العنوان تبسيط الفقه - السلم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1972
مشاهدات 92
نشر في العدد 104
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 13-يونيو-1972
تبسيط الفقه
السلم
الحكمة في شرعيته:
وهذا نوع آخر من أنواع البيوع، يسمى السلم أي السلف، شرعه الإسلام تيسيرًا لحاجة الناس، وطريقًا للخلاص من الضوائق، فالحياة بين عسر ويسر، ومن معه الآن ما یشتري به قد لا يكون معه غدًا، وخاصة إن كان من أهل الزراعات والبساتين والتجارات الموسمية، ولكيلا يقع الناس في قبضة المرابين وأحابيلهم، شرع هذا النوع من البيوع ليأخذ المستلف ثمنًا، لما يرجوه من زرعه أو ثماره أو سلعة ليقضي به حوائجه الحالية، ثم إذا أتى موعد التسليم وحضور الساعة، أداها لمن أخذ منه ثمنها، وهو المسلم دون زيادةٍ أو نقصٍ.
ولكي يصان هذا البيع عن أن تُستغل فيه حاجة المحتاج، أو يكون سببًا للنزاع أو طريقًا لحيل المرابين، اهتم فقهاؤنا بوضع شروط له تضبط حقيقته وتحافظ على غاياته، وتضمن حقوق كلٍّ من المتعاقدين، استنبطوها -رحمهم الله وجزاهم خيرًا- من المصدرين الخالدين: القرآن الكريم والحديث الصحيح، وإليك البيان.
تعريفه:
«هو بيع موصوف في الذمة إلى أجل»، أما إنه بيع، فهو بين متعاقدين على ثمن ومثمن، الثمن هنا هو الشيء الموصوف الذي سيحدده البائع، بأنه مثلًا قمح من النوع الفلاني.
ثم يحدد الكمية على ضوء الثمن، الذي سيأخذه من المشتري وهو المسلم أو المسلف، وهذا الشيء الموصوف معدوم حال العقد غير حاضر، وبذلك افترق هذا العقد عن البيع، فإنه يكون على شيء حاضر، ثم يحدد المتسالفان أجل الوفاء مثلًا في الشهر الفلاني، وبهذا يتم عقد السلم».
دليله:
روى سعيد بإسناده عن ابن عباس قال: «أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله تعالى في كتابه وأذن فيه»، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: 282)، وهذا اللفظ يصلح للسلم ويشمله بعمومه.
وقال عليه الصلاة والسلام: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».
الصيغة التي يصح بها:
ويصح السلم بلفظه كأسلمتك هذا الدينار في كذا من الصنف وبلفظ السلف، لأنه حقيقة فيه وبأي لفظ جاز في البيع.
شروطه:
الشرط الأول: أن يكون الشيء المسلم فيه مما تنضبط صفاته، سواء كان هذا الانضباط يأتي عن طريق الكيل، أو الوزن أو القياس أو العد، وذلك يتأتى في الحبوب والثمار والثياب والحيوان وغيرهم.. كلٍّ بالطريق الذي ينضبط به.
روى عبد الله بن أبي أوفى وعبد الرحمن بن أبزى: «كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب، فقيل أكان لهم زرع أم لم يكن؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك» أما ما لا تنضبط صفاته كالبيض والرؤوس والأكارع فلا يجوز.
الشرط الثاني: ذكر جنسه ونوعه بالصفات التي يتميز بها، والتي يختلف بها تقدير الثمن، فمعلوم أن كل نوع يختلف جودة ورداءة وجدة وقدمًا، وأن الأغراض في الأصناف تختلف تبعًا لذلك.
الشرط الثالث: معرفة قدره بالمعيار الشرعي الذي يحدده وتسنه الدولة، ففي المكيل يرد قليلًا، وفي الوزن يرد موزونًا، وهكذا حسب ضبط كل نوع.
ولا يصلح العكس إلا إذا ضبطت القيمة بينهما وعرفت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فيسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم».
الشرط الرابع: أن يكون في الذمة إلى أجل معلوم.
أما شرط أن يكون في الذمة، فهذا حقيقته ولهذا شرع، لأن العين إذا كانت موجودة فلا مجال للسلم، وحينئذٍ يكون بيعًا.
وأما الأجل فلا بد أن يكون محددًا بالشهر، فلا يقال للحصاد أو عند حضور الباخرة أو عودة فلان، لأن هذه الأمور غير محددة، عن ابن عباس: «لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا لأجل معلوم».
الشرط الخامس: أن يكون هذا الشيء المسلم فيه، مما يوجد غالبًا عند حلول الأجل، لأن القدرة على التسليم شرط معتبر.
الشرط السادس: معرفة قدر رأس مال السلم.. لأنه من الجائز أن يفسخ عقد السلم، للتأخر مثلًا في التسليم، فيتحول إلى قرض يرد بدله.
الشرط السابع: أن يقبضه أثناء العقد وقبل التفرقة، لما علمت أن السلم شرع من أجل التيسير على المحاويج وهم المتسلفون.. فمحافظة على الغرض الذي شرع من أجله.. وحتى لا يقعا في محظور بيع الدين بالدين، وهو غير جائز، ولهذا قالوا: معنى الحديث «من أسلف في شيء، فليسلف» أي فليعط، لأنه لا يقع اسم السلف فيه، حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارقه.
بهذه الشروط السبعة التي بيّناها، تمت حقيقة السلم، ويصبح عقد السلم صحيحًا تترتب عليه آثاره.
وعند عجز المتسلف يُخيّر صاحب رأس مال، السلم بين الصبر وأخذ البدل:
وإذا تعذر وجود الشيء المسلم فيه، بأي سبب من الأسباب الطارئة، كجائحة بالنسبة للزروع أو غرفة للتجارة أو غير ذلك.. أو ظروف أحاطت بالمتسلف، جعلته غير قادر على السداد، إذا حدث هذا، يخير رب السلم بين الصبر وإعطاء المتسلف فرصة أخرى لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ (البقرة: 280)، وبين فسخ العقد وأن يأخذ ماله، أو بدلًا عنه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل