; تحت وابل النيران في البوسنة «6» الحياة بين ظلال الموت في سراييفو | مجلة المجتمع

العنوان تحت وابل النيران في البوسنة «6» الحياة بين ظلال الموت في سراييفو

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1995

مشاهدات 64

نشر في العدد 1136

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 31-يناير-1995

·       الذعر يسيطر على كل تصرفات الناس في سراييفو.. وظلال الموت والمقابر في كل مكان.

·       المراسلون الصحفيون يشاركون في صناعة كثير من الأحداث في الحروب.

وقفت على أطلال المدينة الأولمبية التي لم يمض على بنائها أكثر من عشر سنوات في العاصمة البوسنية المحاصرة سراييفو وقد أصبح كل شيء فيها مدمرًا، كما حولت ملاعبها إلى مقبرة كبرى بعدما ضاقت مقابر المدينة بجثث الذين قتلوا خلال سنوات الحرب الثلاث الماضية في سراييفو والذين يزيدون عن أربعة عشر ألف شخص بينهم أكثر من ألف وخمسمائة طفل وبعدما وقفت على أكبر شاهد على جرائم الصرب ضد مسلمي سراييفو أخذت طريقي إلى ثاني أسخن جبهة عسكرية في العاصمة المحاصرة.

كان رصاص القناصة الصرب يلاحقنا ونحن في طريقنا إلى منطقة كوبليا جلافا- ومعناها "رأس الفرس"- وهي ثاني أسخن الجبهات العسكرية في سراييفو بعد دوبريينيا، وكان سامي كعادته يقود السيارة بسرعة فائقة لا تقل عن تلك التي كان يقود بها ميرزا الذي صحبني من سبليت في كرواتيا وحتى آخر موقع للجيش البوسني خارج سراييفو المحاصرة.

كان علينا أن نسير ونحن في طريقنا إلى كوبليا جلافا عبر طريق مكشوف لمرمى القناصة الصرب لا يقل طوله عن ثلاثة كيلومترات وهو أحد طرق الموت الشهيرة في العاصمة المحاصرة سراييفو، وبينما كنا ننطلق بسرعة فائقة كان كثير من السكان المدنيين يسيرون بحذر شديد خلف السواتر المقامة على جانب الطريق اتقاء لرصاص القناصة.

كوبليا جلافا

وكوبليا جلافا، هضبة مرتفعة تقع بين حي المدينة الأولمبية ومنطقة فوغتشا- التي كانت من أكبر المراكز الصناعية في يوغسلافيا السابقة- وفيما يسيطر المسلمون على المدينة الأولمبية وكوبليا جلافا والطريق الواصل بينهما باعتبارهما من أحياء سراييفو إلا أن الصرب يسيطرون على منطقة "يريك" المقابلة للمدينة الأولمبية والمحاذية للطريق الذي يربطها بكوبليا جلافا، علاوة على سيطرتهم على منطقة فوغتشا التي كانت تضم مصنع سيارات فولكس واجن، ومصنع فوغتشا الحربي الذي كان من أكبر مصانع الأسلحة في يوغسلافيا السابقة، وقد بناه تيتو بعمق سبعة كيلومترات بين جبلي سراجافاتش وتهوفيتش مما جعله حصنًا عسكريًا منيعًا وصعب المنال.

كان مسجد كوبليا جلافا هو أول معلم يدل على حجم الدمار الذي حاق بالمنطقة فالمسجد كان مدمرًا ومئذنته ساقطة إلى جواره ومن هناك كانت سراييفو في الوادي بخطوطها المتداخلة بين المسلمين والصرب فيما ظهر جبل باري كمقبرة كبيرة تضم مئات القبور التي ملأت سفحه وقمته، وبدأ طريق الموت الذي سلكناه على بعد قريب من مواقع الصرب التي كانت بمحاذاته، وجاء الشيخ "وهبي" إمام المنطقة فأخرجني من شرودي وقال وهو يعانقني مرحبًا: أهلاً بك يا أخي لقد قلقنا كثيرًا بسبب تأخركم، وخشينا أن يكون قد أصابكم مكروه من القناصة الصرب الذين يمشطون الطريق منذ الصباح الباكر.

والشيخ وهبي حسن ماكيتش- إمام مسجد كوبليا جلافا ومنطقتها- يتقن العربية بطلاقة، فقد درس في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض، ويحظى بمكانة واحترام واسع بين سكان المنطقة على غرار ما يحظى به العلماء في البوسنة لا سيما إذا كانوا من العلماء العاملين.

