العنوان الخصام
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر الجمعة 01-أكتوبر-2004
مشاهدات 72
نشر في العدد 1620
نشر في الصفحة 54
الجمعة 01-أكتوبر-2004
تجربتي في التحرك بالقرآن
سمية رمضان
هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى، دعوة لنعيش جنة الدنيا، دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي، فلا تكتفي بمجرد تلاوته ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف، دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها، فتتحرك بها الجوارح.
أي: نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيعا للقلب وذهابا للهم وجلاء للحزن.
سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جدا وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.
الخصام
الخصام... يعتبره كثير من الناس من أسهل الأساليب لحل كثير من المشكلات والهروب من المواجهة تعتبره المرأة من الأسلحة الخفيفة التي تحملها، وتتصور – غافلة – أن فيه حمايتها، وهي أولى المتضررات، فهذه تقاطع أهل زوجها وتلك تقاطع جارتها والأخرى تقاطع أخاها، والرابعة أخت زوجها، ويصل الأمر إلى مقاطعة الآباء والأمهات، وعندما تستفسر عن ذلك يقلن: ألم يقل الله في كتابه ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾(المزمل:١٠)، سبحان ربي العظيم وهل هؤلاء القوم جميعًا من الكفار؟ فتجيب بالنفي، إذن فأنت مسلمة وهم مسلمون، تجيب بالإيجاب ولكن على استحياء فكيف إذن يقبل عملنا الصالح والخصام يمنع صعوده إلى السماء حتى ينتهي خصامنا؟، فالخصام سهم يقذف به ولا يرتد إلا في تحورنا، فما فائدة الدنيا بدون قبول أعمالنا الصالحة؟
قالت أخت: إني أتحاشى المشكلات بإعلاني المقاطعة والخصام حتى أعيش في أمان بدون مشاحنات ونزيف من القلب.
قلت لها: كيف تستطيعين الاستغناء عن أقرب الناس منك أو من زوجك؟ وهل هذه حياة؟ هل أنت سعيدة حقًا؟ قالت الأخت لست بسعيدة ولكن الخصام أخف الأضرار.
قلت لها: بالطبع الخصام هو عين الضرر ويمكنك أن تتعايشي مع الجميع بكل الحب والود والسعادة الحقيقية التي تفتقدها كثيرًا وهي قريبة منا ولكن على الأبصار غشاوة. ثم نظرت وقلت: إذن علينا جميعًا أن نأخذ بمفتاح من مفاتيح السعادة ونفتح بابها وندخل ونرى ما سيكون والمفتاح المناسب اليوم كقوله تعالي: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت:٣٤).
شرحت لهم المقصود من الآية، وأردفت بقولي: وتحركنا بهذه الآية يحتاج إلى صبر ويقين بالله. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت:٣٥).
قلت لهم: أسأله تعالى أن يوفقنا للتحرك بوصيته لنا، فليصدر منا في أقوالنا وأفعالنا كل شيء حسن.
ويكفينا من الكلام ما تكلمنا به ولننتظر نتيجة التطبيق.
كان على كل منا أن تواجه مشكلاتها بعد أن هربت منها فترات طويلة من عمرها ليس ذلك فقط، بل على كل واحدة أرادت التحرك بالآية الكريمة أن تدخل في تجربة عملية حركية مع من تخاصمه، لترى كم سيستغرق من الوقت ليصبح وليًا حميمًا، كنا نتقابل ولا أسألهم عن نتيجة تجربتنا، بل كادت بعض الأخوات تبكي في بعض الأحيان وتقول: لقد ذهبت إليها وحاولت معها ووجدت صدودًا فأقول لها: ألم أقل لابد أن تصطحبي معك الصبر، لابد أنك تركتيه وذهبت بمفردك؟ حاولي مرة أخرى، ومرت الأيام تلو الأيام والأسابيع تلو الأسابيع وفي يوم من أيام لقائنا قلت: حان الآن موعد سماعنا لتجاربكن فمن التي قدر الله لها مصاحبة الآية الكريمة وجعلتها في قلبها وتحركت بها حواسها وجوارحها؟
قالت إحدى الحاضرات: أنا والحمد لله كنت في خصام مع أخت زوجي حيث إنها كانت سريعة الغضب وفي كثير من الأحيان كانت تُسمعني ما أكره فقررت عدم زيارتها وهي بالتالي بادلتني الخصام بخصام أشد منه وأقوى، وفي داخلي كنت أحبها فهي أخت زوجي وعمة أولادي ولكنه الشيطان عندما يزين لنا الأعمال فتراها حسنة وبعد أن رددت الآية الكريمة: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت:٣٤).
