; تبسيط الفقه - الحَجْر | مجلة المجتمع

العنوان تبسيط الفقه - الحَجْر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1972

مشاهدات 86

نشر في العدد 106

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 27-يونيو-1972

تبسيط الفقه

الحَجْر

·     اهتمام الإسلام بالمحافظة على المال ونهيه عن تبذيره:

جعل الله المال قوام الحياة ووسيلة العمران، والسبيل إلى تبادل المنافع والخير بين الناس، وجاء الإسلام يؤكد العناية بأمره والاهتمام بتدبيره، فيقول النبي «ص»: «نعم المال الصالح للرجل الصالح»، ونهى المبذرين عن الإسراف فيه أو تبذيره، فيقول الله تعالى:  ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا(سورة  الإسراء: 26-27)، ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (سورة  الإسراء: 29) ومدح المعتقدين فيه الذين لا يبخلون به عن حق ولا يسرفون فيه ويتجاوزون الحد، فقال:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ ( سورة الفرقان: 67).

وحرم الاعتداء عليه وجعله قرين الاعتداء على النفوس والأعراض، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا».

ومن هنا كان لا بد لتشريع الاسلام وهو المهتم بالحـفاظ على المال -كأحد وسائل الحياة الأساسية التي يقوم عليها بناء الفرد والدولة- أن يصونه من الضياع ويحفظه من العبث فيتدخل حين يلزم الأمر، فيكف يد المدين الذي شارف على الإفلاس عن التصرف حماية لحق الدائنين، ويقيم وصيًّا على السفيه الذي انفلتت يده، فهو يبذر ماله دون دراية أو رعاية، وعلى المجنون الذي اختلت قواه العقلية فصار لا يحسن أخذًا ولا عطاء، وعلى اليتيم الذي فقد عائله مبكرًا، وعلى الصغير الذي جاءه مال وهو غير قادر على رعايته، يقول الله تعالى: ﴿ولَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ سورة النساء: 5)، نصت الآية على السفيه، وقِس عليه من يشترك معه في تضييع ماله لعِلَّة أخرى أو لظروف قامت به.

تعريفه: 

هو منع المالك من التصرف في ماله.

أنواعه:

الحجر نوعان: الأول حجر لحق الغير كالحجر على المفلس لأجل الغرماء، وعلى الراهن لأجل المرتهن، وعلى المريض لأجل الورثة.

والثاني حجر لحفظ نفسه ولصيانة ماله كالحجر على الصغير والمجنون والسفيه، وإليك بيان كل نوع:

النوع الأول

الحجر لحق الغير «المفلس»، وهو من كان دينه أكثر من ماله، واجب المدين الإسراع في وفاء دينه:

الدين غل في عنق صاحبه وقيد كريه في يده، وكما قيل «هم بالليل ومذلة في النهار»، ويكرهه الإسلام لغير حاجة ماسة، وقد علَّم الرسول «ص» أصحابه الاستعاذة منه في أواخر كل صلاة حثًّا للمسلمين على البعد عنه ما أمكن، وإذا أحوجت الضرورة أي مسلم للتداين كان عليه أن يسارع إلى السداد والخلاص منه، ويجب هذا ويلزم إذا حل الموعد وكان قادرًا على الوفاء، فإذا ماطل بعد طلب دائنيه كان ظالمًا متلاعبًا بالحقوق، يقول النبي «ص»: «مطل الغني ظلم».

وإن يئس الدائنون من وفاء المدين بحقوقهم وخافوا ضياع بقية ماله، كان لهم رفع الأمر للحاكم .

وعلى الحاكم أن يأمره بالوفاء، فإن امتثل وإلا أمر بحبسه، قال -صلى الله عليه وسلم: «لَيُّ الواجد ظلم يُحِلُّ عِرضَه وعقوبته» عرضه أي شكواه، وعقوبته: حبسه، فإن تصرف ووفى دينه وإلا حجر عليه، ثم باع الحاكم ماله ووزعه بين غرمائه؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- حجر على معاذ وباع ماله في دينه، وأما إذا ثبت إعسار المدين وجب إعطاؤه فرصة جديدة وحرم الحجر عليه، لعل الله ييسر له السداد، قال تعالى:

﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ ( سورة البقرة: 280)

إذا حجر عليه سن إعلان إفلاسه:

وحرصًا على عدم تورط المدين في معاملات أخرى ترهقه، ووقوع آخرين في معاملات جديدة معه حتى يخرج من ورطته، ويعود إلى حالة سن إظهار الحجر على المفلس وإعلان ذلك للناس.

وإذا تم الحجر منع المدين من جميع التصرفات.

وإذا ما طلب الدائنون الحجر على مدينهم وأُجيبوا إلى طلبهم صار مال المدين موقوفًا على حقوق الغرماء، فلا يمكن المدين من التصرف في ماله بالبيع أو الهبة أو الوقف، أما تصرفه في ذمته باتفاقيات بيع أو شراء أو إقرار، فيجوز مجرد الاتفاق، وينفذ هذا التصرف بعد زوال الحجر عنه.

وإذا وجد أحد الغرماء عين ماله عند المفلس فهو أحق به: وإذا وجد أحد الغرماء عين ماله عند المفلس الذي تم الحجر عليه فهو أحق الناس به.

قال «ص»: «من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره».

ولا يحل الدين المؤجل بالحجر:

ويتعلق الحجر على المدين بالديون التي حل ميعادها وجاء أهلها، أما الدين المؤجل فهو عند أجله؛ لأنه لا يلزمه الوفاء قبل حلول موعده، ولهذا فلا يحق لصاحب الدين المؤجل المطالبة به؛ فالمؤمنون عند شروطهم، ولأنه لا يجوز استغلال فرصة الحجر والإثقال على المدين، بل لا بد من الرحمة ومحاولة إنقاذ عثرته، ويباع مال المحجور عليه، ويقسم بين غرمائه بقدر ديونهم:

وبعد الحجر على المفلس ومنعه من التصرف في ماله يبدأ الحاكم بإعلان بيع ماله، وينبغي حينئذ إحضار المفلس أو وكيله، وكذا إحضار الغرماء ليشهدوا البيع، وذلك أطيب لقلب المفلس والغرماء وأبعد عن التهمة، ففي حديث أسقع قال عمر لدائنيه: «فمن كان عليه دين فليحضر غدًا، فإنَّا بائعون ماله وقاسموه بين غرمائه»، وبعد البيع يقسم المال على الدائنين بمقدار حصة منهم في الدين، ويترك المفلس من ماله أدنى نفقة له ولعياله إذا كان لا يقدر على الارتزاق بنفسه، أما إذا كان يستطيع الحركة والكسب فلا يترك له شيء ويقسم كل ماله على دائنيه.

 

الرابط المختصر :