; تأملات في نصوص تربوية: غياب التأصيل الشرعي للجوانب التربوية والدعوية | مجلة المجتمع

العنوان تأملات في نصوص تربوية: غياب التأصيل الشرعي للجوانب التربوية والدعوية

الكاتب عبدالله حمود البوسعيدي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

مشاهدات 93

نشر في العدد 1227

نشر في الصفحة 59

الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

عن جابر أن رجلًا سأل رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فقال: «أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا أأدخل الجنة، قال: نعم، قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا».

     إن سوء فهم بعض الدعاة لمقاصد التربية الإسلامية أدى إلى ممارسات قاتلة، ومن أبرز أسباب الفهم الخاطئ غياب التأصيل الشرعي للجوانب التربوية والدعوية، والاعتماد في الغالب على رصيد التجربة، وإن كانت فاشلة، ومن هذه الممارسات التربوية الدعوية الخاطئة، وإصرار بعض الدعاة على أن يكون الناس صغيرهم وكبيرهم، قديمهم ومبتدئهم، عالمهم وجاهلهم- قطعة من الماضي بإشراقاته وأنماط سلوكه الرائعة، وإصرارهم هذا مبارك ومطلوب لشحذ الهمم ودوام التنفيذ، بشرط ألا يتطور إلى سوء التعامل مع النفوس المفضي إلى نتائج عكسية.

     هذه المعاني نستوعبها من النص الوارد؛ ذلك أن المجتمع البشري مهما بلغ في سلم الطاعات حتى يصفه الوحي بخير القرون لكثرة السالكين فيه، نرى فيه من يأخذ من المثل بالحد الأدنى الذي يحقق صفة الإسلام فحسب، فالرجل من صحابة رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، فهو من العدول الثقات ومرتبته من أعلى المراتب، إلا أنه أحسن تقدير طاقته، فهو لن يتجاوز الخطوط الحمراء بترك الأصول وفعل المنكر، وفي المقابل فهو لن يتقلب في مدارج السالكين وهذه طاقته، وهنا يؤصل الرسول صلى الله عليه وسلم فقه الاستيعاب وحسن معاملة النفوس، فيرضى الرسول صلى الله عليه وسلم منه ذلك، بل ويبشره بالجنة، فيقسم الرجل بالله العظيم ألا يزيد على الأصول، وألا يتعدى حدود الله.

     إن غياب هذا الفهم أدى إلى مشكلة بين صحابي وصحابية تتقلب في لذائذ الروحانية، ومن فرط تعمقها في جوانب الحلاوة الإيمانية صارت تزن الأمور بميزان واحد، ذلك أن زوجها الصحابي -رضي الله عنه- يفوت كل يوم صلاة الفجر لا عن الجماعة فحسب، ولكنه يصلي بعد طلوع الشمس، وذلك كل يوم، ويمنعها من صيام النوافل ومن إطالة الصلاة، عن أبي سعيد قال جاءت امرأة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن عنده فقالت يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده قال: فسأله عما قالت، فقال يا رسول الله أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها، فقال: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس، وأما قولها يفطرني إذا صمت، فإنها تنطلق وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-  لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: فإذا استيقظت فصل، رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢١٤٧)، والذي يدعوني إلى هذا الطرح أني رأيت دعاة لا يقتدون بالرسول -صلي الله عليه وسلم- فيما فعله مع هذا الصحابي الحالف بالله ألا يزيد على الأركان، وألا يلج المحرمات، فيطالبون الناس بما لا يستطيعون، وذلك ظاهر أولًا: في خططهم لغلبة طموح غير مدروس لعدم مراعاته للفروق الفردية في عالم البشر مما يصيبهم -أعني الدعاة- على المدى البعيد بالإحباط لعدم تحقق الأهداف المرجوة.

 وثانيًا: في مواعظهم وخطبهم، وذلك بمطالبة عموم الأمة بترجمة مناهج فردية فيطيل بعضهم استعراض قصص وأخبار عن الصحابة والتابعين وتابع التابعين كأخبار ابن عمر -رضي الله عنه- الذي كان يتتبع آثار مشي الحبيب، والمحققون بينوا أنه منهج فردي، ومثل فلان الذي ما كان يأكل اللحم خشية أن يقال له:﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا (سورة الأحقاف: 20)، ومثل فلان الذي صام أربعين سنة، وفلان ختم القرآن في رمضان ستين مرة، كل هذه الأمثلة ومثلها كثير يستعرضها بعض العاملين للإسلام في خطابهم الدعوي، أقول كل هذه الأمثلة مناهج فردية هذا إن صحت سندًا ومتنًا، والقدوة الرسول -صلي الله عليه وسلم- وما لا يصح أن يعمم على الأمة كان من خصوصياته، كوجوب قيامه كل ليلة، وحل وصاله صيام النهار بالليل، إلى ما هنالك مما اختص به وحرم على الأمة، إن تغذية الخطاب الدعوي بهذه المناهج الفردية أدى إلى نتيجتين كلاهما شر، أولهما صد الناس عن الالتزام لما رأوا صعوبته وعسره، والإحساس بأن الإسلام إنما هو لجيل الصحابة وقرون الخيرية انتهى معهم لاستحالة المثالية في واقعنا المعاصر، وثانيهما: اتهام الدعاة وعدم الثقة بما يطرحون للبون الشاسع بين الشعار والممارسة، وذلك أن المستمع لا يرى في المتكلم بهذه الدرر ترجمة حقيقية، تجعله قدوة وأسوة، فهو يقول ما لا يفعل، وأما ثالثًا بتنفير الناس عنهم لما يسمعونهم من أحكام تصفهم بالضعفاء والمتهالكين والمتساقطين ذلك لاعتقادي أن بعض الدعاة سيصف من جاءه بمثل ما جاء الصحابي الرسول -صلي الله عليه وسلم- بضعف الهمة والهلاك والبوار، بينما الرسول يبشره الجنة.

     أيها الأحبة، أنا لا أقصد بطرحي هذا الرضا اليسير دائمًا، ولكن يا حبذا مراعاة النفوس، فقد قال الحكماء من قديم: «إذا أردت أن تطاع فأمر المستطاع» مع العمل على تزكية الأتباع والارتقاء بهم إلى أعلى المقامات مع استشعار خطاب الله -عز وجل - لخير القرون: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ (سورة الأنفال: ٦٦)، فكيف بأجيال قد ظهرت فيها كل علامات الساعة الصغرى؟ ويسعفنا في هذا المقام قول عمر الفاروق -رضي الله عنه- المخاطب به الصحابة -رضوان الله عليهم- «لا تربوا أولادكم على أخلاقكم، فإنهم خلقوا الزمان غير زمانكم».

    أيها الدعاة إلى الله، أنا لا أدعو إلى تمييع الأهداف، وتضعيف الأمة، والرضا بالقليل، والتساهل مع المرض، حاش لله، ولكني أدعو إلى الاقتداء بالرسول -صلي الله عليه وسلم-.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

124

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

مع القراء (41)

نشر في العدد 96

127

الثلاثاء 18-أبريل-1972

من المسؤول عن هذه الفوضى؟