; تجلد يا قارون..! | مجلة المجتمع

العنوان تجلد يا قارون..!

الكاتب أحد القراء

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1979

مشاهدات 94

نشر في العدد 442

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 24-أبريل-1979

  • هل الديمقراطية تعني ألاّ يقول الشعب «لا»؟
  • حمل الإخوان السلاح من أجل الإسلام وليس من أجل الحكم

الفرق بين قارون مصر وقارون بني إسرائيل، أن هذا القارون الأخير كان يملك أموالًا تستحيل على الحصر، وكانت مفاتح كنوزه- كما ذكر القرآن الكريم- تنوء بالعصبة أولي القوة، وكانت كبرياؤه نابعة من ذاته. 

وكان بغيه لحساب نفسه، أما قارون مصر فقد تسلم مصر مفلسة فزادها إفلاسًا، ومغرقة في الديون فضاعف من غرقها، أما كبرياؤه فمن خارجه من بلاد العم سام، وأما بغيه فلحساب الصليبية الزاحفة على مصر من بلاد العم سام.

كان عبد الناصر طاغية- ما في ذلك شك- ولكن طغيانه كان باسم الطغيان. وكان ظالمًا- ما في ذلك شك- ولكن ظلمه كان باسم الظلم. 

أما قارون مصر، فقد قنن الطغيان والظلم حتى أصبح كلاهما قانونًا، وكان عبد الناصر يبطش بلا قانون، أما قارون مصر فيبطش بقانون، وكان عبد الناصر يصنع الشعارات ليخدع الشعب المصري والشعوب العربية بها، أما قارون مصر فهو يصنع الشعارات الفارغة، ويكره عليها الشعب المصري، ويريد أن يفرضها على الشعوب العربية فرضًا، وكان عبد الناصر يصطنع الكذب، أما قارون مصر فهو يصنع الكذب، وحاول عبد الناصر أن يوهم الناس بأنه أسطورة، وحاول قارون مصر أن يقلده، فجعل الناس يعتقدون بأنه أكذوبة وأضحوكة معًا، ويوم أن زاح الستار عن مهزلة العبور، سوف يتأكد لدى العالم أن هذه المهزلة كانت أضخم أكذوبة في التاريخ.. وأخيرًا وليس آخرًا، كان عبد الناصر ديكتاتورًا- ما في ذلك شك- وكان يسعده أن يصفه الناس بالديكتاتورية أما قارون مصر فهو ديكتاتور من لون مسف مضحك، إلا أنه لا يرضى من الناس إلا أن يعتبروه قديسًا، وهو الذي منح نفسه لقب «الرئيس المؤمن» وفرض على وسائل إعلامه أن تحرص على منحه هذا اللقب، حتى وهو يشهد إكليلًا في الكنيسة، أو يقبل حرم الرئيس فورد أو حرم الرئيس كارتر، أو يتلقى القبلات في عيد الفن من الممثلات والمطربات المراهقات.. 

إن قارون مصر لا يعجبه العجب، ولا الصوم في رجب، كما يقول المثل الشعبي في بلاده، ومنذ فاجأ العالم بمبادرته المشئومة حتى اليوم، فقد أعصابه، وقد ازداد ضراوة منذ عاد من كامب ديفيد ذليل النفس، مكسور الخاطر، وكلما أمعنت اسرائيل في إذلاله، وكلما بالغت أمريكا في اللعب به، والسخرية منه، صب هذا القارون جام غضبه على الشعب المصري المستكين المغلوب على أمره يقتص منه، لتهدأ أعصابه، إنه أشبه ما يكون بالفتوة الذي ينهزم في معركة على أحد المقاهي الشعبية، فإذا عاد إلى بيته انهال ضربًا على زوجته وأولاده، متوهمًا أنه بذلك يسترد فتوته، ويستعيد بأسه، ومسكين هذا الشعب الذي يفرض عليه أن يدفع ثمن طيش فرعونه ونزواته، لم يكتف قارون مصر بأن جعل شعب مصر أضحوكة الشعوب يصفق ويهتف لسفاحي آل صهيون، وأتاتورك إيران.. وبأن جعل إعلام مصر مهزلة بين وسائل إعلام الدنيا بأسرها، لا عمل لهذا الإعلام المصري إلا التهريج للبطل المنهزم، والقائد المخذول والسياسي الفاشل، والعملاق الأجوف، والملهم الأخرق.. لقد حطم قارون مصر كل شيء في مصر، حطم الشعب باسم الشعب، وحطم الديمقراطية باسم الديمقراطية، وحطم القانون باسم سيادة القانون، ولم يرض لنفسه أن يكون نصف إله، بل إلهًا، تنتصب قامته أمام شعبه ويتقوس ظهره أمام كارتر وبيجين ودايان، وأبى أن يكون المقام الأول في كل مجال، في الدين والفلسفة. والطب والهندسة، والفلك والصيدلة. وشئون الرياضة والمسرح والسينما، والنحت والرسم، والتعليم والصحافة وحتى الرقص الشعبي والبلدي والباليه، وقديمًا قال الحكماء: مدعي العلم في كل شيء، فادعاؤه قرينة قاطعة على أنه يجهل كل شيء..

إن قارون مصر يعتبر من مفاخر عهده أنه أرسى قواعد الديمقراطية في مصر، ومفهوم الديمقراطية عنده ألا يقول الشعب «لا» بل يجب أن يقول له «نعم» بملء أفواهه، وأن يساق الشعب إلى الشوارع والميادين ليظل الساعات الطوال يصفق له ويهتف، أو يصفق ويهتف لزائر أو زائرة.. ويعتبر قارون مصر أن من مفاخر عهده أنه أباح الحزبية في مصر، بعد أن ظلت مصر محرومة منها أكثر من عشرين عامًا، وما حدث لو أن ذلك حدث حقًّا لم يكن شعب مصر في حاجة إليه، بل كان في حاجة إلى لقمة العيش والمأوى والملبس، ولو بالدرجة الدنيا؟ ثم أين هذه الأحزاب التي يتشدق بها؟ لم تحتمل أعصاب قارون مصر حزب الوفد بضعة أيام، بعد أن تراءى له أن هذا الحزب سيكون المعارضة الجادة له ولسياسته، وحتى يقول قارون مصر إن لدينا أحزانًا، أسس لنفسه الحزب الوطني الديمقراطي اسمًا على غير مسمى، ضم إليه هلافيت القوم وأقزامهم وحشرات الاحتراف، ثم سمح- بتفكيره ووحيه- بتأليف حزب العمل وألبسه ثوب المعارضة زائفًا يشف عما تحته، ذرًّا للرماد في العيون..

كان عبد الناصر زعيمًا موفقًا في المهاترة والتطاول والبذاءة، والاعتداء على التاريخ، أما قارون مصر، فهو محترف في هذه الصغائر التي تجري منه مجرى الدم في العروق، إن إرادته- مهما بلغت من الرعونة والطيش- يجب أن تكون إرادة مقدسة، من عارضها فلا أقلته أرض ولا أظلته سماء، وأقل ما يوصف به، هي الخيانة والعمالة. وقد توهم أن الشعوب العربية كلها- وفي مقدمتها شعب مصر- تؤيده، وتؤمن بزعامته ولم يسئ الظن إلا بالإخوان المسلمين لأنهم لم يهتفوا ولم يصفقوا لزعيم، وفي الوقت الذي يتشدق فيه بالسماح للأحزاب، يصرح بأنه لن يسمح للجماعات الدينية القديمة بأن تأخذ شكلًا رسميًّا، وهو يعني بالطبع جماعة الإخوان. وفي أكثر من مرة جرح الجماعات الدينية الناهضة بالجامعات والمعاهد، لأنها في نظره امتداد لجماعة الإخوان، ومنذ أيام طاش لب قارون مصر، فتطاول سافرًا على الإخوان المسلمين ورائدهم الأول الإمام الشهيد حسن البنا، وكل ما استطاع أن يرميهم به، هو حملهم فيما مضى للسلاح وتجاهل قارون مصر أن الإخوان دربوا على السلاح وحملوه لا من أجل الحصول على الحكم، بل باسم الإسلام ومن أجل الإسلام، من أجل قضية فلسطين وقد سالت فوق أرضها دماء خمسمائة شهيد منهم، ومن أجل قضية مصر، وقد سالت دماء عشرات الشهداء عنهم فوق أرض القنال، ولقد تناسى قارون مصر، أن القيادة- قيادة الاحتلال البريطاني في قاعدته بالقنال- كانت تعلن عن استعدادها لدفع عشرة آلاف جنيه لمن يأتي لها بأي من الشهيد يوسف طلعت أو الشهيد محمد فرغلي حيًّا أو ميتًا، وفي عام ١٩٥٤ قدمتم رأس الشهيدين ورؤوس إخوان لهما بلا مقابل، وقال قارون مصر متسائلًا: هل يجيز الإسلام قتل النقراشي والذهبي؟ أما الذهبي فما شأن الإخوان به؟ لا ثم إن مخابراته هي التي قتلته، وأما النقراشي فلم يكن أكثر من عميل خائن، ونحن بدورنا نسأل قارون مصر: لماذا اشتركت في اغتيال أمين عثمان ضمن عصابة حسين توفيق؟ أن اغتياله كان لحساب القصر، ومندوبة القصر ناهد رشاد زوج طبيب الملك الخاص.. إنك يا قارون مصر تفخر بماضيك هذا. وعدة شهور قضيتها في سجن الأجانب أو في سجن مصر.. 

ولقد تهجم قارون مصر على حسن البنا، ونسيت ما كتبته على صفحات جريدة الجمهورية عام ١٩٥٣، وما كتبته في مذكراتك على صفحات مجلة المصور، حيث قلت: إن حسن البنا هو الذي عرفك بالرائد الروحي لثورتكم عزيز المصري، وإن حسن البنا كان يرسل إلى أسرتك وأنت بالسجن عشرين جنيهًا شهريًّا، ولكن ماذا نقول لك إلا : إن كل إناء بما فيه ينضح؟ 

وأخيرًا نقول لك يا قارون مصر: إن هجومك على الإخوان، قد يقربك من أمريكا كما تتوهم أنت، وربما توهمت أن هجومك على الإخوان قد يزيح بعض العقبات في طريق معاهدتك ولكن ثق أن وقوف أمريكا وإسرائيل إلى جانبك، بل وقوف الدنيا إلى جانبك بأسرها، لن يفيدك شيئًا ما دام الله قد تخلى عنك..

والسلام على من اتبع الهدى.. 

الرابط المختصر :