أحببت من قلبي أن أجعلها في كياني كله واشتاقت كل جوارحي لتطبيقها ولكن كيف السبيل إلى ذلك وأخت زوجي لابد أنها ستصدني بل من الممكن أن يصل بها الأمر إلى تعنيفي؟. المهم أخذت أرقب الأحداث وأتحين الفرص لإنهاء هذا الخصام الذي أصبحت أكرهه، حتى وانتني الفرصة عندما علمت أنها في المستشفى لتضع مولودها الثالث تشبثت بزوجي ورجوته أن يأخذني معه لزيارتها، وقف زوجي مبهوتًا مذهولًا ولكنه رحب كثيرًا باصطحابي معه، ذهبت إليها وقلبي يدق دقًا شديدًا، فتحت الحجرة ودخلت بكل بشاشة أهنئها بسلامتها، وهي حتى لم تلتفت ناحيتي بل كل حديثها توجهه لأخيها، وزوجي في حرج شديد ولا يدري ماذا يفعل، أخذت أنا صغيرها وجعلت أناجيه وأبشرها بأنه جميل وسيكون إن شاء الله من الصالحين، فلا تأتني
منها إلا ابتسامة باهتة. المهم انتهت زيارتنا وجلست في السيارة بتنهيدة سمعها زوجي ولكني قلت في نفسي والله لن أهزم أبدًا، وأخذت أردد في نفسي كذبت عيني وصدق الله، فقد دفعت بالحسنى ويبقى كأنه ولي حميم، فالأمر في حاجة إلى صبر.. نعم صبر ووقت وبمجرد رجوعي إلى المنزل ازداد إصراري على تنفيذ نص الآية، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، حيث أعددت طعامًا لأولاد أخت زوجي وذهبت إليهم به ولأطمئن على أخبارهم وأحوالهم، ونمت ليلتها قريرة العين واثقة من أمر الله وفضله.
وفي اليوم التالي سألت عليها فجاءني صوتها شاكرًا لما فعلته مع أولادها، إذ هذا هو السبيل إلى قلبها، فلأضرب على هذا الوتر وبمجرد أن أغلقت معها جهاز الهاتف هرعت إلى المطبخ لأعد لأولادها طعامًا أفضل مما أعددته بالأمس، وذهبت إليهم فإن عملي ومجهودي بدا يؤتي ثماره، (وسنارتي قد غمزت) وما علي إلا استعمال الحكمة والمهارة للخروج بسمكتي ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: ٣٥).
داومت على رعاية أولادها، حتى تكلمت هي معي وهي بشوشة تدعوني إلى زيارتهم لحضور عقيقة ولدها، وبالفعل لبيت الدعوة وقابلتني بترحاب شديد وكأنها قد رجعت إلى بعد غياب طويل.. احتضنتها وأنا سعيدة مغتبطة، فقد تقبل الله مني عملي وأعطاني جائزتي وأصبحت أخت زوجي من أحب الناس إلى قلبي بعد أن نزع الشيطان بيني وبينها. وبالفعل يا أخواتي فإن التعبير القرآني دقيق جدًا.
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت:٣٤) لقد استشعرت هذا التباين العجيب في النفس البشرية إن أطاعت أمر الله. قلت: نعم أخت زوجك هي هي لم تتغير ولكن المبادرة كانت منك.. أنت أمامك هدف واضح مرضاة الله والوسيلة موجودة، التحرك بالقرآن فاستعنت بالله وصادقت في رحلتك الصبر، فهيأ الله لك القلوب التي خلقها ويعلمها لمحبتك وعندها قالت إحدى الأخوات هل هناك بعض الوقت أستاذتي لأسرد عليكم تجربتي التي لا أكاد أصدق أنا نفسي نتيجتها الباهرة؟ أذنت لها.
