع هذا النادر، وحدث هذا الشاذ فتجلد، وقد يحال بينك وبينهم بقدرة الله.
وفي قصة المسلمة المعذبة في العصر الحديث دروس وعبر، وكيف أن الله حفظها من الأول بأن هداه الله، وآثر أن يمزق ويفارق الحياة رجلًا على أن يعتدي على امرأة ضعيفة معذبة.
وفي المرة الثانية منحها الله القدرة التي بها صرعت الوحش وهي الضعيفة المعذبة.
وإذا عدت إلى الوراء فإن لك في قصة إبراهيم عليه السلام عظة حين سلم سارة تحت بطش وطغيان جبار مصر، فإن الله حفظها من يديه ولم يستطع أن يمد لها يدًا.
وأخيرًا هب أن الطغاة والمستبدين والظالمين وصل أذاهم إلى المسلم والمسلمة، وقد وقع بالفعل في كثير من البلدان، فأعلم أن ذلك لا يخدش في العفاف ولا يلوث العرض، وإذا كان رب العالمين قد رفع عن الأمة ما استكرهوا عليه، ولا يعذب عليه في الآخرة، ولا يقام عليه حد في الدنيا، وبالتالي فإن المسلم والمسلمة لا يضيره ما استكره عليه عند المسلمين، ولا يقلل من قدره ومنزلته، ولا يخدش عفافه ورجولته، كما أنه لا يقدح في عرض المسلمة وعفافها وحيائها .
وسيبقى اسم أول شهيدة في الإسلام «سمية» - رضي الله عنها - التي طعنها أبو جهل في فرجها فقضى عليها سيبقى اسمها نورا يضيء الطريق للمعذبين المستعصمين بربهم.
وإذا حدث أن فتن مسلم أو مسلمة، وضعف عن تحمل العذاب الذي يصب عليه، فعلى المسلمين ألا يسقطوه من أعينهم فمن يدري لو كان أحدنا مكانه ماذا كان سيصنع، فنسأل الله العافية، ونغفر للآخرين ما استكرهوا عليه، كما يغفره الله لهم، والعبرة بما يطمئن إليه القلب، ويثبت عليه الفؤاد، لا بما نطق به اللسان، ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ (النحل: 106).
وعلى الجماعة المسلمة وهي تتعامل مع هؤلاء أن تكون على فطنة وذكاء وأناة، لأن من بين هؤلاء المعذبين الذين فتنوا من تجندهم السلطات الحاكمة وتجعل منهم عيونًا على بقية إخوانهم ، ولذلك تحتاج الجماعة إلى وقت حتى تتبين الحقيقة وتتعرف من خلال سلوكيات هؤلاء وتحركاتهم على من أسقط في يده، وحاد عن طريقه وسار في سبيل المجرمين، ممن لا يزال قدمه على الطريق وما حاد عن سبيل المؤمنين ولا وإلى الأعداء الظالمين.
والصادق المخلص من هؤلاء عليه هو الآخر أن يقف على هذه الحقيقة ويظل ملازمًا لباب الجماعة حتى تستبين أمره، وتستجلي حقيقته وتأذن له في الولوج، وحينئذ يعلم أنه قد يظل واقفًا فترة بالداخل حتى يسمح له بالجلوس، وقد يطول به الزمن حتى يجلس في مكانه السابق، وقد تشفق عليه الجماعة وترحمه فلا تضعه في مكانه خشية أن يعرضه ذلك للفتنة مرة أخرى، وفي ذلك الخير لها وله.
وأمام ذلك لا يضجر ولا يعتريه سأم، لأن ذلك كله لمصلحة الجماعة حتى لا تخترق من الأعداء، فإخلاصه وصدقه يصبره على تحمل ذلك، وأكثر من ذلك حتى لا يتسلل إلينا من يضر بالجماعة، وهو في مقدمة من سيضارون من جرائه.
وإن كنا أيضًا نؤكد على جميع الصف بحسن التعامل مع هؤلاء، الطيب منهم والخبيث، فالمسلم مأمور بحسن الخلق مع سائر الناس مع الحيطة والحذر التام بمعنى «لست بالخب والخب لا يخدعني».
فليحذر المسلم من فتنة التكفير وإراقة الدماء
المسلم حين يبتلى ويطول به أمد البلاد قد يتعجل الخلاص ويتصور أن خلاصه في أن يقتل جلاديه، بعد أن يهوى في فتنة تكفيرهم، وذلك منعطف خطير هلك فيه من هلك، ونجا منه من نجا، ولكن الجماعة الراشدة الخيرة تحذر أبناءها من هذا المنعطف أشد التحذير، وفي كلمات الأستاذ مصطفى مشهور السابقة خير دليل ليس على ذلك فحسب بل فيما هو أبعد من ذلك، حيث يحث الإخوان المسلمين على ألا يلعنوا شخصًا بعينه، لأنه قد لا يكون أهلًا للعنة فترجع على اللاعن فيبوء بها، والمسلم يدعو على عموم الظالمين والله يعلمهم ولا يخفون عليه، ويدعو بهلاكهم وهم لا يعجزونه في الأرض ولا في السماء.
فالجماعة لا تستبيح دم أي مسلم مهما كان جرمه، كما لا تستحل الأموال ولا الأعراض حتى ولو كانت خاصة بمعذبيهم وجلاديهم بل وقاتليهم، وهذه بديهيات في أخلاقيات الإسلام، وحقائق في عرف الجماعة، لا يسمح لأحد بتجاوزها أو الخروج عليها كائنًا من كان.
ورحم الله الأستاذ عمر التلمساني الذي عذب في سجون عبد الناصر ما يقرب من عشرين عامًا وحين بلغته وفاته، وهو نائم في زنزانته، ما فرح بموته ولا شمت بوفاته، ولا صب عليه لعناته، ولكنه ما زاد على قوله: «الله يرحمه» ثم واصل نومه.
لماذا نحذر من توجيه اللعنة لشخص بعينه
وحين نحذر من أن توجه اللعنة لشخص بعينه، فذلك لأنك لا تدري، فقد يكون مكرهًا على ما يفعل، أو قد يكون ذلك الإنسان قد تاب وأناب إلى الله، ومن تاب تاب الله عليه، ولو بلغت ذنوبه عنان السماء، ولو تجمعت عليه أعظم الذنوب من شرك وقتل بغير حق وزنی.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ (الفرقان: 68-69-70-71).
وفي حق الذين قاموا على شق الأخدود وتعذيب المؤمنين والمؤمنات بالتحريق في النيران المستعرة، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (البروج: 10).
ولك أن تقف على عدل الله ورحمته حتى بمن عذبوا عباده المؤمنين، حيث يخبر أن عذاب جهنم والتحريق في نارها، والجزاء من جنس العمل، لكنه لن يكون إلا للسادرين في غيهم، المتمادين في طغيانهم، فماتوا على ذلك غير نادمين على ما بدر منهم، ولا معتذرين لربهم على ما فعلوه من أوليائه وأصفيائه.
أما التائبون النادمون، فالله يقبل متابهم، ويكفر عنهم سيئاتهم، ويجمع بين القاتل والمقتول، والظالم والمظلوم بعد أن يصلح بينهم، ويرضي بعضهم بعضًا، ويصيروا إخوة متحابين، على سرر متقابلين، نزع الغل من صدورهم، وحل محله الحب والمودة، وذلك فضل الله، ولا حرج على فضله، ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الجمعة: 4).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل