العنوان «المجتمع» في جولة واسعة داخل المملكة المغربية.. تجربة الإصلاح السياسي والتوافق المجتمعي بقيادة «العدالة والتنمية»
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 02-مارس-2013
مشاهدات 61
نشر في العدد 2042
نشر في الصفحة 12
السبت 02-مارس-2013
●حالة من الانسجام النادر بين كل طوائف وقوى المجتمع المغربي
● الملك محمد الخامس وضع البلاد على الطريق الصحيح عندما حظر هيمنة الحزب الواحد وأرسى مبدأ التعددية والحوار
● الدستور الجديد ينص للمرة الأولى على احترام الملك وتوقيره.. بعد أن كانت ذاته مصونة في الدستور القديم
● عبر التاريخ.. حافظ المغرب على استقراره وتوازنه الاجتماعي وخصوصيته الإسلامية
● رئيس مجلس النواب: ثقافتنا البحث عن التوافق.. وعندما نختلف داخل الحكومة لا يكون الهدف التعويق أبدًا
● ترتيبات وزارة الاتصال (الإعلام) لجولة الوفد الصحفي كانت على أعلى مستوى بإشراف دقيق من د. مصطفى الخلفي وزير الاتصال وجهود كبيرة من فريق الوزارة
● الدستور الجديد:
- اعترف لأول مرة بـ الأمازيغية لغة رسمية بعد العربية
- حدد للمرأة ٦٠ مقعدا في البرلمان بواقع ۱۷٪ من المقاعد و ٣٠ مقعدا للشباب بواقع ١٠%
● رئيس مجلس المستشارين : أصبح من حق مجلسنا مناقشة القوانين وتعديلها وفقا للدستور الجديد
● الحكومة الائتلافية عبارة عن أربعة أحزاب متباينة في فكرها بين إسلامي ووطني وشيوعي.. تعمل بانسجام في سابقة هي الأولى في العالم العربي
السفر إلى المغرب من الكويت يستغرق أكثر من أربع عشرة ساعة متواصلة، منذ الانتظار في مطار الكويت ثم الترانزيت في مطار القاهرة حتى الوصول إلى مطار الدار البيضاء، ويزيد من طول الرحلة السفر إلى الصحراء المغربية لمدة ست ساعات ذهابا إلى مدينتي «العيون» و«الداخلة ثم العودة إلى «الدار البيضاء... لكن ذلك البرنامج المشحون الذي أعدته وزارة الاتصال (الإعلام) من الزيارات واللقاءات لوفد صحفي كبير جاء من عدة دول وصحف ومجلات خفف كثيراً من طول الرحلة ومشقتها.
أكثر من عشرة لقاءات دسمة بدأت مع رئيس الوزراء السيد عبد الإله بن كيران، ثم سبعة وزراء آخرين الخارجية والثقافة والسياحة والعمل والمالية والإسكان، والأوقاف، إضافة إلى وزير الاتصال (الإعلام) د. مصطفى الخلفي، صاحب الدعوة، والذي صاحب الوفد في معظم تحركاته مع فريقه المتميز من الوزارة بقيادة الأستاذ عبد الإله التهاني، وقد استغرقت تلك اللقاءات، بالإضافة إلى زيارة مبنى مجلس النواب، وحضور إحدى جلساته. ثم اللقاء مع رئيسه ورئيس المجلس الاستشاري استغرقت أكثر من ست وعشرين ساعة على مدى ثلاثة أيام متواصلة من المناقشات والتساؤلات وقد كانت تلك الجولة الدسمة كفيلة بتقديم صورة متكاملة ومشبعة عن تجربة المغرب الجديدة بقيادة حزب العدالة والتنمية في الإصلاح السياسي والتوافق المجتمعي، وهي تجربة جديرة بالتأمل طويلا والتحليل والاستفادة.
في اللقاء مع رئيس الوزراء عبد الإله بن كيران تحدث موضحًا أن المغرب بلد يحظى بخصوصية في تاريخه وطبيعته، فهو بلد عربي - أفريقي - قريب من أوروبا ويتميز المغاربة بالحب الشديد لآل بيت النبي صلي الله عليه وسلم ، وقد التفوا قبل ١٢ قرنا حول مولوي إدريس كواحد من الدوحة النبوية، ومؤسس حكم الأدارسة في المغرب، وفي الوقت نفسه فهم على مذهب أهل السنة والجماعة، وفي الفقه على المذهب المالكي..
● خصوصية مغربية
عاش المغرب منذ بداية القرن الماضي ولمدة خمسين عاما تحت حكم الاستعمار، وكانت تلك الفترة أقرب للحماية منه إلى الاستعمار (۱۹۱۲ - ١٩٥٦م)، وبعد الاستقلال - ضمن موجات استقلال الدول العربية - استمر ترسيخ بناء الدولة الحديثة ورغم اختلال التوازن المجتمعي، فإن المغرب حافظ على الاستقرار، وعمل على الحفاظ على خصوصيته الإسلامية في توازنه.
ويتفق جميع من التقيناهم على أن الملك محمد الخامس وضع البلاد على الطريق الصحيح، عندما أرسى قاعدة مهمة في الخمسينيات من القرن الماضي تحظر هيمنة الحزب الواحد، وأرسى مبدأ التعددية والمجتمع المدني والحوار، ولو لم يفعل محمد الخامس لبقيت المملكة المغربية كما هي دون تغيير، وبالتالي فإن المملكة وفق ما قال رئيس البرلمان المغربي كريم غلاب تتحرك في مسألة المغرب .
الإصلاح انطلاقاً من رصيد ديمقراطي كبير. الدستور والفساد كان المطلب الأكبر خلال مظاهرات عام ٢٠١١م إسقاط الفساد والاستبداد، وكان الملك يدرك ما يجري حوله فطرح إعداد دستور جديد عبر لجنة وطنية من جميع المشارب، وتمت مشاورة كل الفعاليات من جميع الأحزاب والنقابات والفعاليات، وقد نص الدستور للمرة الأولى على احترام الملك وتوقيره خلاف الدستور القديم الذي نص على أن ذات الملك مصونة وجعل الدستور رئيس الحكومة هو رئيس الحزب الحاصل على الترتيب الأول في الانتخابات وأعطاه صلاحية تعيين ۱۳۰۰ وظيفة من الوظائف العليا في البلاد، وبقيت المسائل الوطنية والجيش الوطني والدفاع والأمور السيادية من صلاحيات الملك. وقد واكب هذه التحولات تحولات انتقالية مثل انتخابات مجلس النواب قبل موعدها. وانتخاب مجلس المستشارين (۲۷۰عضوا) يمثلون سبعة أحزاب كبيرة وخمسة صغيرة.
● إصلاحات عميقة
التجربة المغربية الحديثة حققت مجموعة من الإصلاحات العميقة والصعبة خاصة فيما يتعلق بالأسرة ومكانة المرأة، فأقر للمرأة بحقوق لم تحصل عليها من قبل إذ حدد لها ٦٠ مقعداً في البرلمان بواقع ١٧% من مقاعده، و ٣٠ مقعدا للشباب أقل من أربعين سنة بواقع 10% من المقاعد إجمالي المقاعد ٣٢٥ مقعدا.
وهكذا، تسير تجربة الإصلاح السياسي والتوافق المجتمعي بنجاح، وصنعت حالة من الانسجام النادر بين كل طوائف وقوى المجتمع المغربي على تشعب ثقافته وتعدد طوائفهعرب، وأمازيغ، وذوي أصول أفريقية، وأبناء الصحراء أصحاب اللهجة الحسانية (وهي لهجة عربية متميزة، بل ويهود، ومسيحيين)... لقد مثل التوافق المجتمعي لهؤلاء جميعا بوتقة استوعبت كل ثقافاتهم ولغاتهم وتطلعاتهم وتجاوبت معها، وحقق لها الدستور حفظ حقوقها كاملة، فقد اعترف الدستور الجديد لأول مرة باللغة الأمازيغية، لغة رسمية بجوار العربية، وكان ذلك هو الملف الأصعب، كما أن اللهجة الحسانية من اللغة العربية لهجة أهل الصحراء المغربية بات لها احترامها وصارت لها إذاعة وبث تلفزيوني لمدة ست ساعات يوميا من المقرر زيادته في مقبل الأيام.. أما اليهود فلهم محاكم خاصة بهم. ويعدهم المغرب من مقومات المجتمع، ويفرق المغاربة بينهم وبين الإسرائيليين. هذه الإصلاحات العميقة تم تتويجها جميعاً بدستور يوليو ۲۰۱۱م، حيث تم النص عليها في ذلك الدستور، وهي إصلاحات أبدعت مجتمعا متصالحا مع نفسه، ويتفنن في التوافق ويبحث عنه، ولا يجد عنه بديلا، ولذلك فإن المجتمع ينطلق في مشروعه السياسي التوافقي ومشروعه التنموي بقوة نحو آفاق رحبة بقيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي نجح مع ثلاثة أحزاب أخرى هي: «الاستقلال، وهو حزب وطني تاريخي، و«الحركة الشعبية التقدم والاشتراكية وهما حزبان لهما خلفية اشتراكية وشيوعية التقت هذه الأحزاب المتباينة في الفكر والمشروع السياسي على تشكيل حكومة ائتلافية في سابقة هي الأولى في العالم العربي، وأقامت تحالفها على ميثاق اتفق الجميع على الالتفاف حوله، وبات أعضاء هذا الائتلاف يدافعون عن سياسة الحكومة وبرنامجها مثل حزب العدالة والتنمية»: أي لا غمز ولا همز ولا تلك الأسافين السياسية التي نشاهدها في بلاد المشرق والتي تحاول إفشال الحكومة.
