العنوان تاريخ ما أهمله التاريخ ماذا حدث لمصر.. في غيبة الحرية؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1974
مشاهدات 75
نشر في العدد 211
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 30-يوليو-1974
قصّة الدكتاتوريّة والقهر.. والسّجن والظلام
الحلقة الثانية
يحكيها الدكتور عبد الله رشوان في محاضرة بنقابة المحامين بالقاهرة
الدكتور عبد الله رشوان من كبار رجال القانون في مصر وهو أحد الذين قاسوا التعذيب في سجون حكام مصر السابقين ألقى هذه المحاضرة في جموع غفيرة من القضاة والمحامين وأساتذة الجامعات الذين جاؤوا إلى القاهرة من المحافظات المصرية الأخرى وتجمعوا في نقابة المحامين برئاسة نقيب المحامين السيد مصطفى البرادعي والمحاضرة هي ضمن سلسلة من المحاضرات اعتادت النقابة على تنظيمها في هذه الأيام.
والمحاضرة يتناقلها المثقفون لأهميتها التاريخية ولأنها تكشف لأول مرة في صراحة ووضوح جانبا من تاريخ مصر بعد ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ له أبعاده الحضارية ومدلولاته التاريخية التي تخفى على كثير من الناس.
لذلك فقد رأت المجتمع أن تنشر هذه المحاضرة على حلقات تعميمًا للفائدة وإعلانًا للحقيقة وإبرازًا للوجه المخفي من سياسة أثرت ولا تزال تؤثر في أوضاع المنطقة.
اعتقال وتعذيب أطفال في السجن الحربي:
شاب مجاهد في فلسطين لم تنسب له تهمة، ظل على فترات في التعذيب يسألونه أین الأسلحة التي كنت تحملها في فلسطين سنة ١٩٤٨ ثمانية عشر سنة؟ قال لا أعلم إذن الزوجة وأنا أمسك عن التعذيب الذي حصل لهذه الزوجة، وقد سألته بنفسى وتحققت من غيري، الأطفال الصغار ٣٠٠ سنين، 5 سنين، ٧ سنين يرابطون بجانب الحائط ليلًا ونهارًا والكرابيج تشوى أبدانهم ثم يؤتى بأبيهم ليرى هذا العذاب حتى يفصح عن السلاح الذي كان يجاهد به في فلسطين سنة ٤٨.
اعتقال وتعذيب غلمان وطلبة:
زميل الزنزانة «١٤٧» وأنا أحفظ الأرقام- ويعلم ذلك إخواني الذين عاصروني فأنا أحفظ الأرقام والتواريخ جيدا - دخلت على سبعة.. أفحمت عليهم ليلًا.. طلع النهار فوجدت غلامًا صغيرًا طالبًا في الإعدادية من المنيرة– إبراهيم-.. شكله منهك.. حزنت وبكيت وقلت في نفسي إلى هذا الحد؟
هذا التلميذ الصغير جاءنا جزار البشر الذي تحدى الله سبحانه وتعالى وقال على الملأ «أن جاء ربكم أضعه في زنزانة» أخده الله أخذ عزيز مقتدر وجعل بدنه لمن خلفه آية، جاء هذا الجبار يمر على الزنازين صباحًا وحوله زبانية ۱۰،۸،۷ ومنهم عملاق بكرباج يسمى أمين، اسمك؟ صنعتك؟سكنك؟ كل ذلك ونحن وقوف على أقدامنا. فلان الفلاني، هذا الغلام الصغير ارتج عليه وارتجفت أوصاله وشحب لونه، ولم يدر كلامًا إطلاقًا فنزلت عليه الكرابيج، ظلوا يجلدونه وسقط وأخذوه ولا أدري من أمره شيئا لليوم أين هو.
دخلت عنبره الذي اسميه زنزانة 5 × 8 × 114 نفس، و ۱۱۰، و ۱۹۰ و ۱۸۰ يعني كل متر مربع لثلاثة فوجدت الكثير وجدت تلميذًا صغيرًا في الإعدادية - كان همي مع كل هذا العذاب أن أحقق لأني اعتبر ذلك مسؤولية علي كرجل قانون وكمواطن عادي من بين المواطنين - جئت إلى هذا الغلام اسمك يا بنى؟ فوجدته يبكي لا طعام عندنا ولا ماء ولا غطاء نحن ننظر والولد يبكي، نخلع ملابسنا بالعاطفة التي تعرفونها ونغطيه فينقلب ويبكـي فنرجع نغطيه ثانية، ما حكايتك؟
تصوروا حضراتكم واحد كان يصلي في مسجد رجل مدرس فاضل، يربي التلاميذ على الصلاة، اعتقل، ضبطوه يدعو الناس في الحج ويدعو للإسلام في المساجد، قالوا هذا تنظيم.. كل الطلبة.. طلبة هذا الأستاذ اعتقلوهم معه.. لكن هذا التلميذ ليس منهم.. اسمه رباعي في دوامة قرار 6 – 9 – 65، أرادوا طالبًا في مدرسة ثانوية اسمه علي محمد إبراهيم أبو العيش وصادف أن كان بجوار هذه المدرسة مدرسة إعدادية فيها طالب اسمه على محمد إبراهيم الجمل وهم من لهفتهم يريدون علي محمد إبراهيم فقيل لهم إنه نعم في هذه المدرسة - أي الإعدادية - وبعد البحث عرفوا انه يصطاف مع أهله في رأس البر... تحركت القوات، وحالًا في سواد الليل في رأس البر عرفوا العشة فأحاطوها.. العالم في رأس البر سهران.. قالوا لابد يوجد حاجة خطيرة .. جاسوس أو أي شيء آخر وجدوا الزبانية تخرج بغلام صغير لابس بيجامة قصيرة وكأنه نائم وأمه تصرخ وراءه.. فأخذوه وانتزعوه وجاءوا به إلينا.. ويدخل المحمصة الخاصة بنا لأن لنا محمصة! هل عملت حاجة.. لا.. تكلم..
بعد شهرين يا سادة يتبين لهم أن اعتقاله خطأ وأن المطلوب علي محمد إبراهيم أبو العيش تلميذ مثله لكن في ثانوي وقبض على أبو العيش وهذا رحل فورًا ومكث على ما سمعت خمسة أو ستة شهور ومشى لا أدري إن كأن هذا الغلام على قيد الحياة أو فارق الحياة.. هذا مواطن.
في ليلة في السجن الحربي - وهذه مجرد لمحات وفترات قليلة وكلمات وقطرات من بحور الأحزان يا سادة، وأنا إن أردت أن أتكلم فسأتكلم عشر سنوات ولا أفرغ إنما أنا مقيد بوقتكم الغالي - في ليلة وأنا أنظر من ثقب الزنزانة - لأن مهنتي هكذا ووضعي يدفعني إلى ذلك - تعذيب وصراخ في زنازين السجن الحربي فوجدت في الضوء الخافت تلميذًا ربما يكون إذا بالغت قد دخل التعليم الجامعي - عاريًا تمامًا ومربوطًا على عمود وحوله سبعة ثمانية بالكرابيج يجلدونه بها فلم أتحمل المنظر وبعد ساعات والضرب مستمر والتعذيب مستمر وهذا التلميذ مربوط بالعمود ورأسه لأسفل.
اعتقال وتعذيب الشباب والرجال:
في سنة ٥٤ سنة الموضة.. تقطيع النصف العلوي.
وفي يوم كنت أنزل راكضا من الزنازين فوجدت أحد رجال القضاء دكتور، وأستاذ جامعي ومستشار وموجود لمحني فجرى ووقف بجواري، أنا لمحته، فقلت ماذا جری؟ عينان جاحظة ورأسه مشرحة كلها وتقطر دمًا وهو يهمهم بكلمات لا تفهم من الدهشة والاضطراب ونصفه العلوي كله مشرح فوجدته في هذه الحال «النصف العلوي هذه كانت موضة سنة ٥٤» ويوجد آلاف الآن لو خلعوا ملابسهم - وأنا أخاف أن يحدث لهؤلاء الناس قبل أن تكشف الحقائق - فستجدون أجسامهم كلها مشرحة ومقطعة أما النصف السفلي هذا كان موضة سنة ٦٥ وكذلك الأرجل والأقدام.
وأذكر زميلًا في زنزانة ٤٩ ناظر مدرسة وجدت قدميه كتلة وعجبت كيف يصل جلد الإنسان إلى هذه المرحلة، وكيف أن البشر يصل به الحد إلى هذا القدر من التعذيب.. فهناك لا بشرية ولا إنسانية ولا آدمية ولا دين ولا وطنية ولا أي معنى.. هؤلاء الذين عذبوا هؤلاء الأبرياء المواطنين بهذا الشكل.
بطل مصري «وأنا أتكلم وثلاثة أرباع الموجودين يعرفون كيف أتكلم ويعلمون كيفية هذه الوقائع» بطل مصري في فلسطين قصته - وأقول بطل مصري فعلًا لأن الأبطال دائمًا وراء الستار إنما البطولات المزيفة هي التي تظهر على السطح - ضابط كان برتبة يوزباشي والتي هي الآن نقيب كان محاصرًا في الفالوجة مع قواتنا التي منها جمال عبد الناصر وزكريا محى الدين وصلاح سالم. استغاثوا بأحمد فؤاد صادق وقالوا له الطعام كاد ينفد والدواء نفد والذخائر كادت تنفد أنقذونا وإلا هلكنا، تقدم هذا الضابط البطل باقتراح عملية فدائية مضمونها سبعون جمل يحملون ذخائر وأطعمة وأدوية ومجموعة مقاتلة معها تنقسم إلى قسمين، قسم مع الجمال يقترب من الخطوط وكان هو على رأس القائمة التي دخلت في المعركة الانتحارية فأسره اليهود وهو جريح فعالجوه وبعد سنة فرجوه على إسرائيل كلها وبعد ذلك سلموه لمصر
هذا البطل العملاق يعرى في السجن الحربي على ملأ أمامنا جميعًا ويصلب ويربط ويجلد ويقطع جلده وبدنه وما صرخ وما استغاث لأنه بطل.
المجاري والمياه الباردة يدخل المواطن في زنازين لها أعتاب يملأونها بالمجاري والماء وهو عار في الظلام ويحبسونه فيها يومًا ويومين وأسبوعًا وأسبوعين، هذا الذي هو موجود الآن في الليمان والمزيفون يقولون إن فلانا دخل الليمان.. قلت لا.. لا.. تزيفون التاريخ هو لم يدخل الليمان لأنه عذب إنسانًا بريئًا وإنما دخل الليمان لأنه اقترب من كرسي الحكم.
يغمس المواطن في المجاري، ويغمر في أحواض الماء البارد في الشتاء عاريًا رأس المواطن تدق حتى الموت، وأنا واضع بين الأقواس الأسماء وأعرفها تمامًا، وأعرف أين عظامها الآن:
الضرب وقت الاحتضار يعذب المواطن وهو يحتضر ويضرب بالحذاء حتى يموت ولا أقول أسماء.
سلخ الجلد «مقاطعة من الحاضرين» يقول المحاضر: اتركني يا سيدي أنا أقدر على الكلام، أنا محام وضعت رأسي على كفي، لم يعد شيء يخيفني فيصفق الجمهور–
سلخ الجلد حتى الموت وبعد الموت واقعة يعلمها استأذنا نقيب المحامين
مواطن رجل قضاء مستشار يعذب حتى يقدم الاستقالة فيرفض يعذب، يظل يعذب فيرفض، فيأتون به ليمشي على جثث مسلوخة الجلد.
تقليع الأظافر.. نفخ البطون حتى العمى والشلل، الحرق بالنار وطفي السجائر في الأماكن الحساسة والجسم.. جسم المواطن.. جسم الإنسان معلق ورأسه إلى أسفل وعار ومعصوب العينين.
صدمات الكهرباء.. الكلاب هذه جزء من التعذيب.. هذا تاريخنا للأسف ماذا تصنع؟
عالم فاضل كان مرشحًا شيخا للأزهر، بعد قيام حضرة ٢٣ يوليو- وأنا أعني ما أقول - ولكنه عالـم فاضل زاهد في المناصب وكان هو الذي اختير في لجنة الدستور لجنة الخمسين التي عينت في ديسمبر سنة ٥٢، هذا الرجل الفاضل لم يرتكب إثمًا يجلس في بيته، وبيته مسجد للجميع يطرقه كل الناس، هذا الرجل يوضع في زنزانة، رجل ثمانون سنة ضعيف البدن هزيل نحيل يوضع في زنزانة انفرادية ويحبس معه ستة وعشرون كلبًا، جاءني ضابط مهندس من الذين أخذوا واعتقلوا لأنه كتب في استمارته أنه متمسك بدينه ويقيم الشعائر الإسلامية من ميت غمر وأعرفه كان معى في زنزانة ٤٩ قلت له حدثني وإياك أن تزيف حتى لا نكون مزيفين ومهرجين ودجالين.. احذر لأننا سنعرض على الله في يوم من الأيام، يحاسبنا على الكلمـة الخاطئة والكلمة الزائفة قلت: هل عددت الكلاب فأقسم لي أنه حرص على ذلك لأن زنزانته كانت مقابلة لزنزانة الشيخ في سجـن «٤» حيث الزنازين قريبة من بعضها وليس فيها مكان واسع كالسجن الذي كنا فيه.
قال عددت ستة وعشرين كلبًا خرجوا من زنزانته والزنزانة لا يوجد فيها طعام ولا ماء ولا غطاء ولا فراش ولا شيء على الإطلاق.
وتأتي النيابة العامة صباحًا للتحقيق ويريدون إخراجه ليسألوه وفي ماذا يسألوه، والشيخ هذا ما الذي صنعه، وماذا يمكن أن يصنع.. لأنه عنده مسجد والناس يصلون فيه والمساجد في الإسلام يا سادة إذا قفلت دون مسلم فالصلاة فيه تبطل على رأي كثير من الفقهاء، أي إن المسجد مفتوح لجميع المسلمين ولا يجوز أن تقفل مسجدًا في وجه مسلم يريد الصلاة، رجل بيته مسجد، وجريمته أن ناسًا صلوا في مسجده، ومن الذين ارتكبوا الآثام التي يتحدثون عنها ومنها التبرعات والكلام هذا كله.. جاءت النيابة لتحقق معه وقد أخذوه قبل الفجر وسلطوا عليـه الخراطيم لإزالة فضلات الكلاب عن ملابسه وحتى يجف إلى الساعة العاشرة حين يأتي وكيل النيابة بك. مدير القسم الطبي في بورسعيد.
يخرجوننا في نوفمبر وديسمبر من السجن في طوابير الصبح.. الله أعلم إن كنا دخلنا الدورة، إن كنا أفطرنا نخرج جريًا لأجل الطوابير بالخارج، ويحضر ضباط عظـام أركان حرب بالشريط الأحمر، ونحن طوابير نجري في وسط طوابير أخرى تضرب بالسياط ثم في نفس الوقت تدار أسطوانة يا جمال بأمثال الوطنية، أجمل أعيادنا القومية بنجاتك يوم المنشية.. إنه النفاق الذي وضع القصيدة، ونفاق التي غنت بالقصيدة.. نحن ليس عندنا كبير ولا صغير هنا في الحق أبدًا، ولا نجامل فيه.
الكلاب ما حكايتهم؟.. يأتون بالأعلام الكبار أساتذة الجامعة، كل ثلاثة أو أربعة طوابير ما يستروا عليهم.. الذي يأتي وظهره مكسور والذي ذراعه مكسور.. أستاذ قانون، لكن میت يریدونه میتًا.. الضباط الكبار يأتون من الثكنات سنة ٥٤ وكانت الثكنات موجودة في ميدان العباسية يأتون ذرافات ووحدانًا يتراقصون ويتمايلون، كنت أقول هؤلاء لا يمكن أن يأتي على أيديهم نصر، إنما الهزيمة المنكرة، يتمايلون على الغناء، ويطربون للألحان، الكلاب تمشي مع العساكر مع حمزة البسيوني بين الصفوف، حمزة البسيوني واقف ومعه كلب، ينظرون إلى الطوابير.
لماذا؟ ربما واحد مثل عبد الله رشوان مکار لا يغني، يسلط عليه الكلب ينهشه فجأة ما رأيكم؟ ستقولون أنت حضرت الطوابير؟ نعم. نهشتك الكلاب؟ لا، لماذا؟ لأنني حرفت في اللحن، ومع اللحن جموع، يصل إلى أربعة آلاف أو خمسة آلاف.. كنت أسير وأفتح فمي وأطلق صوتا آ آ فمي مفتوح واللحن شغال.. والله أنا أقول لكم بعض هذه الأمور من الحقائق المرة حتى لا تملوا..
النهش في التحقيق، الكلاب كانت تنهش في المسجون في التحقيق.. وكلاء النيابة العظام، ورؤساء النيابة والمستشارون موجودون.. موجودون في القضاء ومعروفون بالاسم، كانوا يذهبون إلى السجن الحربي ويحققون ويرون هذه الأشياء.. رئيس النيابة في هذا الوقت كان يذهب، ويأتي إليه المواطن مشرحًا.. الكلاب كان لها دور كبير في هذا.. السياط والحديد والعصى وكل شيء يستعمل، الجلد والتعليق.. ويحضرني في هذا واقعة طريفة ومرة ومبكية..
في يونيو سنة ٥٥ كانوا يأتون إلينا وقد كنا ١١ في زنزانة.. كانوا يأتون إلينا بشقة بطيخ واحدة تعبانة.. طيب كيف تشقق؟ واحد هداه تفكيره، والتفكير يشتغل في هذا الوقت وجد تحت باب الزنزانة صفيحة قطع منها قطعة، وقطع بها شقة البطيخ وكثير من السجناء قلدوه. جاء تفتيش علينا ومن نكد الدنيا أن تظهر الحقائق ويظهر الجبارون والدجالون .
ويشاء القدر أن تضبط الصاجة صباح يوم 23/7/55 فتنزل جموع ومئات إلى حوش السجن الحربي من المساجين للتفتيش يخلعون ملابسهم كلها دون ترك أي شيء ويعلقون أرجلهم إلى أعلى والميكروفونات تشتغل يخطب المشير الصبح والخطبة الثانية كانت بالليل.. والمشير يقول على نمط الزعيم: خلقنا فيكم العزة والكرامة، لم تكن عزة ولا كرامة، نحن خلقناها فيكم قلت: سبحانك يا رب، عجيب.. الشعر، اللحية، شعر الرأس، وشعر الجلد يقلع وأنت مغمض، أنظر حين يقلع الشعر، شعرة شعرة وأنت مغمى، الشعر كله يقلع.. أنت تقلع شعرك، أو شعر غيرك، وغيرك يقلع شعرك.. بعيني رأسي رأيت ذلك ويحاسبني ربي.. يشعل عيدان الكبريت في الذقن وشعر الرأس.. عجيب.. تضرب نفسك وتضرب غيرك بقسوة «....» يقطع وأمسك هنا ولا أقدر على الكلام.. برك الدماء تنزل، والجثث معلقة، جثث الأبرياء «الغلابة» تكسير البدن، الظهر والساق والذراع.. تعذيب حتى العمى وفقد الأعضاء والعجز.. وقد وضعت أمثلة لكل هذه الأشياء.