قالت: كانت تقطن معي جارة أحبها كثيرًا وأحب مجالستها بل وقد أطلعتها على كثير من أسراري، وكانت هي حب قلبي، حيث إن كل أهلي بعيدون عني وكانت هي القريبة، وبعد سنوات من الود والإخاء بدأت جارتي في التغير تجاهي، بل بدأت تسيء الظن بي، وتتصور أني قلت ما لم أقل، حاولت معها جاهدة في تغيير كل اتهاماتها لي بلا جدوى، فقد سطر الشيطان على أفكارها فجعلته صديقها دوني، فجأة قاطعتني ورفضت الجلوس معي أو محادثتي وبالطبع كرامتي منعتني من مواصلة الحديث معها أو خطب ودها، حيث اتضح جليًا أن كل ذلك لا يجدي حتى ارتويت بالمعنى القرآني:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت:٣٤)
قلت في نفسي أثناء شرح الآية: لقد حاولت وفشلت وعندها كانت تلاوة أستاذتي الداعية ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ (فصلت: ٣٥)
قلت: نعم فهذا ما لم أفعله، ورجعت من المسجد وقد عقدت العزم على تكرار المحاولة ولكن سيكون عكازي الصبر حتى لا أستسلم للفشل، كانت الأخت في الدور الرابع، وكلما صعدت درجة يدعوني شيطاني إلى النزول وعزيمتي لا تخونني، حيث أواصل - مستعيذة بالله من الشيطان - صعودي وبسرعة وصلت إلى مسكنها، نظرت إلى هديتها لأتأكد من وجودها معي، ووضعت يدي على الجرس، وأنا أتصور حدوث أي شيء.. فقط تهيأت نفسي على أي رد فعل، وصعودي هذا ليس لجارتي أبدًا.. إنه لله..
فتح الباب فإذا هي أمامي، قلت لها بثقة وحب هل تسمحين لي بالدخول، وكانت المفاجأة فتحت الباب على مصراعيه ورحبت بي، وأدخلتني وكأنها لم تكن تتخيل أبدًا زيارتي لها بعد هذا الغياب الطويل.. وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث بلا أدنى عتاب، فإني أجلس الآن في روضة طاعة الرحمن وليس في بيت جارتي جلست معها بعض الوقت وشعرت وكأن كابوسًا كان يجثم على قلبي قد أزاحه نور التحرك بهذه الآية الكريمة، وأنا لم أنتظر حتى النتيجة النهائية وأن أرى جارتي وكأنها ولي حميم، فلابد وأن الوقت كفيل بذلك كلما صبرت ودفعت بالتي هي أحسن ولم أيأس. أنا عاجزة عن التعبير ولكني سعيدة فشكرًا لكنَّ.
قلت لها مبتسمة: بل شكرًا لمالك الكون خالق النفس، حيث لم يتركنا فريسة لأهوائنا وأهواء الآخرين، بل أنزله قرآنا ميسرًا عمليًا يتناسب مع ما يعلم سبحانه ما يكون سببًا في راحة هذه النفس التي خلقها، فشكرًا له سبحانه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه..
صحابة نزلت فيهم آيات كريمات
سعد بن أبي وقاص.. الرامي الأول
قال سبحانه وتعالي ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: ١٥).
نزلت هذه الآية المكرمة في سعد بن مالك بن أبي وقاص القرشي الزهري، سابع سبعة في الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة وأخرهم موتًا، وهو أحد الستة أهل الشورى، من أعظم الفرسان، وأول من رمى بسهم في سبيل الله. دعا له رسول الله «أن يكون مستجاب الدعوة» فكان، فتح الله على يديه فارس بقيادته لمعركة القادسية، وأطفأ نار المجوس، وفتح مدائن كسرى، ومن مناقبه أن رسول الله ﷺ لم يقل لغيره، فداك أبي وأمي فجمع بينهما، وقد قالها له رسول الله ﷺ يوم أحد، كما روى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يفدي أحدًا غير سعد بن أبي وقاص.
وقال سعد «رضي الله عنه»: نزلت هذه الآية في، كنت رجلًا بارًا بأمي فلما أسلمت قالت: ما هذا الدين الذي أحدثت، لتدعن دينك هذا أو لا أكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي. قال: لا تفعلي يا أمى، فإني لا أدع ديني، قال: فمكثت يومًا وليلة لا تأكل فأصبحت وقد جهدت فقلت: والله لو كانت لك ألف نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني؛ فلما رأت ذلك أكلت وشربت.. فنزلت الآية.
ولما قتل عثمان بن عفان «رضي الله عنه» اعتزل سعد «رضي الله عنه» الفتنة ولزم بيته وأمر أهله ألا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجمع الأمة على إمام.
ولما حضره الموت دعا بجبة من صوف وقال كفنوني بها فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر، ومات «رضي الله عنه» بالعقيق سنة خمس وخمسين من الهجرة وهو ابن بضع وسبعين سنة، وحمل إلى المدينة المنورة ودفن بالبقيع ومن جملة من صلى عليه زوجات النبي أمهات المؤمنين رضي الله عنه.
محمد مصطفى ناصيف