; تأملات إسلامية: الأمانة | مجلة المجتمع

العنوان تأملات إسلامية: الأمانة

الكاتب محمد جابر سلطان

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1987

مشاهدات 92

نشر في العدد 838

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 13-أكتوبر-1987

تأملت قوله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (سورة الأحزاب: 72).

 فوجدت أن مهمة الإنسان عظيمة وأن الطريق أمامه طويل وصعب وشاق وأن أمانة العبودية لله سبحانه وتعالى أمانة تتطلب الكثير من التبعات والالتزامات ولِمَ لا فهو الإنسان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى وكرمه وفضله على سائر ما خلق من خلقه وهو الذي استحق صفة التكريم الإلهي من قبل الحق سبحانه وتعالى ﴿ وَلَقدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (سورة الإسراء: 70). 

وإن حمل هذه الأمانة كانت بفضل الإرادة والحرية الاختيارية التي منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان والتي يسيرها العقل البشري بكل مقوماته ومداركه في أن يفعل أو لا يفعل... في أن يتقبل أو يرفض... في أن يعصي أو يستجيب... في أن يهتدي أو يضل، أما بقية المخلوقات الأخرى كالأرض والسموات والجبال وغيرها من سائر المخلوقات فهي مخلوقات كونية مسخرة تقوم بعملها ومهماتها بدون حرية واختيار لا تحيد عن ذلك ولا تنحرف ولا ترفض، ولا تتمرد، ولا تعصي، ولا تخالف.

إنها تسير عبر موازين ثابتة، وأنظمة دقيقة رسمها الله سبحانه وتعالى لخدمة الإنسان وعبر سنته وقوانينه ونواميسه.

ولهذا كانت الحرية الاختيارية للإنسان هي محور الابتلاء والفتنة كما قال تعالى مشيرًا إلى ذلك ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (سورة الإسراء: 15).

إذن فالإنسان في حمل هذه الأمانة بخير كامل الاختيار والتصرف في أن يتقبل هداية أو يتقبل الضلالة وكل من أثر ذلك راجع إلى نفسه وحده ولا يتحمل أحد وزر أحد ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ (سورة القيامة: 14- 15) والله سبحانه وتعالى أشار إلى ذلك في موضع آخر بقوله ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (سورة الإنسان: 1- 2- 3).

وعلى هذا أيضًا نجد أن هذه الأمانة قد حملها الإنسان وألزم بحملها عندما منح كافة مقومات الإرادة الاختيارية ونعمها من نعمة العقل البشري ونعمة ما يخدم هذا العقل من حواس ومدارك وهي النعم التي تجعل من هذه الأمانة عرضة للحساب والمساءلة والموازين عند لقاء الله في يوم القيامة ويوم العرض الأكبر عند الله ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم مبينًا ذلك رفع القلم عن ثلاثة، والقلم: هو التكليف وحمل هذه الأمانة الكبيرة، النائم حتى يستيقظ... والصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق لأن هذه المعوقات أسباب تعيق أداء مهمة الإنسان في أداء أمانته لأنها أسباب لها أثرها في تعطيل مهام الحواس والتي هي جزء أساسي وهام في حمل هذه الأمانة وهو ما يشير إليه سبحانه وتعالى أيضًا ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة النحل: 78).

فهذه الحواس أدوات العلم وعن طريقها تسير مهمة الإنسان نحو أداء الأمانة ومعرفة دروبها نحو معرفة الله... ومعرفة مهمته... ومعرفة حدوده وأوامره. واجتناب نواهيه... إلخ وهذه الحواس أيضًا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعقل البشري الذي يوقظ في الإنسان جوانب الإدراك والتفكير ومشاعر الإحساس ويفتح لمنافذ الأسماع والأبصار والأفئدة طريقًا تشق به عوالم الحياة والكون لمعرفة أسراره... وحقائقه وصولًا نحو معرفة الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى مشيرًا إلى ذلك أيضًا ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (سورة آل عمران: 190- 191).

فأولو الألباب هم أصحاب العقول الرشيدة والأفكار السليمة والحواس القويمة الذين عرفوا طريق الأمانة ومهماتها وساروا نحو الحق وطريق الحق، فآمنوا وازدادوا إيمانًا ويقينًا ...وعاشوا في حمل هذه الأمانة بين الأمل والرجاء... والرغبة والرهبة...؟؟؟؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 104

110

الثلاثاء 13-يونيو-1972

بريد القراء (104)

نشر في العدد 367

93

الثلاثاء 20-سبتمبر-1977

الإسلام دين السلامة