العنوان تحت ضوء الإسلام: الفكر الغربي يخالف العلم والفطرة والدين
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1987
مشاهدات 64
نشر في العدد 839
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 20-أكتوبر-1987
الإسلام في منهجه وفكره قائم على أصول إلهية ثابتة وتطبيقات بشرية متغيرة.
يضم الفكر الغربي تحت مظلته عددًا من المناهج:
١- علوم تجريبية.
2- علوم إنسانية واجتماعية ونفسية
3- آداب وشعر وقصص وأساطير منبعثة من الفكر اليوناني القديم «تراث السحر والأساطير والفكر الباطني والوثني القديم كله».
4- فلسفات مادية ونظريات اقتصادية وسياسية. فما هو موقعنا نحن المسلمين من كل هذا:
أما العلوم التجريبية فهي مقررات علمية تتم في المعامل والأنابيب أساسًا، وهذا ما يجعلها مجردة من الأهواء، ولكنها تقوم لحساب الرأسمالية العالمية الضخمة المسيطرة على عالم الصناعات والاختراعات، والتي تسير الأمور في الاتجاه الذي تعلمه الحضارة الغربية، هو اتجاه الاستهلاك المسيطر على كل شيء، والذي ينصرف في المواد الأولية بإسراف وسفه شديدين؛ لحساب الترف والاستعلاء بالغنى في مواجهة عالم من الفقراء والكادحين لا يجدون شيئًا.
ولذلك فتحن نقف أمام العلوم التجريبية وقفةً إسلاميةً واضحةً، هو أن نوظف هذه التقنية لخدمة البشرية كلها، وليست لخدمة عنصر واحد هو عنصر الجنس الأبيض المسيطر، والذي يعتبر العالم الملون خادمًا له وموردًا لخاماته وسوقًا لبضائعه.
هذا هو الجانب التجريبي الوحيد الذي يخضع في الغرب للنظرية الرأسمالية الليبرالية، وتخضع في الشرق للنظرية الماركسية الاشتراكية.
ونحن المسلمين لا يمكن أن نخضع لإحدى النظريتين، ولا ننصهر فيهما، إنما نأخذ هذه المادة الأولية فنشكلها في دائرة مفاهيمنا الإسلامية القائمة على العدل والرحمة والإخاء البشري لكل العالم.
أما بالنسبة للعلوم الإنسانية والاجتماعية والنفسية، فإنها تصدر من مفهوم مادي بحت قوامه: تصور الإنسان تصورًا ماديًّا خالصًا، قوامه التطور المطلق ونسبية الأخلاق والانشطارية بين القيم، وهذا يختلف اختلافًا تامًّا عن مفهوم الإسلام ومنهجه الرباني الذي يربط بين الدين والدنيا، والروح والمادة، والثبات والتطور، وبين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وإقرار التناقضات الاجتماعية الموجودة في الحياة، واعتبارها كالسالب والموجب للتعاون والتكامل، لا للصراع والاقتتال؛ حيث يعمل الإسلام على الإبقاء على هذه التناقضات والتوفيق بينها، لا على جحد تقي أحدهما للآخر، وفي بعض الأحيان يغلب أحدهما على الآخر بصفة مؤقته وبقدر الضرورة، وذلك لإعادة التوازن وتحقيق التعاون الذي هو مبتغاه. ولقد عاش الفكر الغربي بين تيارين: تيار المنطق الشكلي المجرد الأرسطي الذي يقوم على أساس أن كل ما في الوجود «مادةً – فكرًا» ثابتًا، ثم انتقل منه مباشرة إلى تيار المنطق الجدلي الهيجلي، الذي يقوم على أساس أن كل ما في الوجود «مادةً وفكرًا» في تغير مستمر، بسبب ما يعمله في محتواه من تناقض يؤدي إلى إنشاء وضع جديد.
أما الفكر الإسلامي فإنه استمداد من القرآن، يجمع بين التيارين، فيجعل الثابت بمثابة الدائرة، ويجعل المتحرك في داخل الدائرة. ومن هنا كان الإسلام في منهجه وفكره قائمًا على «أصول ثابتة وتطبيقات متغيرة»، الثابت هو الإلهي، والمتغير هو البشري، «أو ما يسمى اجتهادات الفقهاء» في الاقتصاد والفقه والسياسة على أساس الجمع بين الثبات والتغير، مع الالتزام بأصول عامة، وفتح باب الاجتهاد في التفاصيل، ويحقق هذا الفهم الإقرار بأنه لا تطور مطلق «قاعدة: الثوابت والمتغيرات»، ولا يتفرد عنصر بنفسه «قاعدة: التكامل من العناصر»، والدين والدنيا، والدين والدولة، والإلهي والبشري، والإرادة الفردية والالتزام الأخلاقي، على أساس الإقرار بمفهوم التوجيه الخالص والنبوة والوحي، والتحرر من مفهوم الخطيئة وأثاره في الأدب والفن، وتقديم «الأخلاقية» على «الجمالية»، وهنا أثره في الأدب والفن، ويحول دون الصراع الطبقي بكل أشكاله.
ويقرر الإسلام أن المعرفة الإنسانية ذات بعد رابع، بخلاف الأبعاد الثلاثة للمعرفة في الغرب، وهي المعرفة الحسية، والمعرفة العقلية، والمعرفة الروحية.
أما البعد الرابع في نظرية المعرفة «المعرفة عن طريق الوحي الإلهي»، وأهم أخطاء مفاهيم العلوم الاجتماعية هي:
1- الجبرية الاجتماعية، ويقابلها في الإسلام المسؤولية الفردية.
2- نظرية عدم فطرية الأسرة، ويقابلها في الإسلام فطرية الأسرة.
٣- نظرية تحرير المرأة، ويقابلها في الإسلام «حقيقة مهمة المرأة».
4- نظرية الكبت، ويقابلها في الإسلام «الاعتراف بالرغبات».
وفي ثلاث تيارات غربية يختلف الفكر الاجتماعي الغربي المطروح في أفق الفكر الإسلامي.
أولًا: نظرية التحليل النفسي «فرويد».
ثانيًا: نظرية الوجودية «سارتر».
ثالثًا: نظرية مدرسة العلوم الاجتماعية «دور كايم وليفي بريل»
كذلك فإن الإسلام ينكر فروض الأنثروبولوجيا التي تقول:
١- بنظرية تطور العائلة على أساس أن المرأة كانت مشاعًا في عهد البشرية الأولى، ثم تكونت العائلة بفعل عامل اقتصادي.
٢- نظرية تطور العقيدة على أساس أن البشرية كانت تعبد آلهة مختلفة، منها الطوطم وغيره، ثم عرف الآلهة، ثم التوحيد.
فالفكر الغربي المطروح في أفق الفكر الإسلامي يرمي إلى غايات بعيدة خطيرة:
1- هدم مفهوم الإنسان الذي جاء به القرآن الكريم «جامعًا بين الروح والمادة».
2- هدم عالمية الإسلام بالدعوة إلى وحدة الأديان والقاديانية والبهائية.
3- تمزيق الوحدة الإسلامية بالدعوة إلى القوميات «بمفهوم الغرب» والإقليميات والشعوبية.
٤- هدم الثقافة الإسلامية الجامعة بالدعوة إلى نظرية دارون، والتفسير المادي للتاريخ، والروحية الحديثة ونسبية الأخلاق.
5- تزييف مفهوم التوحيد الخالص بالدعوة إلى وحدة الوجود والحلول والدهرية والباطنية والإلحاد والتصوف الفلسفي.
٦- العمل على إشاعة مفاهيم تخدم النفوذ الاستعماري، وتحول دون تمكين المسلمين من امتلاك إرادتهم وحماية كيانهم:
1- قضية الانفجار السكاني وهي دعوة باطلة، يقابلها في الغرب دعوة معاكسة إلى زيادة النسل.
2- قضية التطور، وتنازع البقاء، وهي تعارض مفهوم خلق الإنسان، كما جاء به القرآن الكريم.
وفساد القول بالصلة بين القرد والإنسان، وقد أثبتت الحفريات أن الإنسان منذ خمسة ملايين سنة كان صنفًا مستقلًّا، وكان يمشي منتصب القامة.
3- فساد نظرية مندل في القول بأن معطيات الطعام فوق الأرض لا تكفي الزيادات، وقد تضاعف سكان الأرض منذ هذه النظرية خمس مرات دون أن تنقص معطيات الطعام، وأخطر ما يقدمه الفكر الغربي نظرية الشك في وجود الله تبارك وتعالى، وقد اتسع نطاق هذه الموجة المادية الإلحادية، وكانت نسمى في العصور الماضية بالدهريين، وقد ذهبت الدهرية إلى قدم الدهر واستناد الحوادث إليه، كما ذهبوا إلى ترك العبادات، فهم قد أنكروا العالم، وزعموا أن العالم لم يزل موجودًا، وكذلك بنفسه بلا صانع «الغزالي - المنقذ من الضلال».
والدهرية هي بلغة عصرنا الملاحدة، الذين ينكرون وجود الله تبارك وتعالى جل شأنه، أو إنكار علمه وقدرته وإرادته، أو ينكرون أصلًا من أصول الدين أو اعتقادًا من الاعتقادات، وهم يقصرون نظر الناس على مسائل العيش المادي وحدها، ويرفضون التفسير الديني للكون والحياة، ويعتنقون التفسير المادي للتاريخ، ويحملون الإنسان على أنه يحقق كفايته من حاجات الجسد وحدها، دون تطلع إلى حل مشكلات الفكر والاعتقاد، ويغمضون العين على عظمة الخالق العظيم في كونه الكبير، وما وراء المادة.
ويقول الفلاسفة الماديون: إن للمادة وجودًا مطلقًا، وإن العالم لا يحتاج إلى صانع، وإنه ما فيه مبنى على الإنفاق، وإن الدنيا أرحام تدفع وأرض تبلع وسماء تقلع، وهم ينكرون بعث الأجساد يوم القيامة، ويقولون: إن الله لا يعلم الجزئيات، وأن الكون قديم.
هذه الظاهرة الخطيرة التي تسيطر الآن على الفكر الغربي كله، هي تجديد لما كان يقول به اليونان والمجوس والباطنية.