; تحت ضوء الإسلام: مفهوم جامع بين القيم | مجلة المجتمع

العنوان تحت ضوء الإسلام: مفهوم جامع بين القيم

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1988

مشاهدات 78

نشر في العدد 850

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 05-يناير-1988

إن جميع النظريات الوافدة التي ظهرت في أفق الفكر الإسلامي هي مجموعة من النقائض حاولت أن تشكل بالمزج والتركيب «نظرية ملفقة» يتضح فيها التحمل والصناعة، ولذلك فهي لم تستطع أن تبقى طويلًا لأنها ضد طبائع الأشياء وضد الفطرة، ومن هذه الظواهر ما خلطت بين الإسلام وبين القومية والاشتراكية ظنًّا أن الإسلام يمكن مزجه بالمنهج البشري، في محاولة لإقامة تنظيم أو تشكيل وكذلك ما تجري محاولته على مراحل متوالية من ربط الإسلام بالديمقراطية في عصر التبعية للغرب أو ربط الإسلام بالماركسية في عصر التبعية للشرق، وهي محاولات لم تحقق شيئًا، لاستحالة التركيب بين الإسلام وبين أي عنصر آخر، لقد تبدو الصورة وأن هناك مشابهات بين المنهج البشري وبين المنهج الرباني في بعض الملامح، ولكن هناك فوارق بعيدة بين منهج متكامل جامع وبين منهج انشطاري وبين نظرة كلية ونظرة جزئية.. لقد فشلت هذه المسميات كلها في أن تعطي شيئًا وكانت ميزة الإسلام أنه صنع وحده الفكر الجامع الذي يحول دون الصراع الفكري أو التمزق النفسي.

يقوم الفكر الغربي على «الظن وما تهوى الأنفس» ويضرب المثل في ذلك بعشرات المواضع والمواقف وهناك عمليات حصر كاملة لمواقف مختلفة لموضوع واحد نتيجة عاطفة أو هوى دون تقدير لكرامة العلم، وفي مقدمة هؤلاء كبار الفلاسفة واضعي المذاهب الشهيرة التي ما يزال يستشهد بها.

فواضع أسس الفلسفة الوضعية «أوغست كونت» له موقفان من المرأة كلاهما نتيجة عاطفة هؤلاء، أحدهما يرى أنه ليس في المرأة أمل ولا خير، والآخر يرى أنها عنصر أساسي في الاصلاح الاجتماعي، والسبب في الانقلاب الفجائي من النقيض إلى النقيض هو العاطفة وهذا يختلف مع موقف الإسلام الحاسم الكريم: «ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، ثم رجعت فيه لرأيك من أن تقول فيه بالحق».

يرجع هذا الطابع الذي يتسم به الفكر الغربي كله إلى أمرين:

الأول: سيطرة الأبيقورية.

الثاني: سيطرة الميكافيلية.

فقد بنى الفكر الغربي الحديث على هاتين النزعتين: الأبيقورية «كما يقول الدكتور عماد الدين خليل» تبرر الخيانة وقد راجت في أوروبا عبر العصور ووجدت لها جيشًا من الأتباع والمعجبين، فلا يرى أحدهم بأسًا من أن يخون الصديق صديقه أو يعريه أمام الأجيال بإطلاعهم على رسائل كان قد ائتمنه عليها.

أما سيطرة الميكافيلية فهي التي تجعل الإنسان مستعبدًا لسلطة أكبر منه ينافقها أو يداريها أو يذل لها.

ومنها البرجماتية التي تقوم على أساس المصلحة وكل هذه المفاهيم تحول دون الصدق أو الحق أو النزاهة. فالأبيقورية تجعل اللذة غاية الغايات للإنسان، والميكافيلية تجعل السيطرة غاية الغايات، أما البرجماتية فتجعل المنفعة غاية الغايات. وتقوم النظريات في الغرب على أساس الهوى: أو تستغل لتحقيق ذلك؛ فنظرية دارون استعملت لإذلال الإنسان ووصفه بأنه حيوان وأنه خاضع للشهوات وليست له إرادة حقيقية، ونظرية مالتوس استغلت لمقاومة نمو أهل العالم الثالث أو المسلمين على وجه الخصوص بالتخدير من قصور الموارد وكثرة المواليد وكلاهما قد أثبتت الأحداث كذبها وفشلها.

ونظرية السامية أريد بها حجب حقيقة الحنيفية الإبراهيمية وإنكار فضل العربية، وهي كلمة أطلقها العالم النمساوي «سلونزر» بدعوى أن هناك لغة سامية تعد العربية أحد فروعها، والحقيقة أن العربية هي الأساس لكل اللغات العبرية أو السريانية أو القبطية وأن الهجرة من الجزيرة تحركت إلى الشمال وأطراف الهلال الخصيب في موجات متتالية ومنها ما اتجه نحو بلاد الرافدين وخاصة نحو نهر الفرات ومنها من استقر في فلسطين وسوريا ولبنان ومن اتجه غربًا نحو طور سيناء والنيل.

فالحضارة التي سميت بالسامية خطأ، إنما هي حضارة عربية مصدر طاقتها البشرية جزيرة العرب وقد ازدهرت في وادي الرافدين فاستقرت فيه أكثر من ألفي سنة.

إن كلمة سامية تعني إطلاق أسماء غريبة لحجب حقائق إسلامية.

ونظرية مندل في الوراثة ثبت أنها غير محكمة وأن مندل لم يكن على علم بالآفاق الجديدة للطاقة التي أوشكت البشرية أن تستشرفها من بعد وأهمها البترول الذي كان ظهوره عاملًا في قلب نظرية مندل والإطاحة بها، لقد كانت صيحة أوروبا في محاولة إنقاص البشرية بالقضاء على الضعفاء محاولة ضالة، فقد جفت فيها ينابيع السخاء البشري عندما دعت إلى قتل العاجز أو تركه يموت دون أن تعمل على شفائه، وكان أقسى تلك الصيحات القول بالقضاء على الزنوج لحساب شعوب أرقى منهم، وكان هذا تبريرًا كاذبًا للاستعمار والاستغلال؛ لأن الأقوياء هم الذين يستعمرون ويقتلون الضعفاء، وكان «نيتشه» في مقدمة الدعاة إلى إبادة الضعفاء، وقد تبين للباحثين أن رأي دارون في تنازع البقاء الذي أخذت به الفلسفات الاستعمارية هو خطأ محصن وأن التعاون في الطبيعة أكثر من التنازع.

إن هناك عددًا من النظريات التي ثبت فشلها وفسادها في بيئتها الأصلية ما تزال تتداولها بعض الأقلام في أفق الفكر الإسلامي، الذي يختلف معها اختلافًا عميقًا. ذلك أن هناك ثلاثة جذور أساسية في عالم الفكر يختلف فيها الفكر الإسلامي عن الفكر الغربي وهي الدين، الأخلاق، الثوابت والمتغيرات.

فالدين في الفكر الغربي هو علاقة لاهوتية بين الإنسان وبين الله -تبارك وتعالى- بينما الإسلام يجمع بين هذا العنصر وعنصر آخر هو العلاقة بين الإنسان وبين المجتمع.

والأخلاق في الإسلام جزء من الدين وهي قيم ثابتة لا تتغير بينما هي في الفكر الغربي مجموعة من التقاليد والعادات المرتبطة بالعصور والبيئات وهي متغيرة.

أما الثوابت والمتغيرات فهي أساس إسلامي يرفض كلا المذهبين القائلين بالثبات الدائم أو التطور المطلق، وهما المذهبان اللذان اعتنقتهما أوروبا واحدًا بعد الآخر؛ فالإسلام يقر مجموعة من الأسس الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمن أو البيئة، والتي تتحرك في داخلها مجموعة من المتغيرات كما يجمع الإسلام بين الإلهي والبشري، والعقل والوجدان والدين والسياسة، والسماوي والأرضي ولا يرى بين ذلك تعارضًا ما.

ومن هنا لا يقر الإسلام مفهوم استغلال القيم عن بعضها البعض أو انشطارها، أو تحرك بعضها في اتجاه مختلف، وهو يرى أن القيم كلها متمثلة في منظومة كاملة مترابطة يخضع فيها الأدب والعلم والتربية والسياسة والاقتصاد لتصور جامع قوامه التوحيد الخالص، والبعد الإلهي، والمسؤولية الفردية والالتزام الأخلاقي. كما لا يقر الإسلام التطور الدائم، ولا النسبية الأخلاقية، ولا أن الأديان کانت مرحلة من مراحل المجتمع قد انتهت بعد أن أصبح العلم الآن هو الذي يرسم للبشرية طريقها.

كما لا يقر أن الإنسان حيوان أو خاضع لغريزتي البطن والشهوة، وأن المسؤولية هي مسؤولية المجتمع، كل هذا لا يقره الإسلام، ولا يقر التصور المادي وحده أو التصور العقلي وحده وإنما يقر المفهوم الجامع بين القيم.

الرابط المختصر :