من الذي عمل؟ ومن الذي فقد عضوًا؟ و الذي عجز؟ ومن الذي کسح؟
منهم واحد فلسطيني «غلبان» صالح يصلي يجرونه على الأرض، لأن الجزء الأسفل البارد عجز تمامًا من الماء البارد والتعذيب.. الصلب على الحديد، المواطن منا في المحمصة لا أريد أن أعدد وأقول الحربي وأبو زعبل وليمان طرة كلها قرف في الحديد تنزع ملابس المواطن، ورجل القضاء، والمستشار والعالم في الطب الذي يمكن أن تنتفع به بلاده، الحاصل على أعلى الدرجات العلمية في الداخل والخارج، يعلق على الحديد وجسمه مشرح يعلق ١٦ ساعة أعجب وأقول سبحانك يارب ١٦ ساعة يعلق الإنسان على الحديد مربوط من يديه ورجليه بشكل معين معلق على الحديد.. زحف على جرى فوق الظهور، يوضع الأبرياء والعساكر تجري فوق ظهورهم، الوقوف في الشمس الحارقة والبرد القارس في الشتاء يعذب المعتقل بغير جزيرة تبقى واقفًا ولا تحرك يدًا، ولا رجلًا ولا أصبعًا،
مجزرة التعذيب مساء الأحد والإثنين ۱۸ و ۱۹ أکتوبر سنة ٦٥ حصلت مجزرة عجيبة وأنا أعرفها، وأنا حضرتها، يخرجون المساجين من العنابر، وقد عصبت أعينهم ويؤمرون بالزحف، كبيرهم وصغيرهم ومعنا الولد الصغير الذي تحدثت عنه، ويظل الضرب حوالي نصف الساعة وأنت عيونك معصوبة لا تدري من أين يأتيك الضرب، على رجليك وعلى دماغك وعلى وجهك.
شيوخ فوق السبعين، وفوق الثمانين، فواحد عمره ٨٥ سنة وقد سألته وسألت جيرانه کم عمر هذا؟ مات وخرج جثة تسلمها أهله، ومنهم الضرير، ومنهم شيخ المعهد.. هؤلاء الشيوخ طوابير تعصب أعينهم وتنزع الملابس ويصيحون عرايا، والذي يحاول ستر عورته يضرب، وأنا في عنبر وأرصد بعيني، وأرجو أن يعطيني الله عشر سنوات من العمر.. وأنا أرى هذا المنظر كله.. عجيب، عجيب جدًا.
جماعة في..؟.. ليس لهم علاقة لا بالهيئات، ولا بالأحزاب جاؤوا بهم، لأنهم ليلة العيد يأتون بفقيه «قارئ للقرآن» بعد أن يحيي ليالي رمضان معهم، ليلة العيد يختمون قراءة القرآن بأن يطوفوا بالبلد ويقولوا الله أكبر ولله الحمد ويصلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا كل الذي فعلوه، وما داموا قد قالوا الله أكبر ولله الحمد النار اشتعلت فيهم، وجاؤوا بهم جميعا إلى السجن.
فيه شيخ كبير داخل زنزانة مظلمة في القلعة يشكو ويقول: لا يوجد نور..
«الزنزانة ليس لها أي فتحة سوى ثقب صغير في الباب، يقفل هذا الثقب من الخارج بأيدي الحراس» وبقي الشيخ ملقى في الظلام، النساء والأطفال لم ينج أحد من هذا الكرب.
البدن من حقه أن يستر «ونحن كنا نتكلم عن حاجات الإنسان الضرورية قبل قليل» البدن كان يعرى في التعذيب، ويعرى في الاستقبال تعرية كاملة، وبعد هذا يلبسوننا أسمالًا بالية، وأخاف أن أقول عنها فيسرعوا بالتصرف فيه،
حاجات الإنسان من الطعام والشراب:
الطعام حاجة من حاجات الإنسان، يجلس الواحد ثلاثة أيام دون طعام.. وجدت إخوانًا أول ما جئتهم يوزعون علي، فقلت: إن كل واحد منا سيأخذ نصيبه، فقالوا: لا. فقلت: لم؟ فقالوا: أنت ليس لك أكل لمدة ثلاثة أيام. لن يأتي لك أكل إلا بعد ثلاثة أيام. وإن كنت في سجن انفرادي ستجلس ثلاثة أيام دون أكل ولن يستطيع أحد أن يقاسمك نصيبه وصدقوني أنا جربت هذا في القلعة، في أي وقت؟ بعد النكبة وبعد الهزيمة في ٦٩ مساء الاثنين والثلاثاء ۱۱، ۱۲ أغسطس سنة ٦٩ ومن شدة العطش خيل إلي وأنا بالسروال فقط، لا غطاء ولا أي شيء لان الجو حار، ولا يوجد أكل ولا شرب وأيقنت أني سأموت من العطش، وفي الزنزانة وفي الليل ولا يوجد غيري. وخيل إلي أن السقف سينزل فوقي يحطمني، وخيل إلي أن حفر الزنزانة في سقفها أحجارًا ستنزل فوق رأسي.. ولقد رحمني الله، لأن الشعب المصري لا يزال فيه خير وأن قلة فيها الأجرام، تعرفون حضراتكم وأنا ميت في هذه الحالة أقرع الباب بهدوء هكذا.. جاءني الضابط ملهوفًا: ماذا تفعل؟ ماذا تقول؟ أدخل.. إياك أن تقرع الباب! وقد لاحظ المخبر هذه الحكاية.. فقلت له: إنني سأموت من العطش، ولاحظ المخبر وهو ضابط رائد ما أنابه فسرب إلى كوبًا خفية ما ذقت في يوم في حياتي في عمري حلاوة كحلاوة هذا الماء. لا أعرف ما هي؟ المهم كوب صغير هكذا..
وبمناسبة هذا وحتى تعرفوا أن الخير موجود أيضًا، ونحن في محمصة أبي زعبل نموت من العطش فواحد- الله يكرمه- بحث عن ماسورة مجاري غطاؤها مرفوع، فمد يده لا يعرف نوع هذا الماء.
ماء ملوث جار فمد يده إليه جاء مخبر اسمه فوزي عرف هذه الحكاية، فجاء عند الفجر إلى واحد سيموت من العطش وقال له: الكل نائم ولن يراك أحد. اعمل كأنك.. ثم تشرب يا أخي!!! ضبطوا هذه الواقعة، فعلق فوزي المخبر على الحديد معنا، وطرد بعد هذا، ولا أنسى أيضا العسكري رمضان في السجن الحربي الذي صمم على ألا يمس بدن مواطن على الإطلاق، عسكري بسيط مصري، كان يصلي.. الزنزانة التي كنا فيها بجانب الدورة رقم ٤٩ وبجانبنا السلم وأنا حريص على النظر من الثقب نفسه، وحريص على ألا يراني أحد. نكبة علينا لو رآنا أحد.. العسكري يأتي متخفيا تحت السلم خائفًا ويصلي وهو في رعب فقلت: هذه هي التي جعلته لا يضرب أحدًا.. واحد آخر مثلي من دكرنس عسكري كان يدارى ويأتي ليضرب ويقول يا أخواننا أتظاهر بالضرب القوي وأخفف الضرب حين يقع على الجلد، مصر فيها خير يا أخواننا.. الشعب المصري طول عمره شعب عريق، ولكنه يبتلى للأسف الشديد، نحن هزمنا من أنفسنا ولم يهزمنا أحد.
الخبز والعيش الرديء قليل.. فالولد الصغير الذي حدثتكم عنه نزيل الزنزانة ١٤٧ كان حين يشم رائحة الأكل يبكي من الجوع قبـل وصول الأكل إليه بساعة ونصف حتى يأتي دوره وهو يبكي وراء باب الزنزانة.. فيفتت أكبادنا وفينا الذي عنده أطفال وأولاد يبكي لأنه يريد أن يأكل.. أول ما ترمى وجبة الأكل يسرع في الأكل.
واحد مدرس معي في الزنزانة ٤٩ يأتي في الليل في شهر رمضان، وكانوا لا يأتون إلينا بالأكل إلا حوالي الساعة ١٢ ليلًا لا ماء ولا أكل ولا شيء في الليل نحن صائمون.. يضعون بالمغرفة طبيخًا يعلم الله به ويسقطونه على قصعة صغيرة مخصصة لـ ٧ أو ٨ فينزل الطبيخ من فوق يتناثر ثلاثة أرباعه وخلفهم تمشي الكلاب.. وقد رأيت بعيني رأسي من يتناول الأكل الذي وقع على الأرض ويشترك مع الكلب يلعق ما وقع على الأرض، وهو يزاحم الكلب من الجوع.
