; تاتشر محتشمة في الخليج | مجلة المجتمع

العنوان تاتشر محتشمة في الخليج

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1981

مشاهدات 57

نشر في العدد 526

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 28-أبريل-1981

تاتشر محتشمة في الخليج

 

تشهد المنطقة العربية ومنطقة الخليج زخمًا سياسيًّا تتجاذبه محاور عدة، في مرحلة تعيش فيها الأنظمة العربية بين مشاكل كثيرة منها: 

 

- حرب الخليج بين العراق وإيران ووصولها إلى المرحلة الاستنزافية التي يختلط فيها الغالب والمغلوب.

 

- المشكلة اللبنانية الناتجة عن تأزيم الصراع المسلح بين المحاور المتواجدة في لبنان، وكأن لبنان قد بات مقبلًا على مرحلة جديدة أخرى.

 

- طرح المبادرات العديدة لحل ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط، وإنشاء صلح بين الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي وحكومة العدو اليهودي، وتعتبر المبادرة الأوروبية أقرب من غيرها من حيث القبول والتناول حتى الآن. 

 

وإذا كانت كل واحدة من هذه المشكلات كافية لتصعيد العمل السياسي وتبادل الزيارات السياسية بين رجال الأنظمة العربية وأنظمة دولية أخرى ذات اهتمام بالمنطقة العربية، فهل تأتي زيارات وزير الخارجية البريطاني وغيره من السياسيين الإنكليز والأمريكان والفرنسيين لبعض عواصم المنطقة العربية في إطار ذلك؟ 

هذا سؤال يطرح نفسه بينما رئيسة الوزارة البريطانية «مارغريت تاتشر» تنهي زيارتها للمنطقة في خاتمة تركيز بريطاني جديد على المنطقة، فقد لاحظ بعض المراقبين أن الزيارة التي قامت بها الملكة البريطانية «إليزابيث» عام ۱۹۷۹ كانت المفتاح الإنكليزي الجديد لطور جديد من العلاقات العربية البريطانية، وقد تبعت تلك الزيارة الملكية زيارات قام بها اللورد کارنغتون وزير الخارجية، ثم الزيارات التي قام بها هير دوغل+يمور خلال العامين الأخيرين. 

 

ولعل المراقب للتصريحات الدبلوماسية السياسية التي كانت في تلك الزيارات يلاحظ أمورًا عدة منها: ١

- محاولة حزب المحافظين البريطاني- الذي تقوده «مارغريت تاتشر» رئيسة الوزارة الحالية- العودة إلى القواعد السابقة، التي تتصف بالأواصر المتينة بين حكام الخليج والمملكة المتحدة! والعودة البريطانية التي تجيء عن طريق حزب المحافظين تجعل بعض المراقبين يعتقدون أن بريطانيا لن تنسى أيام الإمبراطورية مترامية الأطراف، التي كانت تنظر إلى أية منطقة من هذا العالم على أنها واحدة من ولاياتها. 

 

٢- يحاول الساسة الإنكليز منذ أن طرحت مسألة الصلح بين اليهود وبعض الأنظمة العربية التبرقع وراء الطروحات التي تغازل قلوب حكام المنطقة، ذلك أن العاصمة البريطانية «لندن» شهدت كثيرًا من اللقاءات مع ساسة المنطقة العربية.. وكانت تعزف خلال ذلك على الوتر الذي تعزف عليه معظم الأنظمة العربية المنادية بصلح عربي يهودي جماعي.

 

٣- اشتراك ساسة بريطانيا مع بعض العواصم الأوروبية في محاولة تقديم عمل أوروبي ما بشأن مشاكل المنطقة، ابتداء من حرب الخليج وانتهاء بأزمة الشرق الأوسط، وإذا صحت هذه المقولات.. فهل تأتي زيارة «مارغريت تاتشر» من هذا النسق؟ 

 

بعض الاتجاهات السياسية ترى في زيارة تاتشر لبعض عواصم منطقة الخليج عملًا يدخل في باب التنسيق الإجمالي، بين الغرب بعامة والعرب النفطيين في الخليج لمواجهة المتغيرات الدولية التي يعتبر الروس الشيوعيون أبرزها. 

 

وهناك اتجاهات تفسيرية أخرى ترى في الزيارات البريطانية التي توجتها أخيرًا «مارغريت تاتشر» عملًا يدخل ضمن سياسة إنكليزية مستقلة، لن تكون المصالح النفطية والاقتصادية الأخرى بعيدة عنها.

 

بيد أن فريقًا آخر يشمل بعض المراقبين الإسلاميين الذين يُدخلون جولة «مارغريت تاتشر» في أطر متشابكة لا يفضلون فيها الدور البريطاني والدور الأوروبي في المنطقة، والذي ينطلق من جذور تاريخية إلى الواقع السياسي الحديث، الذي اختلطت فيه كثير من الأوراق بعد دخول الأمريكان لعبة النفوذ الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية. 

وضمن ذلك الاختلاط انبثق الاتفاق على إيجاد الدولة اليهودية في فلسطين قلب العالم الإسلامي بالإجماع. 

على أن السياسة البريطانية المنظورة لم تثبت حتى الآن أنها تحاول أن تنسى أو تتناسى الجذر التاريخي الذي كان يوجه كل سياستها في المنطقة العربية، والذي أفرز دولة اليهود كما أشرنا قبل قليل، وهذا الواقع يجعل المراقب المسلم يعتقد أن الإنكليز ما زالوا أصحاب سياسة متأثرة بالعوامل التالية:

 

 ١- الوجود اليهودي في الوطن العربي، والذي كان منذ اليوم الأول صنيعة بريطانية التصقت بالسياسة البريطانية إلى درجة الالتزام.

 

٢- التنسيق الأوروبي الأمريكاني منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى الآن، والذي لم يظهر ما ينفيه حتى هذه اللحظة.

 

٣- المصالح الاقتصادية المتمثلة باستدرار دولارات النفط وفتح أسواق السلاح في المنطقة العربية، وعلى الأخص منطقة الخليج التي ما زال الإنكليز ينظرون إليها كما ينظر المرء إلى الإرث التاريخي.

 

وبالقياس لما سبق ولما يمكن أن نستنتجه بما أشارت إليه بعض الصحف في المنطقة؛ فإن تاتشر يمكن أن تكون قد تبنت طرح المبادرة الأوروبية فيما يتعلق بصلح بين اليهود وبعض الأنظمة العربية، وهي مبادرة ألمحت الولايات المتحدة الأمريكية برضاها عن فحواها بعد انتهاء مرحلة كامب ديفيد التي أدت دورها واستنفدت أغراضها. 

 

كما أن هذه المبادرة لن تكون بعيدة عن ذهنية بعض الأحزاب اليهودية المتأهبة للانتخابات في الصيف المقبل، ومنها حزب العمل الذي يعد العدة للوصول إلى الحكم مرة ثانية. 

 

هذا فضلًا عن أن المبادرة الأوروبية الجديدة التي تدعو إلى صلح جماعي لن تغفل دور الروس الشيوعيين الذين أشاروا إشارات عدة إلى قبولها؛ وهذا يعني أن الأنظمة المسماة بالتصدي والصمود لن تتأخر عن دفع نفسها إلى مائدة المفاوضات، التي يرجح أن تأخذ الشكل الذي أخذه مؤتمر جنيف، الذي فشل سابقًا في الوصول إلى حل جماعي يرتضيه جميع المؤتمرين. 

 

وهنا قد يحاول بعض أصحاب الاتجاهات السياسية تأكيد الدور الإنكليزي المنفصل عن السياسة الأمريكية، مستشهدًا بتصريحات بعض الساسة البريطانيين، كالإعلان عن الرغبة في تزويد المملكة السعودية بالسلاح، دون النظر إلى موافقة الولايات المتحدة على ذلك.

 

ولعل هذا يدخل في باب التكتيك الخبيث الذي دأب الغرب على التعامل معنا من خلاله.. وهو يشبه إلى حد ما السلوك المجامل الذي عمدت إليه تاتشر عندما زارت المملكة السعودية، فاختارت أن ترتدي زيًّا محتشمًا قريبًا من اللباس الإسلامي الساتر. 

 

وليست تاتشر بدعًا في ذلك؛ فمحاولة دغدغة مشاعر العرب المسلمين هو سلوك سياسي سار عليه غلوب باشا ولورنس العرب وغيرهما من أساتذة مارغريت تاتشر في السياسة البريطانية. 

 

وفي هذا المقام يحسن التذكير بأن زيارة تاتشر للمنطقة جاءت بعد زيارتها لواشنطن ومقابلتها الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، حيث أعلنت تاتشر قبولها للفكرة الأمريكية حول إنشاء قوات التدخل السريع مع الرغبة في المشاركة بها! 

 

نعم.. لقد جاءت زيارة تاتشر للمنطقة في وقت أعلنت فيه الأنظمة المحلية رفضها لسياسة المحاور الدولية.. فهل سيأخذ العمل السياسي في المنطقة موقفًا مستقلًّا عن المحاور المشار إليها.. أم أن تاتشر جاءت لتحدث شيئًا ما ظل مجهولًا؟

الرابط المختصر :