● الحركة الإسلامية
أعود إلى حديث بن كيران الذي أشار في جانب منه إلى جذور حزبه قائلا : بدأنا كحركة إسلامية في الظهور بشكل عصري في سبعينيات القرن الماضي، وحصلنا في انتخابات عام ۱۹۹۷م على تسعة مقاعد، وفي انتخابات عام ۲۰۰۲م حصلنا على ٤٢ مقعداً. وفي آخر انتخابات إبان ثورات الربيع العربي حصلنا على ۱۰۷ مقاعد، وعهد إلينا الملك محمد السادس بتشكيل الحكومة، ونحن الآن بصدد برنامج للإصلاح في إطار حكومة ائتلافية، ولا ندعي أننا نجحنا مائة في المائة... لقد قضينا عاما في إعداد دستور جديد، نحن الآن في اختبار، وبطبيعة الحال ونحن نتأثر بما يجري حولنا .. الشارع المغربي مازال يعاني من مشكلات، ونحن ومؤسسة الإصلاح نعمل على حل تلك المشكلات، وبصفة عامة، فإن الإضرابات خفت اليوم عن العام الماضي وانصرف الناس إلى أعمالهم تقريبًا.
وقال: نحن مقتنعون أن الدولة لا تعطي شيئا عندما يسود الفساد وتسود الرشوة وعندما تصحح المفاهيم والمسالك على قاعدة النزاهة والشفافية فإنه يمكن أن تكون هناك نتيجة مفيدة. ويلفت الانتباه قائلاً: لدينا قناعة بأن الناس انتخبونا لثقتهم بأننا سنعمل على حل مشكلاتهم، وليس لأننا سنطبق عليهم منطقنا الإسلامي، لكننا فوجئنا بواقع عنيد ... وأضاف: لا نعتقد أننا في حاجة لـ أسلمة المجتمع، ولكننا في حاجة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، ومن أجل هذا جئنا، ومن أجل ذلك انتخبنا الناس وعن الدعم (المقاصة) قال: إنه يكلف الدولة ٥٥ مليار درهم ما يقرب من 7 مليارات دولار ، يتفق منه على البنزين ۲۱ مليار درهم تكفي لنقل المياه من شمال المغرب لجنوبه ونحن نستهدف أشد الناس حاجة إلى الدعم المقاصة وتساعدهم في اقتناء الضروريات حتى يرتقي وضعهم، ونحن مصرون على أن يذهب الدعم إلى مستحقيه، وإلا فستوزع الميزانية على الدعم ومرتبات الموظفين ولن يتبقى منها شيء. وأكد أن أفضل برامج الإصلاح هو ما يتوافق عليه الجميع، وأن ندير الإصلاح بإرادتنا وفي إطار توافقي، وهذا يتطلب شيئا من الرفق مع الحفاظ على مرجعيتنا، وإلا نتطور في إطار فوضوي.
وقال: لقد ارتضينا الديمقراطية، وتقضي قواعدها : إذا نجحت في مشروعك تبقى في مكانك، وإذا لم تنجح تخلى مكانك لغيرك... نحن نتعامل مع مخالفينا بأخلاقنا، وقد قال الأمين العام السابق لحزب الاستقلال شريكنا في الحكومة: لأول مرة وزراؤنا مرتاحون في الحكومة.
عن الجهات التي تحاول عرقلة الحكومة قال: هذا أمر طبيعي، ولا أعتقد أن هناك حكومة تنجو من هذا، وقال عن الصحافة أنا أعاني كثيرا من الصحافة، فليس لها مهمة سوى الحكومة ورئيسها، ولكني لا أميل إلى التضييق على الحريات، فالحرية ليست منحة من أحد، ومجتمع لا يشعر فيه المواطن بالحرية لا يكون مجتمعا وأكد: نحن نسير في طريقنا، والناس يشعرون بأن هناك حكومة تريد الإنجاز وتحاول ذلك، والواقع يشهد بأن نسبتنا في تحسن فقد حصلنا في انتخابات برلمانية تكميلية مؤخرا على أربعة مقاعد من أصل سنة.
● رئيس مجلس النواب
في اللقاء مع رئيس مجلس النواب البرلمان كريم غلاب، بدا الرجل وكأنه يواصل حديث بن كيران قائلا : ثقافتنا البحث عن التوافق، ويقوم ميثاق الأغلبية الحكومة الائتلافية على مجموعة من المفاهيم يتفق الجميع على أنها خطوط حمراء ويكون البرنامج الحكومي هو الأرضية لعمل الحكومة، كما أن لدينا ثوابت لا نقاش فيها : الملكية الدستورية إمارة المؤمنين المرجعية الإسلامية، استقلال القضاء، الوحدة الترابية حقوق المرأة.. وأوضح قائلاً: عند الانتخابات البرلمانية يتقدم كل حزب ببرنامجه الخاص به ولكن عند تشكيل الحكومة من الأغلبية سواء كانت حزياً أو مجموعة أحزاب كما هو حادث اليوم، تقوم بصياغة برنامج يتم الاتفاق عليه من الشركاء في الحكومة، ويتم التصويت عليه في البرلمان قبل انطلاق عمل الحكومة، وقد يختلف برنامج الحكومة عن برنامج الأحزاب قبل الانتخابات، ومثال على ذلك في العدالة والتنمية وعد عند الانتخابات بدفع عجلة الاقتصاد بنسبة 7%، وعند النقاش بعد تشكيل حكومة الأغلبية تم الاتفاق على الالتزام أمام المواطن بدفع عجلة الاقتصاد بنسبة 0.5%.
وأشار إلى نقطتين مهمتين هما: - نختلف داخل التحالف الحكومي، ولكن لا يكون الهدف أبدأ التعويق، ولكن إنجاح التحالف وإنجاح الحكومة حتى نهاية مدتها . - تنافسنا كمتحالفين في حكومة واحدة يكون على برامج وليس على معتقدات. وقال: هناك قوانين تمر دون توافق داخل الائتلاف الحكومي، مثل قانون التعيين في المناصب العليا بالمملكة، وكانت الحكومة تستعجل إصداره، لكننا عارضنا ذلك الاستعجال وخرج الخلاف للصحافة، ولكننا لم نذهب بخلافنا إلى الشارع.
وأكد أن رئاسة العدالة والتنمية للحكومة دليل على أن الربيع العربي، حدث داخل المؤسسات المغربية ولم يأتنا من الخارج.
● مجلس المستشارين
يشبه مجلس المستشاريمجلس الشورى المصري، وكان بلا صلاحيات، ولكن بعد إقرار الدستور بات ذا صلاحيات لا تقل عن مجلس النواب ويتم انتخاب ٦٠% من أعضائه بصورة تصعيدية من المحليات، و ٤٠ يتم انتخابهم من الغرف المهنية (الصناعة والتجارة والخدمات والفلاحة).
التقينا مع رئيس مجلس المستشارين محمد الشيخ بيد الله، وهو من الصحراء كما أن هناك أعضاء في البرلمان ومجلس المستشارين من الصحراء. يقول رئيس المجلس : لم يكن البرلمان ملزماً بمناقشة ما يحول إليه من مشاريع قوانين من مجلس المستشارين، وبات اليوم وفقا للدستور الجديد ملزماً بمناقشتها ثم إعادتها لمجلس المستشارين لتعديل ما شاء عليها، ثم ترد للبرلمان للتصويت النهائي عليها، وأصبح رئيس الحكومة مسؤولا وجوباً عن الإجابة شهريا عن تساؤلات نواب مجلس المستشارين مثل البرلمان تماما، لكن مراقبة العمل الحكومي بقيت من صلاحيات البرلمان وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام، وهي أن المغرب هو البلد العربي الوحيد الذي يحظى بتمثيل برلماني داخل البرلمان الأوروبي وذلك نتيجة للعلاقات الخاصة التي يتميز بها المغرب مع أوروبا؛ إذ إن ٦٦% من المبادلات التجارية المغربية هي مع أوروبا، ولهم الحق في تقديم مقترحات بتعديلات على القوانين والقرارات، ولكن ليس من حقهم التصويت. وأخيرا، فإن المغرب العربي الكبير يضم ۱۰۰ مليون مستهلك وثروة ضخمة تتطلب تكاملاً اقتصاديا .. لو تحقق لحدثت طفرة عربية كبرى على شواطئ الأطلسي سينعكس أثرها - بلا شك - على المشرق العربي .
في الأعداد القادمة:
● زيارة لـ مدينة العلوم والتكنولوجيا .
● الصحراء المغربية..
مشاهدات ومفاجات