رأيت طلبة أحدهم من الأزهر يسرعون إلى الدورة وعينهم على حلة قديمة فيها عظم باق من أكل العساكر الذين أكلوا اللحم ورموا إلينا العظم.. وهذا العظم في الحلة وينزل الطلبة يركضون معتبرين هذا فرصة «يقرقشون» العظم والكلاب معهم، وجدت طالبا منهم ساكنا في شبرًا لا يستطيع أن يدفع الكلب فهو يمسك بطرف العظمة والكلب يمسك بالطرف الآخر، إنه الجوع هذا عاركم وهذا تاريخكم!
كانت توضع شجرة الخضار في قدر الطبيخ دون غسل أو تهذيب من الطين ونراها بعد الطبيخ، في الطبق المخصص لـ ٧، ۸ شجرة الخضار كما هي، لا تعرف ما شكلها؟ فكنت أرفعها فأجدها كتلة واحدة ومعها قليل من الماء.. الفول كانوا يأتون به بحاله من الشوالات ومن المخازن والمتعهدون الذين لا يوجد عندهم ضمير يخلطونه بالتراب حتى يكسبوا النقود، كانوا يضعونه في الحلل ويأتون به إلينا وفيه الفئران والصراصير.
وكان معنا نجار من بلقاس تبع شربين ظل يتقيأ أسابيع لا أدري ماذا حدث له بعد ذلك من هذا المنظر؟
اللحم المجلوب كان لحما أسود لا يتصور عقلك يومًا من الأيام أن هذا لحم لمخلوق حي ولا جيفة.
والأدهى من ذلك وأمر محام من تلاميذي كان يتمرن عندي في المكتب، يطلعني على ذبيحة كاملة كما هي مكسرة كلها بأمعائها وأرجلها وجلدها وشعرها وكل شيء فيها موجود، وقال لي: تفضل يا سيدي هل تتصور أن مثل هذا يأتي لآدميين؟!
جلسنا أيام التحقيق مع النيابة العادلة، جاءت النيابة في أبي زعبل تحقق، وقالوا في أيام التحقيق يجب أن نأكل «مش» والمش بدودة وبقينا نأكل الخبز دون المش.. حيث وبعد ذلك أكرمني ربي فذهبت إلى جحيم السجن الحربي، حيث طلبوني إلى هناك..
الماء نحرم منه لأيام، يأخذوننا في سنة ٥٤- وقد حضرها واحد من أئمة الإعلام لأنى أنعي عليه النفاق، وهو الآن من أئمة الإعلام الكبار - يجري وقد أقسم هو بأنه بعد الجري ۷ أو ٨ ساعات جاء جريًا إلى دورة المياه، وشرب الماء الذي في الأرض جنب الحائط في الدورة وشرب من أحواض الغسيل التي تعرفونها من العطش ولأنه كاد أن يموت.. أنه علم الآن من الإعلام يعمل دعاية، وهذا مأخوذ عليه. الماء يأتي إلى الزنازين المقفلة علينا في جرادل المطاط التي منها للماء والأخرى لقضاء الحاجة كانوا يأخذونها أحيانًا ويعيدونها فلا تدري بعد إعادتها أيها كان للماء؟ وأيها لقضاء الحاجة؟ وقد أصبحت هذه الصورة مسألة عادية.
تجد الفئران ميتة والكلاب ميتة مرة في الليل والصلاة كانت ممنوعة، وكتاب الله ممنوع في الحربي، فكنا نصلي سرًا، وكان واحد يصلي ليلًا ويتهجد ويقرأ القرآن، اكتشفوا أن واحدًا يصلي، وإذا بالعذاب على الأدوار الثلاثة ونجلس محبوسين في الزنازين من صباح الإثنين 274/12/54 إلى الجمعة 1/1/55 خمسة أيام ونحن محبوسون عقابًا لنا لا نذهب إلى الدورة ولا أكل ولا ماء كل مائة لهم خمس دقائق فقط.
الرابط المختصر :