; تحدي العقبات التي تواجه النهضة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان تحدي العقبات التي تواجه النهضة الإسلامية

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 774

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 08-يوليو-1986

  • المعنى الذي حاول الاستعمار إسقاطه من النفس الإسلامية هو إظهار الإسلام كعقيدة وتربية.
  • هناك قوى غربية لها أهداف ومطامع تحاول أن توقف تيار الدعوة الإسلامية.

إن النظام الإسلامي قادر على أن يقدم للمسلم- بل للبشرية كلها- الحلول الكريمة لكل أزماته ومشاكله، سواء في مجال بناء الفرد أو بناء الأسرة أو بناء المجتمع، وفيه كل ما يتوقى به الطغيان السياسي وسوء توزيع الثروة والفساد الاجتماعي.

إن الجماهير المسلمة تؤمن بأن الإسلام قادر على أن يقدم الحلول لمشاكلها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأن الإسلام فعل ذلك في الماضي وأشاع روح الأمن والكرامة والسماحة على العالم الذي أظله ألف سنة كاملة، وإنه قادر على استئناف التجربة مرة أخرى، وإسعاد البشرية كلها وإخراجها من ظلمات ذلك الليل الذي أحاط بها، واليوم يتنادى فلاسفة الغرب يتطلعون إلى الإسلام مؤمنين بأنه دين المستقبل، وأن يسكن بيوتهم، وأن الإسلام قادر أن يقدم اليوم منهجه بلغة العصر، ومن نقطة الواقع المُعاش، في دعوة واضحة صريحة أن تعدل المجتمعات نفسها لتتلاءم مع نظام الله في أصوله الثابتة التي لا تتحول ولا تتغير، فالإسلام حاكم ومهيمن وعلى المجتمعات أن تتحرر من الوثنيات والماديات لتسلم وجهها لرب العالمين، وتعترف بأنه هو مصدر كل شيء وتحطم بأيديها تلك الأوثان التي صنعتها مما يسمى الطبيعة والحتمية والجبرية، وأن تؤمن بالخالق الأعظم وتقبل منهجه في الحياة والمجتمع والحضارة. ولن يتحقق هذا إلا إذا استمسك المسلمون بالذاتية الإسلامية الخالصة، التي لا تقبل الانصهار أو الاحتواء أو الذوبان في حضارات الأمم أو مناهجها وأيدلوجياتها، وإننا نتطلع إلى اليوم الذي يصل فيه المسلمون إلى امتلاك الإرادة، لكسر هذه القيود التي تكبلهم في عبودية قاسية للقوى الخارجة، في مجال الاقتصاد والقانون والتربية، ولن يكون ذلك إلا باجتماع الأمة الإسلامية في وحدة حقيقية حول منهج الله الحق والله من وراء القصد.

اقتحام العقبات:

كان هدف مخطط الغزو الفكري والتغريب الذي نسجته القوى الكبرى- حين زحفت للسيطرة على العالم الإسلامي في جولة جديدة بعد أن انتهت بالهزيمة الساحقة في الحروب الصليبية- الحيلولة دون قيام الأمة الإسلامية في القارة الإسلامية بامتلاك إرادتها وبناء مجتمعها واستئناف بعثها الحضاري والثقافي، وكانت الخطة محبوكة معقدة متصلة الأواصر، على النحو الذي كشفت عنه حلقات هذا البحث، وكانت القوى الكبرى تعرف تمامًا:

أولًا: أن الحضارة الغربية شاخت ونضب معينها وانحرف طريقها. 

ثانيًا: أن هذه الأمة القائمة في القارة الوسطى بين آسيا وأفريقيا هي الأمة التي تملك مقدرات الحضارة والنهضة وإقامة المجتمع الإنساني الكريم. ثالثًا: أن هذه الأمة تملك المنهج الرباني الأصيل الذي لا ينحرف ولا يضطرب، والذي يقيم العدالة والرحمة والإخاء البشري للعالمين. 

رابعًا: أن هذه الأمة تملك مصادر الثروات الكبرى، وتملك الطاقة وتملك التفوق البشري. 

خامسًا: أن الإسلام والتحديث لا يتناقضان، وإنما يرفض المسلمون التغريب والتبعية والاحتواء والانصهار في بوتقة الحضارات القائمة.

سادسًا: أن الصحوة الإسلامية القائمة الآن هي حركة حقيقية ذات جذور عميقة، وأنها نابعة من الرغبة في امتلاك الإرادة وإقامة المجتمع الإسلامي وأنها لا تشكل تهديدًا للعالم غير الإسلامي.

سابعًا: أن الغرب يتطلع اليوم إلى آفاق جديدة ويطالب بنظام عالمي جديد، بعد إعلان فشل النظام الليبرالي الغربي والاشتراكي والماركسي الشيوعي وليس هناك غير الإسلام. 

هذه الحقائق ترددها الآن جميع الأقلام الغربية المنصفة التي عاشت في قلب المعركة، بل إن هذه الحقائق وغيرها قد دفعت عددًا من المفكرين الغربيين الذين كان لهم دورهم الخطير في التحولات الرأسمالية والماركسية وغيرها إلى اعتناق الإسلام باعتباره هو الملجأ الوحيد للبشرية.

القوى الغربية والتيار الإسلامي:

ولكن هناك قوى غربية لها أهداف ومطامع تحاول أن توقف هذا التيار وتصد هذه الموجة العارمة، وتعمل على تأخير النهضة في محاولة لتحطيم امتداداتها، حتى تحتوي مفاهيم الإسلام في المقاومة وجهاد الغاصب والمرابطة والإعداد واليقظة في مواجهة أي عدو أو دخيل.

وهي تعمل لبث عوامل الفساد والإباحية والتحلل والترف والحرام على هدم هذه الأجيال الجديدة، وتفريقها من القدرة على المقاومة والثبات وحماية الشرفاء، حتى يمكن تحطيمها والقضاء عليها.

وهناك ظاهرة استنزاف ثروات المسلمين عن طريق الاستهلاك، والمغالاة في المطعم والمشرب والملبس والمحافل والمراقص، فضلًا عن نهب ثروات المسلمين وتخريب اقتصادهم باحتوائه والسيطرة عليه.

الهدف تدمير المجتمع الإسلامي:

ولا ريب أن هذه المحاولات كلها ترمي إلى تدمير المجتمع الإسلامي والاقتصاد الإسلامي، وإزالة الهوية الإسلامية والقضاء على الذاتية، وغرس قيم دخيلة في نظام القيم السائدة في المجتمع، وفرض أعراف مخالفة للإسلام على الناس، في طعامهم وشرابهم وملبسهم ومسكنهم، وإخراجهم من قيمهم وأعرافهم وتقاليدهم التي بناها الإسلام في أربعة عشر قرنًا، وإن نظرة متعمقة في الثقافات الإسلامية الموجودة في الهند وإندونيسيا وغرب أفريقيا لا يوجد بينها تباين، حيث إنها من حيث الأساس مرتبطة بالقيم الإسلامية الأساسية أما أوجه الخلاف فهي من المسموح به في دائرة المتغيرات، وهي تتصل بالجغرافيا أو عوامل المناخ أو بعض الآثار التاريخية القديمة، وهي خلافات قليلة لا تعبر عن الملامح العامة الأساسية، وهي ضرورية لأنها تدخل في إطار المتغيرات وهي ليست هوية دينية بمعنى الدين في الغرب، ولكنها هوية إسلامية بمعنى المفهوم الإنساني الشامل، إن الانتماء في مفهوم الإسلام هو المحافظة على اللغة والعقيدة والمقومات الاجتماعية من أن تنهار في وجه المعتقدات التي تقدمها الحضارة الغربية، التي ترمي إلى احتواء المجتمعات الإسلامية وتذويبها في بوتقة الأممية والعالمية.

الرابطة الدينية وروابط الجنس والوطن:

نعم لقد تراجعت الرابطة الدينية في العصر الحديث أمام رابطة الجنس والوطن واللغة، بدأ هذا التراجع في الغرب ثم حملت رياح التغريب والغزو الفكري هذا المفهوم إلى المجتمع الإسلامي، الذي تغرب وفرضت عليه العلمانية ومفاهيم الفصل بين الدين والدنيا والمادية والوثنيات والقانون الوضعي والاقتصاد التربوي والتعليم العلماني.

كان هذا التراجع في الغرب ناتجًا عن الانحراف الذي عجزت به المسيحية الغربية- وهي غير المسيحية المنزلة- عن دفع المجتمع إلى العلم أو الحضارة أو التقدم، وفرضت نفوذها وسيطرتها على المجتمع الغربي وعزلت الطوائف غير المسيحية، فكان لا بد أن ينكسر هذا القيد أمام طبيعة المساواة البشرية التي أصبح الدين بعنصرية كهذه حائلًا دون امتلاك الإرادة الحرة، أما في الإسلام فإن الأمر يختلف، إذ أن العلم والرابطة القومية والوطنية جزء منه كما أنه أقام نظام الإخاء البشري لكل بني الإنسان، وحمى الأديان والعقائد وأهلها وبيعها وكنائسها، ولم يقف في طريق العلم ولكنه دفعه إلى الأمام وجعل خير الأرض للناس جميعًا، ولم يجعل لجنس ما استعلاء خاصًّا أو لوطن ما سيطرة خاصة.

وإذا كانت الرابطة الدينية في العصر الحديث قد تراجعت وحلت محلها القوميات والإقليميات والوطنيات، فمرجع ذلك إلى أن الذين قاموا عليها في الغرب أفسدوها ولم يقدموها للبشرية على صورتها الحقيقية، وسوف يعيدها الإسلام مرة أخرى على صورتها الحقيقية، بعد أن تبين فسادها وخطرها وتقطيعها للأرحام وآثارها البعيدة في هدم الإخاء الإنساني.

عصر التحديات:

والحقيقة إن المسلمين اليوم يمرون بعصر التحديات التي أصبحت مكشوفة أمامهم تمامًا، ويعرفون مصدرها وأهدافها ولم تعد خافية عليهم، ويعرفون مطمع الذين يتآمرون ويخططون، ولكن يجب على المسلمين أن يجمعوا إرادتهم على اقتحام العقبة بتحرير مجتمعهم من التغريب والتبعية، لمواجهة هذه الصراعات والصدامات والفتن والحروب الداخلية وهزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل ١٩٤٨ ، 1967، فليس ثمة سبيل للتغلب على هذه الصعوبات سوى الرجوع إلى الإسلام والتمسك بتعاليمه، فهي وحدها القادرة على إعطائه القوة الحقيقية للصمود على هذه التحديات، ولا بد أن تكون روح النضال صادرة من الإيمان بالله، فلا يزال الغرب يدفع بسمومه وفتنه، ويزداد عنفًا كلما رأى علامات اليقظة والنهضة والصحوة. وهناك آفتان أسقطتا الحضارات منذ القديم وأصابت الحضارة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، هما: الترف والاستسلام للتغريب، فلا شك أن آفة الترف والإفراط في اللهو، وتغلغل العناصر الغربية في جسم الأمة واستخدام البطانة التي هي من دون المسلمين في المناصب الكبرى، ولا يزال التغريب هو العدو الحقيقي أيضًا للأمة الإسلامية في هذا العصر وفي كل عصر، والتغريب هو تسميم الفكر الإسلامي بالتدريج بمفاهيم الإباحيين والزنادقة والشعوبيين والسفهاء، مما ينقل ويترجم من تراث الأمم، هؤلاء الدعاة إلى تاريخ ما قبل الإسلام والذين يفصلون بين العروبة والإسلام والذين يهدمون الإسلام عن طريق هدم اللغة العربية والدعوة إلى الفكر الحر لتهديم القيم والأخلاق، وترجمة الفلسفات الواردة التي تثير الشكوك والفحش، والتي تقسم المسلمين بالفتنة الفكرية إلى شيع تتحارب ومذاهب يحمل بعضها الضغينة للبعض الآخر، فتنحل بذلك في قلوب المسلمين العقدة المقدسة والعروة الوثقى التي كانت من أهم أسرار قوتهم.

الطوائف الدخيلة:

وهناك بعض الطوائف الدخيلة على الإسلام كالقاديانية والبهائية والباطنية، التي تتلقى المعونة والتوصية من النفوذ الأجنبي والمبشرين وهم يعدونها لما أسموه «ضرب الإسلام بالإسلام». هذه الطوائف تقدس زعماءها وترفعهم فوق مرتبة البشر وتشرع لأتباعها من الدين ما لم يأذن به الله مستغلة اسم الإسلام لهدم الإسلام.

وبعد:

وإن المعنى الذي حاول الاستعمار إسقاطه من النفس الإسلامية، هو إبراز الإسلام كعقيدة وتربية، لم يكن يومًا من الأيام راضيًا بالذل ولا مساندًا للخضوع ولا معينًا على العبودية في أي وقت من الأوقات، فقد ربى الإسلام معتنقيه على الاعتزاز الكبير بكرامتهم ورباهم على الإيمان بأنهم خلقوا ليفرضوا وجودهم فوق هذه البسيطة ولينتزعوا مكانهم تحت الشمس، لا ليكونوا عبيدًا ولكن ليكونوا سادة، ولم يكن الإسلام حليف الطغيان ولا حليف الظلم ولا حليف الاستعمار، والظاهرة التي تكشف عنها دراسة التاريخ الإسلامي هي المقاومة، فالإسلام هو الذي استطاع أن يحرر المسلمين والعرب من رق الدول المستعمرة ذات العدة والعدد، رغم أن المسلمين لم يكن لهم سند ولا مورد، وإنما كانت قوتهم الأساسية التي واجهوا بها النفوذ الأجنبي هي قوة الروح والفكر والعقيدة، واليوم وبعد أن حرر الإسلام المسلمين يجب أن يدفعهم إلى إقامة مجتمعهم ونظامهم، كما كان الإسلام في المرحلة السابقة عامل تحرر وهو اليوم عامل.

 

الرابط المختصر :