الثلاثاء 03-أبريل-1973
تاريخنا والتفسير المزيف
بقلم: الأستاذ عبد الحليم عويس
ينقسم الدارسون الغربيون لتاريخنا إلى قسمين: قسم يتحامل على التاريخ تحاملًا عظيمًا ظالما يتخطى كل أصول المنهج العلمي والموضوعية في البحث وقسم ينطلق من غاية محددة ماكرة فيكيل المدح الكثير لجزيئات تاريخنا ويصور تاريخنا كله، وكأنه تاريخ ملائكة وليس تاريخ بشر واقعيين، لهم عقول وعواطف وغرائز.
وكلا القسمين يلتقيان عند هدف واحد هو تزييف تاريخنا، وتحويله إلى تاريخ بعيد عنا لا نكاد نحس فيه بأنفسنا ولا بامتدادها ولا بمشاكل واقعنا..
وتاريخنا في الحقيقة هو تاریخ بشر، بيد أن هؤلاء ليسوا بشر ينطلقون في سيرهم التاريخي من وحي عقولهم وحدها، بل إن لهم شمسًا أخرى تساعد مصباح العقل على الحركة والعمل وهي شمس الرسالة الإسلامية وهؤلاء البشر كذلك ليسوا بشرًا مجردين من الهدف، بل هم حملة رسالة إنسانية سماوية، ولهم دور محدد في خدمة البشرية هو دور الشاهد والموجه والمثال..
وباستثناء الرسالة والهدف اللذين تتميز بهما الأمة الإسلامية يعتبر سيرها التاريخي سيرًا بشريًّا عاديًّا... قد يكون هؤلاء الناس الذين كانوا المادة الخام لصنع التاريخ الإسلامي قد اقتربوا من هذا الهدف في بعض فتراتهم، وقد يكون هؤلاء الناس قد انحرفوا عن هذا الهدف وسقطوا فيما تسقط فيه الأمم التي تسير بلا مشعل ولا هدف...
قد يكون هذا وقد يكون ذاك أنهم في هذا الأمر بشر واقعيون يمكن أن ينظر إليهم ككل البشر ويمكن أن تكتب حسناتهم وتسجل سيئاتهم.
وهذه هي الأرضية الطبيعية الواقعية للتاريخ الإسلامي أما تسجيل تاريخنا على أنه تاريخ حيوانات متصارعة فهو ظلم لنا ولتاريخنا، وأما تسجيله على أنه تاريخ ملائكة فهو أيضًا تضليل لنا وتزييف لتاريخنا.
لقد كان تزييف التاريخ الإسلامي عملًا غير صالح يهدف إلى غرض خطير «فيما أن التاريخ الإسلامي هو أحد الجوانب التطبيقية والصورة العملية للإسلام، فلذلك اشتعل بالسهام الموجهة له، والتاريخ الإسلامي كما نعلم -هو تاريخ الشريعة الإسلامية التطبيقي الواقع، طالما كان لها الالتزام، وهو الشكل الذي تحقق فيه الإسلام، وكل انحراف عن الطريق السوي أصاب هذا التاريخ كان نتيجة للانحراف عن الشريعـة.
فدراسة هذا التاريخ دراسة للإسلام من الناحية التطبيقية، وهو دراسة للذين أخلصوا له وللذين أساءوا إليه أو أساءوا باسمه سواء من خارجه أو من داخله (۱)» ومن هنا تأتي خطورة تشويه المؤرخين الغربيين وتلامذتهم لتاريخنا. لقد طبق هؤلاء المستشرقون مقاييس التاريخ الأوربي على تاريخنا، وحاكموا تاريخنا الإسلامي على أساس القيـم المسيحية الكنيسية، كمـا أنهم فرضوا على تاريخنا كل تشويه الكنيسة وكل حربها ضد العقل وضد الفكر وكل طغيانها الذي أفقدها كل تأثير حقيقي على العقل والفكر الأوربي.
كما أن من بين ما فرضوه علينا استعمال مصطلحات الحياة الأوربية وتناقضاتها وردود فعلها فهناك الديمقراطية وهناك ردة الفعل المضادة وهي الاشتراكية، وهناك الشيوعية بتفسيراتها المادية، وهناك الدكتاتورية.. إلخ إلخ.
... وفي كتابة هؤلاء عمدوا إلى تجاهل الإسلام كمحرك حقيقي لهذا التاريخ وصوروا هذا التاريخ تصويرًا مجردًا من هذه القيم ومن تأثيراتها وروحها وعملها في العقل الإسلامي وحركة سيره المادية والمعنوية.
وبين محاولات التشويه، إن بالمغالاة في المدح وإن بالمغالاة في القدح، وبين محاولات التجهيل بهذا التاريخ.. بين هذين العاملين الشديدي الأثر ضاع تاريخنا الحقيقي إني لأعرف معرفة تامة أن مناهج بعض البلدان الإسلامية -والعربية- لا يكاد يظفر التاريخ الإسلامي من خطتها وحجم مناهجها إلا بأقل كثيرًا من التاريخ الأوربي وحركات النهضة أو العصور الوسطى المسيحية.
وهذا التاريخ الإسلامي الذي يوضع في المناهج المدرسية يخلو من كل العناصر الإيجابية في التاريخ الإسلامي ويكاد يكون مجرد سرد للأحداث ومجرد موضوعات مكررة لا يخرج التلميذ منها في النهاية برصيد ذي شأن يذكر.
وبالطبع.. لم تقف محاولات إبعادنا عن تاريخنا عند حد التشويه والتجهيل، بل هناك محاولات تشكيك في هذا التاريخ وقيمته، وهناك محاولات تصویر ناقض لأحداث هذا التاريخ كتصويره على أنه تاريخ سيف دون أن يكون تاريخ حضارة، وتاريخ معارك وليس تاريخ فكر.
وبين كل هذه العوامل، والمدارس التي أشرفت على تنفيذها، وعقدة النقص واللاوعي اللذين اتسمت بهما الأقلام العربية.. فضلًا عن الانطلاقات المفتعلة والمزيفة التي حاولت هي الأخرى تطويع حقائق هذا التاريخ لقيم وأفكار ليست نابعة من الإسلام.. بين كل هذا.. أصبح تاریخنا عبئًا علينا، أصبح تاريخنا مستوردًا لا يمت إلى عقيدتنا ولا إلى تراثنا بصلة ذات قيمة...
وفي الحقيقة.. أصبح تاريخنا ليس تاريخنا.
(۱) نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي ص ١٨ للدكتور الحجي
الرابط المختصر :