العنوان أمن العمل والعقيدة الدينية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1981
مشاهدات 58
نشر في العدد 535
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 07-يوليو-1981
إن من أول شروط العمل الآمن: الاحتفاظ بالاتصال مع القاعدة والعمق
الصديق لمواجهة التطورات المستجدة، والتي ربما تستدعي تغييرًا في الخطة أو طلب
المزيد من الرجال والسلاح من القيادة المركزية.
وهذا ما كان يحرص عليه أبو عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- فلا يتوغل
شمال دمشق إلا بعد القضاء على البيزنطيين في «فحل» ولا يتحول عن «بعلبك» حتى يتم
فتحها منبهًا جنوده إلى وقوعها في ميدان أعمالهم، وبذلك فهو يحرم العدو من فرص
الاتصال بقواعد الإمداد الأخرى.. ويظهر هذا عند فتح دمشق، فقد وجه مجموعات الفرسان
على المحاور التي تربط دمشق بكل من حِمص وفلسطين وفحل.
وخالد بن الوليد -رضي الله عنه- هو أكثر القادة إتقانًا لإخفاء
المعلومات عن العدو وحرمانه من معرفة نياته وخططه فقد كان يستخدم إستراتيجية
الهجوم غير المباشر بحيث يبدأ مدافعًا، ويتحول مقاتلًا في كل الأجنحة حتى إذا ما
عثر على نقطة ضعف العدو طور الهجوم من قلب الدفاع إلى هذه النقطة موقعًا في صفوف
العدو مباغتة وارتباكًا يجعلهم في ذهول من الصدمة حتى تقضي القوات الإسلامية
الزاحفة على مراكز تعنتهم الكافر.
ثم يلاحق سيف الله -خالد- فلول المهزومين ليمنعها من فرصة مراجعة
الموقف والتجمع والراحة وبذلك يجهز على فعاليتها القتالية ويمنعها من الاتصال
بالقيادة أو نقل أخباره إليها ليحتفظ بعنصر السرية والمفاجأة في العمليات التي
يقوم بها.. وبهذه الخطة الحكيمة كان يحرم العدو من حرية العمل والسيطرة.
وفي مجال «جمع المعلومات» ما كان خالد رضي الله عنه يتوقف عن العمل
قبل المعركة ولا أثناءها ولا عقبها، فقد كان يرسل المسالح «مراكز المراقبة
المتقدمة» إلى أقصى الحدود ضمانًا للرصد والإنذار، ويرسل أنصارًا للتوغل ونقل
المعلومات، وعند فتح بلد من البلدان كان يفرض من الشروط في عقد الصلح: أن لا يقدم
العدو أي دعم أو مساعدة لأعداء المسلمين وفي الوقت نفسه كان يستفيد من المعتدلين
والعقلاء من سكان المناطق المفتوحة الذين يعرضون خدماتهم على المسلمين في رصد
تحركات العدو وإعطاء المعلومات الأمنية فيما يتعلق بالأرض والذخيرة خاصة..
ولما كان مسرح العمليات -غالبًا- في مناطق النفوذ المعادي فقد كان
يطبق مبدأ «أمن العمل العسكري» وفق الإجراءات التالية:
1. جمع المعلومات عن العدو والأرض والسكان والروح
المعنوية..
2. نقل المعلومات، وتعميمها على مختلف المستويات.
3. الحرص على «أمن القوات» من خلال طرق متنوعة من
الحماية سواء في المعسكرات أو أثناء المسير والتوقف أو أثناء الاشتباك، ولذلك كان
يهتم بحماية مؤخرة الجيش جيدًا، ويهتم بإعادة تنظيم القوات أثر كل معركة ويعين
أكفأ القادة لحماية المناطق المحررة.
وعندما توجه خالد لقتال مسيلمة، باغته وجاء بالأسرى وسألهم: متى سمعتم
بنا؟ قالوا: ما سمعنا بك، وما شعرنا!
ولعل السر في عجز العدو عن تحصيل المعلومات هو سرعة خالد في الاقتراب
والتنفيذ، ومن الأمثلة أنه لما خرجت قوة من «الحيرة» لمقاتلة جيش خالد، وتوجه قسم
منها لتحويل مياه الفرات، وجاء الاستطلاع يخبر خالدًا عن هاتين الحركتين فاتجه إلى
القوة الفرعية وأبادها، حتى لا ينتقل خبر تحركه، ثم أسرع من فوره يسبق الأخبار
ليباغت القوة الرئيسية في مأمنها، وأمام هذه السرعة في الحركة ومع الاستطلاع
النشيط يفقد العدو كل أمل في تحصيل المعلومات ومباغتة المجاهدين المسلمين.. ولهذا
لم تنكب قوات الفتح الإسلامي بقيادة خالد رضي الله عنه أبدًا..
ولا يقل عمرو بن العاص- رضي الله عنه- عن خالد في إجراءات «أمن
العمل»، ولقد كان أستاذًا مُبدعًا في الاستطلاع وجمع المعلومات والتخطيط المحكم،
وكان يسير إلى هدفه وهو على ثقة تامَّة ومعرفة ويقين.
ولقد ضرب المثل بنفسه عندما استطلع حصن «أرطبون» -قائد الروم في
أجنادين- ودخل الحصن وتأمله وقابل أرطبون وسمع منه واستطاع أن يُفلت من يديه..
ولقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب،
فانظروا عم تنفرج...» وقد نظم عمرو هجومًا قويًّا هزم الروم وفر أرطبون إلى القدس..
وهكذا فإن «أمن العمل» مبدأ حربي أساسي عرف قادة الفتح قيمته فطبقوه،
ولذلك قلَّمَا نجد الروم أو غيرهم أفلحوا في مباغتة المسلمين، وكثيرًا ما نجح
المسلمون في مباغتة الروم والفرس واليهود وشلُّوا حركتهم وأجلوهم عن مناطق نفوذهم..
إن حرص القرآن الكريم على «المسلمين» وسلامتهم وأمنهم وتحذيره من
«موالاة الكافرين» ومؤامراتهم وعدوانهم كان هو الدافع الحقيقي لقادة المسلمين
للالتزام بتطبيق «أمن العمل» حرصًا على أمن المسلمين وتفوقهم وسيادتهم.. ومن هنا
نتبين أن «العقيدة القتالية» ليست منفصلة عن «العقيدة الدينية» لدى القادة بشكل
خاص.. فهل وَعَى قادتنا هذه الحقائق، واستفادوا من دروس التاريخ وسيرة رجالات
الإسلام؛ ليستفيدوا ثقة ويقينًا وشجاعة تضاف إلى ما يجب عليهم إتقانه من التقدم
العلمي والتكنولوجي وبدونهما نبقى دائمًا في متاهات «الأمم المتحدة» والحل السلمي
ونسلك دروب الخيانة التي بدأت مع الهدنة الأولى وما تلاها مما هو معروف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل