العنوان تأملات في القلم
الكاتب یونس حمدان مطر
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1977
مشاهدات 11
نشر في العدد 374
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 08-نوفمبر-1977
استقلالية الشخصية الإسلامية وضرورة التميز عن
الآخرين
منذ أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا الإسلام، فقد أصبح
لزاماً على كل أحد في الأرض أن يسير في عوائده وتقاليده وسلوكه كله وفق ما جاء به
هذا الدين الحنيف؛ ولم يعد لأحد من الناس أن يختار لنفسه عادة، أو تقليداً، أو
سلوكاً مغايراً لما أتى به خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه. ومن أجل هذا حرص
الإسلام على استقلالية الشخصية الإسلامية، فألغى بذلك كل أنواع التبعيات المختلفة،
سواء أكانت تبعية فكرية، أم تبعية اقتصادية، أم سياسية، أم غير ذلك.
لهذا حذر الإسلام من محاكاة المشركين، أو التشبه باليهود، أو تقليد
النصارى، وبالجملة نهى عن التشبه بغير المسلمين، وهاك بعض الأمثلة لما نقول:
أثر التميز في جانب العبادات والمعاملات
ففي مجال العبادة نهى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ البوق كوسيلة
للإعلام بحلول وقت الصلاة حذراً من التشبه باليهود، وكما نهى صلى الله عليه وسلم
عن اتخاذ الناقوس لئلا يكون في ذلك محاكاة للنصارى، فإنهم يعلمون بالناقوس عن وقت
صلاتهم، ونهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة حين تطلع الشمس حتى ترتفع، وقال:
"حينئذ يسجد لها الكفار". رواه مسلم.
وقد سن النبي صلى الله عليه وسلم للصائم طعام السحور، وقال: "فصل
ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر". رواه مسلم.
وصام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء ـ أي العاشر من المحرم
ـ وأمر بصيامه، فلما رأى اليهود والنصارى يعظمون هذا اليوم وتصومه، قال:
"فإذا كان العام المقبل ـ إن شاء الله ـ صمنا اليوم التاسع ـ أي مع العاشر
يعني مخالفة اليهود والنصارى".
فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه
مسلم وأبو داود.
وفي الحديث الشريف: "أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى"، رواه
البخاري.
"جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس"، رواه مسلم.
"نظفوا أفنيتكم ولا تتشبهوا باليهود". رواه الترمذي.
وصفوة القول أن المسلم منهي عن مطلق التشبه باليهود والنصارى وغير
المسلمين؛ قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ
قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا
كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ
قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16].
وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أبو داود عن ابن عمر: "من
تشبه بقوم فهو منهم". قال ابن حجر في الفتح: سنده حسن، وقال ابن تيمية: سنده
جيد.
أخطار التبعية ومحاولات طمس الهوية
فأنت ترى أن المسلم منهي عن مطلق محاكاة أهل الكتاب وسواهم من غير
المسلمين في الأقوال والأفعال والأهواء؛ إذن فقد حرص الإسلام على بقاء الشخصية
المسلمة مستقلة متميزة القسمات، بارزة السمات، واضحة المعالم، لا تتلقى قوانينها
من أحد، ولا تخضع في تشريعاتها ونظمها لأي من أصحاب الأهواء ممن لا يدينون دين
الحق. ولكن حين ننظر فيما حولنا نرى أمراً عجباً، فهناك سعي موصول وجهد لا يكل
يعمل علانية، ونار تحت الخفاء أخرى على محو هذه الشخصية الإسلامية وإذابتها في
سواها وطمس معالمها.
وهذا الجهد الذي لا يني أهله في الخارج والداخل قد أتى ثمره وظهرت
نتائجه مع الأسف على كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام. ومن الغريب أن الذين تبنوا
أساليب أهل الحضارة المادية كسبيل للنهوض والإصلاح وأعرضوا عن هدى الله ورسوله، قد
جلبوا على أمتهم أشنع الأخطار، وقادوها في معارك خاسرة في كل ما خاضوه من معارك
سياسية أو عسكرية واقتصادية وغير ذلك. وأغرب من هذا أنهم لم ينثنوا إلى الصواب،
ولم يفيئوا إلى هدى الإسلام، على الرغم من أنهم لمسوا بأيديهم ورأوا بأعينهم كيف
أنهم أحلوا قومهم دار البوار حين تولوا عن هداية الله، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم
كأنهم لا يعلمون، وقلدوا الغاصب المحتل عدو الله والمسلمين في دثاره وشعاره.
ومما لا ينقضي منه العجب أنه نشأ بين المسلمين فريق من الناس يحذرون
الناس من تقليد الأئمة، ويزعمون أن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم قد فرقوا الأمة
شيعاً وأحزاباً، وهم بذلك يصرفون الناس عن تقليد سلفهم، بدل أن يصرفوهم عن تقليد
عدو الله والمسلمين. والمعركة الحقيقية فيما نعلم يجب أن تكون بين المسلمين
وأعدائهم من أصحاب الحضارة المادية والفلسفات الإلحادية، فينبغي على أولي الأمر
والنهى من المسلمين أن تتحد عزائمهم، وتتعاون جهودهم على مقاومة هذه التقاليد
والأفكار التي تغزو عقول المسلمين فتفسد عليهم أمر دينهم.
أما الذين يطالبون المسلمين اليوم بعدم تقليد الأئمة، فإنهم يسيئون
ولا يحسنون؛ ذلك لأنه من غير الممكن أن يستقل كل مسلم بفهم الكتاب والسنة، فالأمي
الذي لا يفقه الدليل ولا يفهم مدلول النص، لا بد له من متخصص يوضح له المراد ويبين
له المقصود. وقد علم هذا الفريق الذي ينكر على الناس تقليدهم في أمر الفقه
لأئمتهم، أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، والله المستعان وهو
الهادي إلى سواء السبيل.