العنوان تاريخ الصحوة الإسلامية (1)
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1999
مشاهدات 82
نشر في العدد 1352
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 01-يونيو-1999
الصَحْوة: لغة: من الصَحْو، وهو ذهاب الغيم وارتفاع النهار.. وذهاب السكْر.. وترك الصبا والباطل.
وفي الاصطلاح: هي اليقظة، تصيب الفرد أو الأمة، بعد سنَة وغفلة وتخلف وتراجع.. ويشيع إطلاقها -في واقعنا المعاصر- على نزوع أمتنا إلى النهضة الإسلامية بعد عصر التراجع الحضاري، الذي امتد تحت حكم العسكر المماليك والسلطنة العثمانية.. وهي صحوة تجاهد على صعيدين، وفي جبهتين:
١- صعيد وجبهة التخلف الذاتي الموروث عن حقبة التراجع الحضاري.
٢- وصعيد وجبهة التحديات الغربية التي تريد تهميش دور الأمة الإسلامية وإلحاقها بالتبعية للغرب، ليتأبد استغلال الغرب وهيمنته على عالم الإسلام.
ووصف هذه الصحوة بالإسلامية، إنما يأتي تمييزًا لها عن مشاريع النهوض التي اختار أصحابها المذهب والفلسفات الغربية مرجعية لدعوات النهوض ونماذج التحديث التي يبشرون بها: ليبرالية.. أو اشتراكية.. أو قومية.
الصحوة الإسلامية هي ذلك التيار العريض -المتعدد الفصائل والمستويات- الذي يسعى إلى تجديد الدين الإسلامي لتتجدد به دنيا المسلمين.
ولما كانت سُنّة الله سبحانه وتعالى، في مسارات الأمم والحضارات هي «سنة الدورات» التي تتداول فيها الأمم والحضارات فترات وحقب التقدم والتراجع، والصعود والهبوط. والنهوض والركود، والحياة والموت، وهي السنة التي أشار إليها القران الكريم عندما قال:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 140).
﴿وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ (محمد: 38)
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: 251)
والتي بيّنها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «لا يلبث الجور بعدي إلا قليلًا حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لم يعرف غيره، ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره» (رواه الإمام أحمد).
إذا كانت «سُنّة الدّورات» هي التي تحكم مسارات الأمم والحضارات، فإن هذه السنة تقتضي «الصحوة» و«اليقظة» و«التجديد»، خروجًا من مراحل ودورات «الغفلة» و«التراجع» و«الجمود»، فصحوة التجديد هي الأخرى سنّة من سنن الله في الاجتماع الإنساني وفي مسارات الحضارات، وعن هذه الحقيقة التي يؤكدها استقراء مسارات الحضارات الإنسانية، ينبئ حديث رسول الله ﷺ الذي يقول: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (رواه أبوداود).
وإذا كانت الحضارات الإنسانية هي مواضعات بشرية وإبداعات مدنية، لا توصف بالخلود ولا بالإطلاق، ومن ثم يجوز عليها الموت وإخلاء الطريق لحضارات أخرى وارثة لأممها وشعوبها وتاريخها، بمعنى أن سنة الصحوة والتجديد قد تأتي في صورة تداول الحضارات، لا بعثها وتجددها.. فإن الحضارة الإسلامية، وأيضًا اللغة العربية -مع أنهما مواضعات بشرية وإبداعات إنسانية- هما استثناء من مصير موت وفناء الحضارات واللغات، فالعاملة فيهما هي سُنّة البعث والصحوة والتجدد، لا سنّة الموات، وذلك لارتباطهما بالمطلق الديني -وهو الإسلام الخالد والخاتم، والقرآن الكريم الذي تعهد بحفظه وجعله بلسان عربي مبين-، ولذلك كانت الصحوة وكان التجديد سنة مطردة وقانونًا لازمًا في مسار الحضارة الإسلامية، يقودها إلى النهوض بعد كل ركود، وهذا هو الذي جعل حضارتنا الإسلامية -ومعها اللغة العربية- أطول الحضارات المعاصرة عمرًا، وأرسخها قدمًا على درب النهوض من العثرات، وأكثرها استعصاءً على فقدان الهوية والخصوصية لارتباط ذلك فيها بالمطلق الديني والخالد الإلهي.. فهي إبداع مدني بشري، حفز إليه وصبغه وحدد معاييره الوضع الإلهي المتمثل في وحي الله ونبأ السماء العظيم، وتلك خصيصة لحضارتنا الإسلامية تفردت بها دون كل الحضارات.
وإذا كانت الحقبة «المملوكية- العثمانية» قد مثلت مرحلة التراجع في مسيرة حضارتنا الإسلامية، فإن بواكير الصحوة الإسلامية قد بدأت في بلادنا منذ أكثر من قرنين من الزمان، وفي استطاعة المؤرخ لهذه الصحوة أن يتخذ من نداء الشيخ حسن العطار (١١٨٠-١٢٥٠هـ/١٧٦٦-١٨٣٥م) أواخر القرن الثامن عشر الميلادي علامة على مرحلة التبلور لبواكير هذه الصحوة.. ذلك النداء الذي قال فيه هذا الشيخ الرائد: «إن بلادنا لا بد أن تتغير، ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها».
ولقد كان تلاميذ الشيخ حسن العطار- وفي طليعتهم الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي «١٢١٦-١٢٩٠هـ/ ١٨٠١-١٨٧٣م) الذين سعوا إلى تجديد «الذات الإسلامية» بالإحياء وإلى الاستفادة من علوم المدنية الغربية -علوم الواقع والتمدن المدني- بالتفاعل- وليس بالمحاكاة والتقليد- كانت هذه المدرسة في طلائع وجذور الصحوة الإسلامية الحديثة والمعاصرة.
فلما حدث وعاجل المد الاستعماري الغربي مشروع النهضة، تسلم ريادة الصحوة تيار الجامعة الإسلامية، الذي تبلور- شعبيًّا- عبر العالم الإسلامي- حول جمال الدين الأفغاني (١٢٥٤- ١٣١٤هـ / ١٨٣٨- ١٨٩٧م)، والذي كان الإمام محمد عبده المهندس الأول لمشروعه الفكري النهضوي.. والذي حملته إلى العالم الإسلامي- على امتداد أربعين عامًا- مجلة «المنار» التي رأس تحريرها الإمام محمد رشيد رضا (١٢٨٢-١٣٥٤هـ/١٨٦٥-١٩٣٥)، ثم أسلم أمانة هذه الصحوة إلى الحركات والتنظيمات الإسلامية الحديثة- سواء منها تنظيمات الصفوة أو التنظيمات الجماهيرية، تلك التي نشأت عقب عموم بلوى الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي- إبان الحرب الاستعمارية العالمية الأولى (١٢٣٢- ١٣٣٦هـ/ ١٩١٤- ١٩١٨م)، وبعد إسقاط الخلافة الإسلامية (١٣٤٢ ه- ١٩٢٤م).