العنوان تحت راية الوطن .. هوامش حول دور الإخوان في الثورة المصرية
الكاتب صلاح عبدالمقصود
تاريخ النشر السبت 26-مارس-2011
مشاهدات 67
نشر في العدد 1945
نشر في الصفحة 42
السبت 26-مارس-2011
- الإخوان أول من أنزلوا رايتهم ورفعوا راية الوطن..كما هتفوا بالشعارات العامة ولم ينطقوا بأي شعارات خاصة.
- كانت هناك مهرجانات شعرية تُلقى فيها قصائد وطنية قديمة وأخرى حديثة تم تأليفها من وحي الثورة.
هذا علمٌ على شكل شارة توضع على الصدر، وهذا آخر في شكل «إسورة» تضعها البنات في المعصم، وهذا علمٌ يرتديه الشباب والرجال والنساء في شكل قبعة كبيرة، أو «آيس كاب».. إضافة إلى تصميم أعلام كبيرة يتراوح طولها بين عشرين وخمسين مترًا؛ يستظل بها الثوار، ويطوفون تحتها في أرجاء الميدان في صورة جمالية رائعة.
وإضافة إلى ما سبق، فقد راجت فكرة رسم العلم المصري على وجوه الأطفال والشباب؛ حيث وقف عشرات الرسامين الذين يقومون برسمها على الوجوه بالألوان المائية، إما مجانًا، أو مقابل ثلاثة جنيهات (نحو نصف دولار أمريكي).
وكان الإخوان أول من أنزلوا رايتهم ورفعوا راية الوطن، هتفوا بالشعارات العامة، ولم ينطقوا بشعاراتهم الخاصة حتى الشعار الأثير عندهم: «الله أكبر ولله الحمد» تم اختصاره إلى «الله أكبر» فقط، حتى يمكن أن يهتف به جميع الحضور من كل الأطياف حتى المسيحيين، وتكرر الهتاف بدعاء «يا رب.. يا رب.. يا رب» فقط دون زيادة، حتى كنت تشعر بأن الميدان يتزلزل بهذه الشعارات والنداءات.
نجح الشباب في إقامة ثلاث إذاعات كبرى في ميدان التحرير، ونصبوها فوق منصات عالية؛ حيث كان الشباب والشيوخ والنساء والأطفال يتناوبون الهتاف والكلمات الحماسية التي كانت تلهب الثوار، وتحافظ على رفع سخونة الميدان.. كما كانت هذه الإذاعات تقوم بإذاعة الأخبار، وتكذيب الإشاعات التي كان يبثها الإعلام الحكومي، أو فلوله الذين كانوا يقومون بالاندساس بين الثوار في الميدان لإضعاف عزيمتهم، وبث الإشاعات الكاذبة بينهم؛ بهدف إثنائهم عن الاستمرار في اعتصامهم.
والطريف أن هذه الإذاعات كانت تبث على مدار اليوم والليلة بثًا مباشرًا لمدة ٢٤ساعة، وكانت الهتافات والكلمات لا تنقطع، حيث كان المنظمون يسجلون أسماء الراغبين في الحديث أو الهتاف، ويتيحون لهم الحديث طبقًا لأولوية الطلب وبنظام دقيق.. وإضافة إلى الإذاعات الثلاث الكبرى، انتشرت في الميدان عشرات الإذاعات الصغرى التي كانت تبث عبر «ميكروفونات» صغيرة أو محمولة في الأيدي أو على الأكتاف.
كما كانت هناك مهرجانات شعرية، تلقى فيها القصائد الوطنية، سواء كانت قديمة أو حديثة تم تأليفها من وحي الثورة، وكانت تلقى في الإذاعات الكبرى داخل الميدان أو من خلال الإذاعات الفرعية.
قام شباب الثورة وشيوخها بتخصيص عدة أماكن لعرض إنتاج الثورة الفني، من لوحات تحتوي على عشرات بل مئات الشعارات التي كتبها الثوار في الميدان ورفعوها خلال أيام الثورة، وكانت تحمل شعارات غاية في التعبير والفكاهة أيضًا!
وكانت ثمة معارض للوحات الكاريكاتير، وأخرى للرسوم التعبيرية، وثالثة للفنون التشكيلية التي قام الشباب بترجمة مطالب الثورة من خلالها .. وكان الشباب الذين يتعبون من حمل اللافتات يذهبون بها إلى أماكن مخصصة لإيداعها حتى يحملها غيرهم أو يعودوا إليها ثانية ويحملونها ... وآخرون كانوا يكتبون هذه اللوحات ويضعونها في هذه الأماكن كمعروضات، وهو ما دعا الكثيرين إلى التفكير في إقامة متحف للثورة يضم هذه المقتنيات.
وإلى جانب هذه المعارض، عمد شباب الثورة إلى تعليق بعض ملابس الشهداء والجرحى المشبعة بالدماء على بعض مداخل میدان التحرير، كشاهد على جرائم النظام وتعمده إطلاق الرصاص على المتظاهرين المسالمين.
خدمات طبية
مئات الأطباء والممرضات، إضافة إلى المئات من طلاب وطالبات كلية الطب شاركوا في تقديم الخدمة الطبية للثوار ليلًا ونهارًا على مدى أيام الثورة الثمانية عشر.. أنشؤوا مستشفى ميدانيًا في مسجد «عبد الرحمن» بميدان التحرير، وأقاموا خيمة كبيرة أمام المسجد، وتم تقسيمها إلى غرف للإسعاف والعمليات الجراحية السريعة، وأمدوه بأجهزة التعقيم والأدوات الجراحية، وقسم الأطباء أنفسهم إلى ورديات؛ كل وردية فيها أكثر من مائة طبيب، وأضعافهم من الممرضين والمسعفين.. إضافة إلى عدد من الصيادلة الذين تمكنوا من جلب كميات مناسبة من الأدوية.
وإلى جانب المستشفى المركزي، كانت هناك عدة نقاط للإسعاف والعلاج منتشرة في الميدان، تحت خيمة بسيطة أو شمسية، إضافة إلى رفع شارة الإسعاف فوق النقطة... وكان المريض أو المصاب بجرح سطحي يتلقى العلاج أو الإسعاف، وهو واقف أو جالس على الرصيف وسط الزحام البشري الكبير.. كما كانت هذه النقاط تقوم بتقديم بعض العصائر أو المشروبات للمترددين عليها، إذ إن بعضهم كان يتعرض لحالات إغماء أو هبوط بسبب الإرهاق الشديد أو الجوع والعطش لفترات طويلة.
من الصور المبدعة التي أخرجها الشباب، ومنهم شباب الإخوان، هي تلك الحفلات التي أقيمت داخل الميدان لزواج بعض الشباب.. بعضٌ من هؤلاء الشباب كان قد حدد موعدًا لزواجه أو زفافه إلا أن الثورة انطلقت، وأصر بعضهم على إنفاذ موعد عقد الزواج أو الزفاف في «ميدان التحرير» بين الثوار.
وما أجملها من لحظات عندما نرى إطلالة عروسين على منصة الإذاعة العالية، العروس بفستانها الأبيض، والعريس ببذلته السوداء، وهما يلوحان للثوار بالتحية، والثوار يبادلونهما التحية على طريقتهم.. ويطل أحد الشيوخ ليعقد الزواج، ثم يدعو للعروسين، وتؤمن خلفه الحشود الغفيرة في دلالة على الرغبة في الحياة.
ورغم احتشاد هذه الملايين التي وصلت في «جمعة النصر» إلى أربعة ملايين، لم نسمع عن شكوى من الفتيات أو النساء عن تحرش أحد بهن، كذلك لم نسمع شكوى من أعمال سرقة، فالجميع كان في حالة حب ووئام، الشباب كانوا يصنعون الصفوف الواقية التي تمكن النساء من العبور وسط الزحام دون أن يلمسهن أحد، وكان خلق إفساح الطريق وإعانة الضعيف والإيثار وإفشاء السلام والابتسام منتشرًا في الميدان.
ومن الظواهر الرائعة التي لمسناها تخصيص مكان للمفقودات داخل الميدان، من نقود وهواتف نقالة وأقلام وحافظات وبطاقات ائتمان أو بطاقات شخصية وغيرها من المفقودات؛ حيث يذهب إليه من فقد شيئًا وسط الزحام، وكثيرًا ما كان يجده في هذا المكان.
كذلك تم تخصيص مكان لإيداع الأطفال التائهين من ذويهم فيه، ويتم الإعلان عنهم من خلال مكبرات الصوت حتى يتوجه الآباء أو الأمهات لاستلامهم بكل أمان واطمئنان!
دمية «مبارك»
قام بعض الشباب بعمل دمية كبيرة للرئيس المخلوع، وتعليقها على إحدى إشارات المرور في داخل الميدان.
وأذكر أن أحد الأصدقاء في أوروبا اتصل بي منبها بقوله: «إن الأوروبيين منبهرون بالثورة المصرية، ومعجبون بأنها ثورة سلمية بيضاء تواجه بأقسى أنواع العنف من قبل النظام.. لكن بعضهم يتساءل عن سبب تعليق هذه الدمية، وهل تعني أن الثوار إذا ما نجحت ثورتهم سيقومون بإعدام «حسني مبارك» شنقًا؟ الأوروبيون لا يعرفون هذه الطريقة ويستهجنونها، فحبذا لو قمتم بإنزال هذه الدمية حفاظًا على صورة الثورة».
قلت له: إنني أتفق معك في الرؤية، وسأحاول الحديث إلى من بيده الأمر في الميدان.. وبالفعل، ذهبت إلى أحد قادة الميدان من الإخوان، ونقلت له هذه النصيحة، وأقرني على صحة هذه النظرة، وأكد لي قائلًا:«إن الذي علق هذه الدمية ليسوا شباب الإخوان، ولو حاولت إنزالها لفتك بي الشباب، لكننا سنحاول التغطية عليها»... وبالفعل قام الإخوان بعمل لافتة كبيرة وعلقوها أمام الدمية، حيث حجبت إمكانية تصويرها بالشكل السابق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل