; تاريخنا.. والمناهج الدراسية | مجلة المجتمع

العنوان تاريخنا.. والمناهج الدراسية

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر الجمعة 30-نوفمبر-2012

مشاهدات 1

نشر في العدد 2028

نشر في الصفحة 36

الجمعة 30-نوفمبر-2012

تاريخنا.. والمناهج الدراسية

أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

بينما أَتَتَبَّعُ مَوْضُوعًا تاريخيًا، مراقبًا مجْرَياتِه ومُقَلِّبًا أحداثه فكرت في التاريخ - التاريخ الإسلامي بالذات - وكتابته والمؤرخين قديمًا وحديثًا، رَجَوْتُ الخير لذلك كله ولقواعد هذا العلم ومواصفات كتابته بأمانة ودراية وقوة، ولكافة هُمُومه الأخرى.. نَظَرْتُ في كل ما يجب علينا نَحْوه، فإذا ميادينه ما زالت لها مطالبها الملحة، لكثرة ما أحيط به من تجريح وجهل وإهمال، يجعله شديد الحاجة إلى كشف هذا الزيف وإظهار حقائق تاريخنا الباهرة، وبيان روائعه

وحضارته، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾ (الصافات: 61).

التاريخ الإسلامي تعرض لحرب ضروس من الغرب وأثاروا حوله كثيرًا من الشبهات الباطلة

لقي تاريخنا الإسلامي رغم نَصاعته وسماحته وتميزه في كريم خطه، أساسًا بشكل عام، عَمَّا عَدَاهُ مِنْ تواريخ الأمم الأخرى جميعًا، حتى في حالة كَبَوَاتُه ومُنْحَدَراته دونما المؤامرات حوله وشبهاته التي القيت عليه، شدائد الحرب الضروس العنيفة المبيرة المبيدة، تزويرًا وتَغْرِيرًا وتدبيرًا، بأساليب ملتوية مُثْقلة، شُبَها مفتراة مزورات، بعد التجهيل والتهويل والتدجيل، أظهرته أسود قاتمًا ومهلهلًا تالفًا مُخيفًا، يَقْطُر دَمًا، مُنَفِّرًا مُقَزِّرًا مرعبًا ، جَعَلَتْ الأَوْلَى به أن يكون مَهْجُورًا مَطْمُورًا .. أظهرته غير حقيق بالإهتمام ولا حتى الإقتراب منه أو بذل الوقت لأجله دراسة ومتابعة وتأليفًا، ينسحب ذلك عندهم على الإسلام نفسه، الهدف الأساس لهم، حاشاه ما أَرْساهُ ما أعلاه ما أحلاه!! لا يُغَيّر مِنْ كل ذلك شَرِّوَى نَقِيرٍ مِنْ حقائقه، لو يُذِلَ الجهد في نجدته وخدمته وإظهار وقائعه التي به يغدو مَرْفَا وَمَلْجَأَ وَكَهْفَا تَأْوِي إليه الأمة، للإعتبار والإنتفاع توثيقًا لإنطلاقة جديدة، خلال جولة الأمة، فيما تُقبِل عليه في الحال والإستقبال وتحقيق الآمال لحسن المآل إن شاء الله تعالى.

الأمر بحاجة إلى عملية إنقاذ سريعة لكرائم هذا التاريخ البر الوجيه بفرائده البارة الباهرة، وإنقاذه أولًا مما ألم به من إساءات بما يَتَّبِعُهُ بعضُهم من أساليب مجحفة: ظاهرها فيها المديح المُخادِعُ وباطِنُها الهَدمُ الملتوي الحقود.

يجتهدون في العمل على تجنيد مَنْ يؤدي دورهم من المحسوبين المزورين الملصقين بأبناء جلدتنا العاقين، ليس لهم من خلالها شيء خالصًا.

كانت هذه واحدة من أساليب حربهم العُدْوَانِيَّةِ ضَدَّ الإسلام، لا يَفْتَؤون ولا يَفْتُرون ولا يسأمون منها، سيما هذه الأيام، مدعين العلمية والموضوعية والحياد، يكيلون المديح تخديرًا واستنامة وإسترخاء عندها يبدؤون بالأسلوب المبطن أو المعلن، الهدف دومًا، واحد مبتدئين تمزيق أنصع صفحات التاريخ الإسلامي وما أكثرها الجذابة المؤثرة الغلابة، التي تتجلى وتَتَجَلل فرائدها الإنسانية العجيبة بالإبهار، تتمثل بأعلى ما عَرَفته الحياة المتحضرة الكريمة، علمت الإنسانية ما لم تكن تعرفه أو تَتَخَيَّلُهُ أو يَخْطر لها على بال.

هذا ما قام به أعداء كثيرون منذ القديم تولته جيوش الإستشراق والتبشير (التنصير) تَزاوُجُ سفاح مُباح خُدع بمداهناتهم بعضُ مَنْ يُحْسَن الظن بهم من أمثال الأستاذ العقاد مثلًا في كتابه «ما يُقال عن الإسلام«

جهز هؤلاء الأعداء لهذا الأمر جُنُودًا مختشدة إجتمعت عليه الصليبية العالمية والصهيونية العالمية والعلمانية العالمية، كل ذلك الذي حَمَلَتْه رايات الإستعمار الأشر، بإعتبار التاريخ الإسلامي يحمل الصورة العملية للإسلام، كلما تم الإلتزام بشرائعه.

الإستفراد بالتاريخ الإسلامي

من هنا كان التركيز على التاريخ الإسلامي بهذا الإعتبار، إذ إنه أسهل وأستر من غيره من فروع الدراسات الإسلامية.

ركزوا في دراساتهم على الجانب السياسي وَحْدَه عمومًا، دونما الحضاري والمجتمعي الإنساني الخُلُقي السلوكي بكل جوانبه وأحواله وميادينه البارعة المتنوعة الغنية، حتى بمعلوماته المتنورة، وإن كانت متناثرة مبعثرة أحيانًا تقريبًا، بذلك حيث يغدو أنه ما زالت الدراسات الحضارية الإسلامية تشكو منه حتى اليوم، بشكل شامل وغالبًا في جامعاتنا كافة تقريبًا، الجوانب الحضارية الإسلامية الحقة لا تكاد تُذكر أو تُعرف أو يُمر بها، حتى بعض المتخصصين، موضوعات مثل: القضاء والإدارة والتنظيمات المتنوعة وأساليبها والعلاقات الدولية والدبلوماسية.

من أجل ذلك أسس هؤلاء الأعداء المعاهد والمراكز والأقسام الدراسية، أنفقوا عليها الأموال، التحق بهم أحيانًا جنود من المسلمين أعدادًا، كَبُرَتْ أو صَغُرَتْ مِنْ حملة الشهادات الذين إحتلوا مواقع مرموقة في المؤسسات البحثية والعلمية والتعليمية والإعلامية والإدارية والتوجيهية والمنهجية ذات التأثير والتدبير غدوا أسوأ منهم، وتابعهم على ذلك غير قليل من جمهرة الدارسين، متعلمين جهلوا أو هم جهلاء، غُرر بهم أو معادين جندوا.

عُتُوَ المَوْجَةِ ومَدَاها

كان هذا الحال مَدًا عاتيًا متمكنًا إلى حد أن كثيرًا من متولي المواقع العلمية ذات التأثير الفكري، يُرْفَضُون أن يُقدِّم التاريخ الإسلامي بتحقيق علمي مُنصف وعلم مدروس وإظهار جاد نزية للمعلومة التاريخية المنهجية، يُعِيدُ الأمور لنصابها، بحجج واهية تحت شعارات علمية مزيفة مُهلهلة مُدعاة هزيلات مبرقعات... وقد تمت تجربتهم خلال التدريس الجامعي في أكثر من جامعة وبلد وهيئة.. وأكثرهم يَجْهَل حقيقة التاريخ الإسلامي وحضارته، مثلما قد يجهل قراءة الفاتحة أو آية واحدة بشكل سليم ويفقه معناها.. هم بحاجة إلى دراسة هذا التاريخ لا إلى تدريسه... حَدَثَ كل ذلك بعد أن تمكنوا من مواقع التأثير والتوجيه مواقع تَضْطهد كل محاولة من الدارسين والأساتذة والمؤرخين إقامة الحجة، لكشف ذلك الزيف وتثبيت الحقائق المنيرة.

إستمر هذا الجهد عقودًا كثيرةً، إن لم يكن قرونًا، قَدِّمَتْ ثمارها المرة، سيما منذ القرن التاسع عشر الميلادي، بشكل متقدم متسع، وإن كانت لها مما قبله من البدايات المتنوعة.

تجربة تاريخية مرة

كان ممن تولى كبر هذا الأمر – بالنسبة للتجربة المصرية، بإعتبارها بلد الأزهر الشريف - زعيم المندوبية (المُعْتَمَديَّة) السامية البريطانية المبشر بثوب مدني: اللورد «كرومر» Cromer أول مُعْتَمَد بريطاني في مصر الإسلامية الذي تملك هذا الزمام وأحتل منصبه نحو ربع قرن من السنين العجاف (۱۸۸۳ - ۱۹۰۷م) كان الحاكم الحقيقي.. حكمها خلالها حُكمًا صليبيًا كنسيًا تنصيريًا، بأساليب خبيرة مُجَرَّبَةٍ فَعَّالة، وإن كانت غير واضحة تمامًا، مُراوغةٌ خادعة خَفيّة، علي الطريقة الإنجليزية البطيئة الهادئة لكنها المؤكدة Slow but sure.

ومما تناولته سياسته تنفيذ أهداف الكنيسة، من خلال أسلوب تقديم التاريخ الإسلامي في المراحل الدراسية... ذلك يبدو واضحًا من المناهج المدرسية التي وَضَعَها، لا سيما بعد تعيين ربيبه المعد سلفًا القسيس المبشر مستر دنلوب Mr. Dunlop مستشارًا لوزارة المعارف، تتولى كذلك المسؤولية - المباشرة أو غير المباشرة - نحو الأزهر!! بأي مقدار وأسلوب وكلها أساليب ملتوية منطوية ملغومة مرسومة مشؤومة كالحة النتائج.


 

إمتلاك وضع المناهج

قاموا بتنفيذ مخططهم، بوضعهم مناهج التاريخ وتدريسه وكل ما يتعلق به.. يُعَظمُونَ التاريخ الأوروبي، بجانب تعظيمهم لتاريخ الجاهلية، ليُثيروا من خلال كل ذلك الهدف المبيت المرسوم إثارة الشبهات والنعرات واللوثات الجاهلية البائدة، إحياء وتزييفًا وتحريفًا (جَرَتْ الإشارة إلى ذلك في كتابي نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي).

وقد بذلوا الجهد الجهيد للنيل من هذا التاريخ بكماله وشتى أحواله، لم تنج منه حتى السيرة النبوية الشريفة (أتم وأزكى الصلاة والسلام على صاحبها النبي الكريم)، رَغْمَ كبير الصعوبة في حالها ذاك جميعًا، لعلوها البالغ المسلم في أحداثها كافة.. اتَّبَعوا تجاهها أساليبهم الملتوية غير المباشرة، تشكيكًا بأمورها وإستثارة للتساؤلات حول بعض أحداثها، مما لم يألفه الغرب ولا يعهده أو يعرفه عموم غير المسلمين، كما إفتعلوا الإدعاءات حول أمهات مصادرها، متبعين وقت الحاجة «منهج العكس» الهزيل المنحرف علميًا .

كُل هذا واقع مِنْ خِلال تجارب واقعية مألوفة مُعاشَة وقت التعامل معها، للأسف إنتظم في ذلك بعض المنتمين لجلدتنا، جُندوا أو تجندوا، كانوا شرًا مكانًا وأجرًا بنَزَقِهم المارق على تاريخنا.

بذلك إستقر الأمر على هذه الحال، جَرَى إختيار أناس من هؤلاء أهل الجلدة والملة والبلدة أوِ مُلْصَقين بها، ليقوموا مقامهم بإمتياز.. لما رأوا أن بعض ذلك غدًا واضحَ الكَلاحَة ذَهَبَتْ ملاحته وتركزت مُلُوحَتْه المُرَّةَ، عَمِلُوا على تنقيح أساليبهم بإضافة أوصاف جديدة محلية مُحَلاة إنتقالًا، كما جرى في مؤلفات «جرجي» (جورج زيدان)، التي يُعاد طبعها مع تكميلات وتزويقات، يتولاها - لشديد الأسف – أبناء الملة!

ما ضاع حق لمطالب

لكن الحمد لله تعالى، الحق لا يَضِيعُ والحقيقة لا تموت، فما ضاع حق وراءه طالب كيف بهذا الدين الحق الظاهر وصدقه الزاهر الباهر، الذي وعد الله سبحانه وتعالى بحفظه: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)﴾ (الصف: 8-9).

ثغْرَةٌ لها مَزِيدٌ

بَدَأَتْ تَظْهَرُ دراساتٌ مُضيئة في التاريخ الإسلامي، متنوعة شاملة عاملة، سواء في منهج الكتابة أو في إستعراض الأحداث أو في تحقيق الوقائع، كانت تنمو تدريجيا وتتكامل وتتألق، وإن كانت محدودة أخَذَتْ على عاتقها ليس فقط مواجهة هذه الإفتراءات الملثمة والتَّرَّهَاتِ المنهزمة، ولا هي فحسب مستعدة لإحتمال ما تستدعيه، فذاك عملها الإسعافي بل تقدم كذلك دراسات أصيلة تستعرض التاريخ الإسلامي، مؤهلة بكل المقتضيات العلمية والنفسية والفكرية بل حتى الإستعدادات الثبوتية المواجهة الحامية لكل غحتمالية مُثْقَلَة بجرأة علمية قوية معلنة، في إعلانها حقائق تاريخنا البارعة التي تُرْعِبُ أعداءه وتفاجِتُهم محمولة على القواعد الإيمانية الربانية برعاها منهج الله تعالى وشرعُه، بنظارتها المشرقة البارة، قرآنًا وسُنَّةً وسِيرةً لا تأخذها في لومة لائم، غير هيابة ظلم ظالم ولا إثم آثم.

نبوءات كريمة

من نبوءات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مُحَذِّرًا ومُنَبهًا ومُبَيِّنا: أن الله تعالى دومًا يهيئ لهذا الدين - قرآنًا وسُنَّةً وسِيرةً - مَنْ ينصره ويحافظ عليه ويحميه في قوله: «يَحْمِل هذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه يَنْفُونَ عَنْهِ تحريف الغالين وإنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (1).

تَنَوِّعَت أساليبُ الهَدَفِ

كان التفاوت على هذه الأعمال العدوانية بأساليب منها: الإحتواء والإغراء والإلتواء، كلها أشبه بالإستهزاء بإستدراج من هؤلاء أشباه المؤرخين العابثين لتحويل الوُجْهَةِ، تَسَتْرًا وتنكرًا وتَبَخْتُرًا، إحتماء من ورائه.. مثلما يحاول بعضُ المستشرقين وأتباعهم إظهار الإنصاف لإشاعة الثقة فيما يكتبون إستجلابًا وإستحلابًا وإستحبابًا للركون لها والإطمئنان إليها ولو لحين، مثلما فعل العديد في بعض ما كتب من التاريخ الإسلامي، الذي يُظن أنه سَرِّبَ مقولات المستشرقين من اليهود والصليبيين وغيرهم. لذلك لابد من التعبئة للتنبه والتنبيه إلى مثل هذه المحاولات العبثية بتوضيحها للقراء والدارسين في المدارس والجامعات، سيما المؤهلينَ الغَيَارَى الذين يُدرسون ويُدَرِّسُونَ هذا التاريخ الإسلامي ويبحثونه ويحققونه ويكتبونه.. مثلما يعملون لتقديم الجديد من المؤلفات الحرة النزيهة الملتزمة تمامًا، الأمينة القمينة الرصينة.. كل ذلك وغيره، من أجل أن يعود الحق ويستقر في الموقع الأم قائما بدوره وأن تتقبله الجامعات أولا وتحسن استقباله وتشجعه وتحتفي به، بدلًا من الضيق به وعدم إحتماله وبمن يقوم به بكل أمانة علمية.. الأمر المتناسب مع واجب الجامعات وأمثالها وبدورها في الحياة والمجتمع بالبناء والتقدم والإرتقاء، لتبنيه بذلك الذي له قامت ومن أجله وجدَتْ، وبأمل تحقيقه تكفلت.

معرفتهم أهمية تاريخنا

هذه بعض الخواطر والأفكار والأجواء التي إحتشدت صُورُها أمامي وأنا أفكر وأنظر وأسطر، حين كتابة التاريخ الإسلامي هؤلاء الذين يسيؤون إلى التاريخ الإسلامي، غريب أمرهم معه لكنهم لماذا يعادونه ولم يلحق بهم أذى؟ بل العكس حيث عاشت كل الأقوام في ظله سعيدة، تَعَلَّمَتْ الخير والعلم والفضل ورأت النور الحق، بعد أن عاشت في البؤس والظلم والظلام، كان وحده المنقذ، إنه ذلك الذي رأوه وتذوقته الأقوام والشعوب والأمم وكل مَنْ عاش في ظله وجواره، حتى ممن لم يدخل دائرته المنيرة الكريمة، ما نَعمَتْ به ليس إلا مِنْ صناعة الإسلام، مما لا يصنعه غيره.

هكذا بعض الناس يزعجهم الخير فيعادونه ويحاربونه ويقعدون له «كل مَرْصَد«.

تَغَدِّتْ هذه الوجهات في أجواء موبوءة ولابد من بيان الحقيقة التي قد تكون فاتت بعضهم عندها قد يرون الحق وبه يأخذون مَنْ لا يفعل ذلك تَثْبت عليه التهمة، معبرًا عن سوء مبناه ونواياه وهواه، ليلقى الحال والمصير الذي يستحق، ويجني ثمارها، إنك لا تجني من الشوك العنب، كما جاء في المثل العربي القديم ذلك تمام جزاء السوء بإستحقاق عادل: ﴿السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: ٤٣).

مما يحفز أهل السوء هؤلاء الذين شَرِبوا كأسه حتى الثمالة أن يفعلوا ذلك، لما يعرفون من قوته وإمتلاكه الحق وصدقه، وأنه القوي المنتصر إن شاء الله تعالى حين يُعْرَفُ على حقيقته وحيدًا في هذا العالم بقوته الغلابة التي لا تقارع، لذلك يجتهدون ويَجْهَدون في قلب صورته المثلى المنيرة، لعل الإعراضَ يَنَالَه لكن هيهات وألف هيهات، بعد أن هيأ الله تعالى من ينتصر له ولحقائقه الباهرة بالعلم الحق الموثق المحقق للتاريخ الإسلامي، ويبين جوانبه وأياديه البيضاء المتوضئة السخية على البشرية كلها، وليس ما في الحضارة الحديثة من الفضائل إلا بعض هداياه لبني الإنسان: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء: 107).

لذلك يخاف هؤلاء قوة هذا التاريخ وما وراءه من منهج الله تعالى القرآني الفريد، إذ يعلمون أنه قادم لا محالة إن شاء الله تعالى وأنه مستقبل أهل الأرض جميعًا في المستقبل لهذا الدين، كما عبر عنه شهيد العصر وشاهده سيد قطب، يرحمه الله تعالى، في عنوان كتابه الموسوم به

ذلك هو الفهم الإسلامي الحي الواقعي الذي وَعَدَ به وبَيْنَه الله تعالى في القرآن الكريم، به وَحْدَهُ لا محالة كائن، حَسَبَ نواميس الحياة التي وضعها الله جل جلاله، الذي إذا أراد شيئا هيا أسبابه، في يوم يعلمه ويقدره العليم الخبير جلت قدرته وحكمته وإرادته النافذة، بعونه ومنه الكريم: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)﴾ (الأنبياء: 105).

الهامش

(1)  العلم: العلوم الإسلامية، لاسيما السنة المطهرة. خَلَف: جيل. عُدُولُه: متمكنون فيه بالمستوى اللازم والمكنة المتناسبة الكفوءة. أخرجه إبن عبدالبر الأندلسي في التمهيد 1/59 رقم ٢١٥، الديلمي في الفردوس 5/537 رقم: ۹۰۱۲، الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/128

 

الرابط المختصر :