أشار الشيخ إلى مئذنة المسجد الملقاة على الأرض وقال: لقد كان يوم سقوط المئذنة وتدمير المسجد يوم حزن كبير هنا في المنطقة. ويوم فرح كبير لدى المجرمين الصرب، وقد بنينا مسجدًا آخر في مكان آمن، ولكن دون مئذنة، وحينما نقضي على هؤلاء المجرمين سوف ترتفع المآذن مرة أخرى في سماء البوسنة.

قلت للشيخ: أريد أن أذهب إلى آخر موقع للمسلمين هنا في مواجهة الصرب، فقال الشيخ وهو يربت على يدي سوف نذهب ولكن هناك خطورة كبيرة، فبعد هذه النقطة من الطريق لا يسمح سوى لسيارات الأمم المتحدة بالعبور لأن الصرب يقصفون أية سيارة أخرى، كما أن المواقع كما تراها متداخلة، ولا يوجد فاصل واضح تقريبًا إلا في بعض المناطق، والقصف كما تسمعه لا ينقطع، وكذلك القنص، وكل يوم هنا شهداء وجرحى فهذه مواقع الصرب على بعد مئات الأمتار غير أني سآخذك إلى أعلى قمة يسيطر عليها المسلمون هنا، ورغم مخاطر صعودها إلا أن مواقع الصرب كلها ستكون مكشوفة أمامك.

على قمة جبل جوتش

أخذنا طريقنا في الصعود إلى جبل جوتش، وفي طريق صعودنا صادفنا المهندس حارث ترنكا- رئيس حزب العمل الإسلامي في منطقة كوبليا جلافا الذي رحب بي وصمم- رغم مشاغله- على صحبتي مع الشيخ وهبي إلى قمة الجبل، وحارث ترنكا هو أحد قادة المقاومة الإسلامية الذين قاوموا الصرب قبل تأسيس جيش البوسنة في عام 1992م ويحظى لشجاعته وجرأته باحترام كبير بين أهل المنطقة التي كان يتقن تضاريسها ومعالمها جيدًا، ومضى يشرح لي أسماء المناطق والمواقع وأهم المعارك التي دارت بين الصرب والمسلمين خلال عامي 92 و1993م. باعتبار كوبليا جلافا من خطوط المواجهة الساخنة بين المسلمين والصرب في سراييفو.

في طريق صعودنا للجبل بدت بعض القرى الصربية محترقة ومهدمة من آثار المعارك التي دارت بين المسلمين والصرب خلال أعوام الحرب الماضية فيما دخلت بأطلالها ضمن نطاق المناطق التي يسيطر عليها المسلمون.

كانت البرودة تزداد مع اقترابنا من قمة الجبل فيما كان الشيخ وهبي يطالبني دائمًا بالانحناء حتى نبدو وكأننا نجمع الحطب مثل كثير من الناس الذين كانوا يجمعون الحطب من الجبل، حيث إن قمة الجبل مكشوفة تمامًا لمواقع الصرب المواجهة لها والتي بدت قريبة للغاية.

ومن فوق قمة جبل جوتش بدت منطقة فوغتشا الصناعية التي يسيطر عليها الصرب واضحة المعالم تمامًا، فيما بدا واضحًا مصنع السيارات ومدخل مصنع الأسلحة بين جبلي سراجافاتش وتهوفيتش وعلى قمة جبل كوتش وقف المهندس حارث ترنكا يشرح لي على الواقع طبيعة الحصار المضروب على سراييفو والتداخل القائم بين مواقع المسلمين والصرب وأهم المعارك التي دارت في المنطقة، وكيف بدأ المسلمون في سراييفو بإمكانات محدودة مواجهة جيش الصرب القوي، وفيما كان حارث ترنكا يتحدث كقائد عسكري متمرس يقف مبسوط القامة ويشير هنا وهناك إلى المواقع وأهمية الطرق، ومسار المعارك، كان الشيخ وهبي ينادينا بقلق أن نسرع بالنزول خوفًا من قصف الصرب لنا، وحينما سألت حارث ترنكا ونحن ننزل من قمة الجبل إلى الوادي عن رؤيته لمستقبل الحرب في البوسنة، قال وهو يحاول أن يعصر ذهنه هنا أعقد منطقة في العالم حيث يجتمع المسلمون والكاثوليك والأرثوذكس، وفيما يحاول المسلمون إنجاح الحياة التي استمرت خمسة قرون تحت قيادتهم هنا في مجتمع لا يعرف التفرقة، فإن أحقاد الآخرين تلاحقهم وترفض هذه الحياة، فمن هنا من سراييفو انطلقت أول طلقة في الحرب العالمية الأولى، وهنا في جبال البوسنة ومنطقة سراييفو هزمت جيوش هتلر في الحرب العالمية الثانية، فهذا التداخل الذي شرحته لك على الأرض والواقع يقابله أيضًا تداخل في كل شيء هنا، وهذا قدرنا نحن المسلمين في البوسنة أن نكون المصد الأول عن الأمة في كل الحروب التي تنشأ من هنا من أوروبا وخاصة في بقعة الصراع القوية هنا في البلقان".

كنا قد وصلنا إلى الوادي مع نهاية حديث عميق ومشوق مع حارث ترنكا خلال هبوطنا من جبل جوتش، حيث أكد لي ترنكا أن مسلمي البوسنة يقاتلون من بعد عقائدي عميق، ويفهمون جيدًا طبيعة ما يدور حولهم من مؤامرات وما يحيط بهم من مكائد، وأن قدرهم أنهم هنا على الخط الأول من الجبهة، لكن هذا لا يعفي من ورائهم من المسلمين بأن يتخلوا عن عونهم أو يتقاعسوا عن نصرتهم.

المدينة المذعورة

بدأ الذعر يسيطر على كثير من تصرفاتي باعتباره يسيطر على كافة تصرفات الناس هنا في سراييفو، فرغم مرور سنوات الحرب الثلاث إلا أن الخوف لم يفارق الناس هنا في سراييفو، ورغم أني في البداية لم أكترث كثيرًا بهذا الذعر الذي وجدته يسيطر على حياة الناس وسلوكياتهم إلا أن الحياة وسط مدينة مذعورة لا بد أن يصيب كل من فيها بشيء من الذعر، فظلال الموت تخيم على كل مكان، وساحات القنص تحيط بالمدينة ولا يجد الإنسان مفرًا من المرور بها في ذهابه وجيئته لا سيما إذا كان مراسلًا يبحث عن عمله وسط الحرب والدمار، والمرور عبر ساحات القنص وشوارع الموت يدفع الإنسان دائمًا إلى الحذر، ومن ثم إلى الخوف ومنه إلى الذعر، ولهذا وجدت أن كثيرًا من المراسلين الصحفيين أو مراسلي شبكات التلفاز العالمية لا يحتملون البقاء طويلًا في المدينة المذعورة المحاصرة سراييفو فأقصى مدة هي أسبوعان أو ثلاثة، ثم يستبدل مع غيره أو يعود إلى وطنه إن لم يكن له بديل ليستريح من حياة الذعر، ثم يعود إليها حبًا لمهنته وعمله أو لدور يؤديه وحقيقة يكشفها، وحياة المراسلين هنا حياة حافلة بالركض والصراع مع الأحداث منذ طلوع النهار وحتى آخر الليل، وبينما يتعامل كثير من أهل البوسنة مع المراسلين المقيمين في سراييفو- وكلهم تقريبًا من الغربيين عدا قلة لا تذكر من العرب- على أنهم أصدقاء لهم ويكشفون كثيرًا من جرائم الصرب عبر صحفهم وتلفزيوناتهم، كما ساهموا في إيصال قضية البوسنة إلى العالم الخارجي، وأدانوا الممارسات الغربية وسياسة دولهم فإن آخرين وإن كانوا قلة ينظرون بريبة إلى المراسلين ويعتبرونهم تجار حروب أو عملاء لأجهزة الاستخبارات العالمية باعتبارهم مصدرًا رئيسيًا من مصادر المعلومات، لكن هذا لم يمنع أن يكون هناك تقدير عام واحترام كامل من سكان سراييفو لهؤلاء الذين جاءوا ليعيشوا وسط الموت من أجل نقل الحقيقة أو جزء منها إلى العالم، وعلى هذا فإن المراسلين إن لم يكونوا يشاركون في صناعة الأحداث في سراييفو فهم يصنعون كثيرًا منها، إذ تبقى قناعة المراسل وأمانته لها دورها الرئيسي لدى المتلقي الذي يأخذ ما يسمع أو ما يقرأ مأخذ من لا يناقش باعتبار المراسلين هم مصدر المعلومات الرئيسي في مثل هذه الأحداث.

طبيعة عمل المراسلين

وعمل المراسلين هنا مجهد للغاية، وخطر أيضًا للغاية، فعدد المراسلين الذين قتلوا في الحرب البوسنية خلال ثلاث سنوات أكبر من عدد المراسلين الذين قتلوا في الحرب الأفغانية المشتعلة منذ ما يقرب من عشرين عامًا أو الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية التي استمرت خمس سنوات، وتقدر بعض المصادر الصحفية بأن عدد الصحفيين الذين قتلوا في يوغسلافيا السابقة حتى الآن قد بلغ 58 صحفيًا ومراسلًا، وهو رقم كبير بكل المقاييس، وكثيرًا ما دفع مصورون لشبكات التلفزة العالمية أعمارهم مقابل لقطة مميزة أو انفجار كبير لا يزيد عن ثوان، ولذلك حينما يرى المشاهدون مشهدًا يبين وقوع حادث مفاجئ فيجب عليهم أن يدركوا أن هذا المشهد قد كلف مصوره الكثير، وقد شغلني حادثان وقعا في شهري أكتوبر ونوفمبر الماضيين في سراييفو ونقلتهما شبكات التلفزة العالمية فسعيت لمعرفة كيف قام المراسلون بتصوير هذين الحدثين:

أما الأول: فهو قصف قصر الرئاسة في البوسنة بقذيفتين أثناء زيارة المبعوث الأممي ياسوشي أكاشي للقصر حيث قام المصور بتصوير القذائف أثناء سقوطها.

أما الثاني: فهو تصوير بعض البوسنيين أثناء تعرضهم للقنص خلال مرورهم من أمام فندق الهوليداي إن، حيث تقع ساحة القنص الشهيرة.

ذهبت بداية إلى القصر الرئاسي فوجدت آثار القذيفتين كأنهما أطلقتا قبل ساعات، لكن الحجر الجيري الصلد للقصر الذي بناه النمساويون في بداية القرن قد تحمل قوة القذيفتين كما تحمل عشرات قبلهما، وتبين لي أن الصدفة البحتة قد أعانت المراسل على التقاط صور سقوط القذيفتين اللتين سقطتا على الجزء الخلفي من المبنى وليس الأمامي وحينما توجهت إلى ساحة القنص الرئيسية أمام الهوليداي إن وجدت بعض المراسلين يحتمون وراء إحدى المدرعات التابعة لقوات الأمم المتحدة ويوجهون الكاميرات على الطريق طوال الوقت فيما هم في انتظار الرزق، وكان المنظر وحده كافيًا لكي أغرق في الضحك، فمصائب قوم عند قوم فوائد، وهذا الذي يفتح كاميرته ويقف في درجة برودة أقل من عشرة تحت الصفر كان ينتظر الصيد اليومي الذي يقوم به الصرب للمدنيين المساكين الذين لا يجدون مفرًا من العبور ركضًا من هذه الساحة الشهيرة في شارع المارشال تيتو.

فإذا بدأ إطلاق الرصاص أسرع المراسل إلى كاميرته وسلطها على العابرين متمنيًا أن يسقط أحدهم قتيلًا أو جريحًا حتى يظفر بلقطة مميزة يطيرها إلى وكالته التي تقوم بدورها ببيعها إلى وسائل التلفزة العالمية بمبالغ طائلة.

وربما ينقضي اليوم دون شيء فيعود خالي الوفاض بعدما يكون قد استهلك مجموعة كبيرة من الأشرطة.

