العنوان تأملات في سورة «الكوثر».. انكسار إسرائيل
الكاتب خالد فهمي
تاريخ النشر السبت 22-مارس-2003
مشاهدات 110
نشر في العدد 1543
نشر في الصفحة 51
السبت 22-مارس-2003
من أوصاف القرآن الكريم أنه كتاب يخلق على كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه وهذا وصف صحيح إلى أبعد حدود، لا ينال منه شيء، ولا يخرمه حارم من شذوذ حتى عند المعاندين المعارضين, وفي سبيل التدليل على هذا الوصف وعلى صحته يحسن بنا أن نعيد قراءة قوله تعالى في السورة القصيرة البديعة سورة الكوثر وهو قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (الكوثر:3) وفي البدء يلاحظ كل من له علاقة بالعربية أن التحليل التركيبي للآية الكريمة يشير في وضوح تام إلى أنها جملة اسمية مكونيها الأساسيين: المبتدأ والخبر, بعد أن تقدمهما الناسخ المؤكد؛ إن فاحال إعرابهما إلى اسم لها وخبر، وأضاف إليهما من المعنى ما يشير إلى محاولة سلخه ما في النفوس من شك وإنكار لما تحمله من مضامين، في محاولة لوأد هذا الشك في مكان بتر الشانئ، وقطع ذكره.
الآية تقول إن الله قاطع مبغض محمد صلى الله عليه وسلم, ليس في ذلك شك، والآية تقول إن الله مانع هذا المبغض من نعمة دوام ذكره, عن طريق قطع وجوده، والآية تقول إن الله فاعل ذلك في أي وقت ظهر فيه شانئ أو مبغض أو كاره لك يا محمد, وفي بناء الآية الكريمة وأسلوبها ما يرجح ذلك، إذ لا زمن فيها يقف بدلالتها عند بعد ما البتر واقع محقق، لا لبس في ذلك، عام ليس فيه استثناء، مؤكد لا شك فيه.
غير أن عقبة قديمة تقف في سبيل هذا التوسع في تفسير الآية الكريمة المعجزة ألا وهي أن أصحاب أسباب النزول يقررون أنها نزلت في رجل بعينه، ربما يجمعون على أنه العاص بن وائل، ولا عقبة ساعتئذ عند فحص هذه الدعوى، لأن علماء قواعد التفسير يرون إذ القدم أن العبرة بعموم اللفظ, لا بخصوص السبب, وليس في الآية الكريمة أسلوبيًا ما يجعلنا نحصرها في هذه المعجزة الآنية المؤقتة زمان نزولها الكريم، أضف إلى هذا – وهو محك الفصل في المسألة – أن العاص بن وائل, ما تخبرنا مؤلفات تراث الأنساب العربية – كان قد أعقب نسلًا امتد مع الزمان، ومن ولده الكرام عمرو الداهية، ومن أولاد عمرو عبد الله ولعمرو إخوة ولإخوته عقب ممتد، ومثل العاص هذا لا يسمى في لغة العرب أبتر، لأن المعجم العربي يحدثنا أن الأبتر هو: المقطوع نسله.
يقول إسماعيل بن حماد الجوهري في معجمه: الصحاح (بتر) 2/584 (الأبتر): الذي لا عقب له, وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو (أبتر).
ومثل العاص بن وائل أو كعب أو غيرهما ممن ذكر أنهما أعقبوا لا يصح في تسميتهم إطلاق لفظ الأبتر عليهم، ومن ثم سقطت العقبة القديمة وأصبح الطريق ممهدًا بمؤيد من لغة النص وبنائه للقول بأن الآية الكريمة تصرح بأن الله قاطع ذكر كل شانئ للنبي صلى الله عليه وسلم ولشريعته وللكتاب الذي نزل عليه, يصح في ذلك الشائن أن يكون فردًا فذا كالعاص أو غيره، ويصح أن يكون كيانًا كإسرائيل أو غيرها، ويصح أن يكون نظامًا عالميًا نرى هيمنته وغلبته، الله يقول، فمن ذا يستطيع أن يرد حكمه؟! ولسنا أول من زعم ذلك أو ادعاه، فهذا القاضي أبو السعود في تفسيره المسمى: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (طبعة دار الفكر ) 5/907 يقول: «إن شانتك: أي مبغضك كائنًا من كان, هو الأبتر: الذي لا عقب له، حيث لا يبقى منه نسل، ولا حسن ذكر, وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن وصيتك، وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الآخرة ما لا يندرج تحت البيان، وقيل: نزلت في العاص بن وائل، وأيا ما كان، فلا ريب في عموم الحكم وحسبك في هذا النص النفيس قوله: «كائنًا من كان» معبرًا عما نود الإبانة عنه, وفي دلالة المشتق, اسم الفاعل, (شانئك)، على المفرد والجمع ما لا خلاف عليه, الآية تقول إن كل الكارهين فرادى وجماعات سبيلهم إلى انقطاع، وزوال وانكسار, وما هو أعمق من الانكسار وأبلغ, ما في ذلك مدخل لريبة من عتاب، ولأجل هذا تأكد النص الكريم عندما ابتدأت الآية بإن, وتأمل ضمير الفصل (هو) حاسم، فإن الأبتر خبر واقع موصوف به کل شائن توجهت عداوته وشنآنه إلى محمد باعتباره شخصًا، أو باعتباره نبيًا أو باعتباره صاحب شرعة، الآية تعلن أن «إسرائيل» إلىى انكسار وزوال, وهل في عداوتها لمحمد ﷺ وكتابه, وشرعه, ودينه، وأمته شك؟! الآية تقول إن انكسار إسرائيل هي ومن وراءها، وأمريكا هي ومن شايعها على إفكها وباطلها، والتيارات العلمانية، واقع ما في ذلك ريبة لمرتاب.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه طرحًا ملحًا: هل من طريق مرسومة لتحقيق هذا الانكسار بالإمكانات البشرية؟ نقول نعم، إذ إن الآيات الكريمة التي سبقت هذه الآية الفريدة التي تبشر بهذا السقوط المنتظر لأعداء محمد صلى الله عليه وسلم تقرر ذلك يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (سورة الكوثر: 1-2) الآيتان الكريمان ترسمان نهج ذلك التمكين للأمة ودحر عدوها عن طريق تنمية البشر.
وأنا أرى أن نفسر الكوثر، على أنهم الخلق الكثيرون، وكأن الله سبحانه يمن على نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه منحه الحوض – حوض الكوثر – كما منحه خلقًا كثيرين يتابعونه، هم عطيته، وسبيل تنمية هؤلاء الكوثر كان في محورين أولهما: تمثله الصلاة بكل ما تشير إليه من: نظافة وقوة تحمل، للوقوف، واجتماع، ونظام مطلق, وانخلاع من الدنيا ساعتها، وإخلاص في التوجه إليه سبحانه، وثاني المحورين المكونين لبرنامج تنمية المسلمين كامن في دلالة «النحر» بما تشير إليه من التضحية بالمال، وتوحيد المجتمع عن طريق البذل من المنحور للفقراء, وفي تأليف قلوب الجماعة المؤمنة، وفي ربط حاضر الأمة بماضيها وتاريخها عن طريق تذكر أننا ننحر وفاء لنبي كريم سبق على طريق التمسك بأمر الله هو إبراهيم.
بهذين المحورين اللذين يشكلان أعلى ما يطمح إليه في تنمية البشر، وبتعانقهما مع وعد الله سبحانه ببتر الشانئين، يعلو في أنفس المؤمنين يقين في إمكان نصر الله سبحانه, ويزداد الإيمان بصدق الكتاب المنزل على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.