مجتمع المراسلين

أما مجتمع المراسلين فهو أيضًا طريف مثل مهنتهم، خاصة في أماكن الحروب والحياة بين ظلال الموت، فكما ينشغل الأطباء الجراحون بالحديث عن رسوم العمليات الجراحية وعوائدها في مجالسهم، فإن غالب المراسلين يكون حديثهم حول البدلات والتأمين، وكذلك الأعمال المميزة والتغطيات الجريئة والخطيرة، وكما أن حسابات الأطباء بالعملية الواحدة فإن حسابات المراسلين والمصورين باليوم، وهناك ما هو أكبر من ذلك وهي قضية التأمين، حيث إن كلاً منهم لا يذهب لتغطية ساحات الحروب التي يكون الموت أول شيء فيها إلا بعد تأمين مؤسسته عليه بمبالغ كبيرة تصل أحيانًا إلى نصف مليون دولار، ولذلك حينما عرف أحدهم أني عربي تعجب ثم قال لي: تأمينك كم؟ فقلت له باستغراب: أي تأمين؟ قال: تأمينك مؤسستك الصحفية عليك إن أصابك مكروه هنا، فأنت تعرف مخاطر المهنة. فقلت له: لا تشغل بالك بي، ولكن تأمينك أنت كم؟ قال: هذا أمر يختلف من مؤسسة إلى أخرى وأنا أعرف بعض الزملاء هنا من الفرنسيين يزيد تأمينهم عن نصف مليون فرنك، وبعضهم يصل إلى ثلاثة أرباع المليون، أما الألمان والأمريكيون فيزيد تأمينهم عن ذلك بكثير، أما البدل اليومي فإنه أيضًا يختلف ويظل بين سبعمائة دولار في اليوم وألف وخمسمائة، وهذا يتوقف على الوكالة والمراسل.

ثم قال لي: لا شك أنكم تأخذون أجرًا أكبر من ذلك فلديكم النفط قلت له بثقة بالغة: نعم أجرنا أكبر من ذلك بكثير- إن شاء الله-، قلت له كم بقي لك هنا؟ قال: ثلاثة أسابيع لكني سوف أعود على أول طائرة حينما يفتح المطار لأستريح قليلًا ثم أعود.

ولا تخلو جلسات المراسلين في أوقات الاستجمام القليلة عن الحديث عن طبيعة حياة الذعر التي يعيشونها في سراييفو، ولذلك حينما لقيني أحدهم وسألني هل هذه هي المرة الأولى التي تأتي فيها إلى سراييفو؟ قلت له: نعم هي المرة الأولى، قال: لقد جئت متأخرًا، إنني أقوم بتغطية الحرب هنا منذ اندلاعها بين الصرب والكروات في عام 1991م، وقد شهدت كثيرًا من المآسي والفواجع التي لا يمكن أن أنساها، كما شهدت مصرع بعض الزملاء من الصحفيين والمراسلين الذين كانوا يعملون بتفان هنا وينقلون الحقيقة إلى الناس المستريحين أمام شاشات التلفزة في بيوتهم فيما كانوا هم يدفعون حياتهم ثمنًا لهذه الحقيقة، الناس في الحروب يهربون من الموت ومن القذائف ومن القنابل ونحن عملنا أن نسعى إلى الموت وإلى القنابل والقذائف ونبحث عنها، إنها حياة مذعورة وعمل مرهق قاتل، لكنه بكل المقاييس عمل ممتع، ويكفي أن تشعر أنك تقوم بدور جوهري في الحياة" انتهى كلام محدثي.

لكن الحديث عن حياة المراسلين بين ظلال الموت حديث طويل، فمجتمع المراسلين مليء بالقصص والمواقف التي عادة ما تضيع في الانفجارات والعمليات الساخنة والحروب المدمرة، ولأني عملت مراسلًا في الحرب الأفغانية ثلاث سنوات شاقة ممتعة وسط عشرات من المراسلين الغربيين، فإن حياة المراسلين تظل أحب أشكال الحياة الصحفية إلى نفسي بكل ما فيها من عنت وخوف وحياة بين ظلال الموت، ويظل الحنين يدفعني إليها كلما حدثت هيعة هنا أو هجعة هناك.

أعرف أني قد كشفت كثيرًا من أسرار المهنة، وآمل ألا يغضب عليّ هؤلاء الزملاء الذين يقبضون الملايين ولكن بعد موتهم.

لكن ما شجعني أنهم جميعًا ربما لا يعرفون العربية، لكني أختم الحديث عن حياة المراسلين في الحروب بهذه الطرفة:

فبينما كنت أتحدث مع أحد هؤلاء الزملاء عن الحرب الطاحنة في الشيشان قلت له: لقد قتلت اليوم مراسلة محطة "سي. بي. إس" البريطانية أثناء تغطيتها للحرب في الشيشان، فصمت برهة ثم قال لي: مسكينة.. يا ترى كان تأمينها كم مائة ألف؟

 

الرابط المختصر :