العنوان تأسيس جماعة الإخوان
الكاتب محمد فريد عبد الخالق
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1987
مشاهدات 98
نشر في العدد 836
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 29-سبتمبر-1987
محمد فريد عبد الخالق يكتب للمجتمع عن:
تأسيس جماعة الإخوان
الدعوة التي دعا إليها الإمام الشهيد حسن البنا هي دعوة الله ورسوله، لم تكن من فراغ، بل تاريخها يبدأ منذ بدأ الإسلام وعبر التاريخ الطويل كانت تتجدد حركات وتقوم دعوات إلى تصحيح مفاهيم الإسلام لدى المسلمين وتصحيح مسارهم، كي تدفع عن الأمة الإسلامية عوامل النقص والانحطاط والاضمحلال، ويدفع عن كيانها أذى الاعتداء الذي يأتيها من الخارج أو يقع من الداخل والإسلام لا يلحقه نقص إنما النقص يلحق بالمسلمين عندما يتخلفون عن الأخذ بدينهم عقيدة وسلوكًا وشريعة، فعلى قدر استيعاب المسلمين للإسلام بقدر الحضور الإسلامي في المجتمع، وبالتالي استكمال مقومات الأمة والدولة وازدهار حضارة المسلمين...
والمسلمون هم ورثة هذا الدين، وهم مسؤولون أمام الله عز وجل، وأمام التاريخ عن نشر الإسلام في صورته الحقيقية والمتكاملة، دين ودولة وحضارة، وبصرف النظر عن المراجعات التاريخية التي تضعنا أمام صور ازدهار وصور تخلف، وقراءة لماذا وقع الازدهار، ولماذا وقع التخلف، فإنه من السهل على أي مؤرخ أو مفكر عند أي قراءة لهذا التاريخ قراءة واعية أن يعرف أن هناك عامل ارتباط قويًّا جدًا، بل ارتباط عضوي بين ما يحصله المسلمون من وعي بدينهم وعمل به والتزام له في أنفسهم كما يلتزمون به مع غيرهم، في خاصة أمورهم وفي عامة هذه الأمور بقدر هذا التمثل لهذا الدين في كل مواقع الحياة بقدر ما يحصل الازدهار والعكس صحيح... وهذه حقيقة أو مقولة تاريخية لا غبار عليها.
فترة ظهور الإمام البنا
فإذا عدنا إلى العالم الحديث الذي نعيش فيه الآن... منذ بداية القرن العشرين الذي يوشك أن يفضي بنا إلى قرن آخر نستطيع أن نقول إن عوامل تاريخية واجتماعية وسياسية وفكرية تجمعت روافدها والتقت بكل مؤثراتها في الفترة التي أراد الله تبارك وتعالى أن يتصدى لنشر وتجديد الحركة الإسلامية الإمام الشهيد حسن البنا في أواخر العشرينيات من هذا القرن... والرصد التاريخي أو الاجتماعي أو السياسي أو الفكري لهذه الفترة ليس صعبًا، وهو معروف... من استعمار وحركة تبشيرية واتجاه علماني مستورد، ثم قعود المؤسسة الدينية ممثلة في الأزهر الشريف والعلماء عن الاضطلاع بالدور الحيوي الذي يوقف زحف عوامل الهدم التي تنال من كيان هذه الأمة، سواء المستعمر أو أنظمة الحكم التي لا تلتزم بالإسلام أو الفساد الاجتماعي الذي سببته عوامل الضعف والغزو الحضاري الفكري لحضارة الغرب.
كل هذه العوامل جاءت فكانت على موعد فكانت إرادة الله عز وجل كما يقول الحديث النبوي فيما معناه:
«إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها». فكان على رأس القرن هذا الرجل، وكان منذ نشأته في الدعوة، وعندما أجمع الناس عليها، كان كأحدهم، ليس حوله هالة وليس له وضع متميز، وهذه طبيعة الإسلام، فكان المسلمون الأوائل أو الناس عامة يدخلون على خليفة رسول الله في قومه فلا يعرفونه فكانوا يسألون مثلًا: أيكم عمر...؟ فكان حسن البنا على هذا النهج في التربية، وكانت نشأته في صباه نشأة طيبة، وكان له توجه روحي، شحذ فيه كل عوامل الإيمان وعمق الصلة بالله ونقاء العقيدة، فالرجل قدم بهذا الإعداد... استعداده العلمي جيد... دراسته للإسلام... تخرجه في المدارس، وكان أول فرقته في كلية دار العلوم، وعند التخرج، كتب موضوعًا ردًا على سؤال طرحه عليه الممتحن، مما يقف عنده المؤرخ، فقد كانت الكتابة التي كتبها وهو في العشرين من عمره ردًا على سؤال: ما هو تصورك لمستقبل حياتك؟ كتب حسن البنا ما لا يخرج عما كتبه بعمله وبكلماته عبر سني حياته العشرين التي تلت إجابته على السؤال... إنشاء دعوة وجمع الناس على مفاهيم الإسلام الصحيحة، والدعوة إلى الخير الذي أمر الله به ولم شمل الأمة المتفرق في مواجهة الأعداء ومحاولة إقالة الأمة من عثراتها، لتستعيد قوتها وتواصل مسيرتها، وتجمع شمل الأمة الإسلامية جمعاء، فالرجل كتب في موضوعه، ما لم يزده إلا توضيحًا، وهذا شيء مدهش، وكان أصغر خريجي هذه الكلية، وكان يقول دائمًا إن كل همي أن أسعد أمتي وأهلي... كان دافع الخير والمحبة، سلامة النفس، سلامة الطوية، وانبعاثه من المحبة والفهم الذي لا يلحقه غموض ولا جمود ولا تقليد..
مرحلة التأسيس
فحسن البنا في المرحلة التي عاشها أستطيع أن أقول إنها مرحلة التأسيس، وهذه المرحلة كان الهم الأساسي فيها تربية العناصر التي تستطيع بفهمها وسلامة تكوينها، وتزودها من القدرات المطلوبة للدعاة من ثبات على الحق وتعامل بالإسلام والالتزام به في كل الأمور التزاما متكاملًا ومتوازنًا، والسير به بطريقة متوازنة، أن تصبح القدوة الصالحة، بحيث نشأ فعلًا جيل تفتح عن أشياء لم تكن معهودة، واستطاع هو- رحمه الله- أن يجد بذور الدعوة لأول مرة تدخل الجامعات، سواء أكانت الجامعة الأزهرية أو الجامعات المدنية ولأول مرة يرى الناس شيئًا جديدًا عليهم... أن يروا الطبيب والمهندس والصيدلي وغيرهم إلى جانب الأزهريين يتكلمون عن الإسلام بهذا الفهم المتكامل، وتجديده في نفوس المسلمين لبعث الهمم واستنهاض العزائم، على أساس التجمع حول الدعوة، وإزاحة كل المعوقات التي تقف دونها، ليستعيد الناس عزة دينهم، ويكونوا أمة لا يطمع فيها الطامعون ويدفع المسلمون عنها كل معتد أو متطلع لخيراتها..
كانت الصورة في الحقيقة، نقلة جديدة لم تكن معهودة، حتى في المفاهيم... نحن نسمع الآن على ألسنة الرؤساء والعلماء وأولي الأمر والدعاة والشباب والمشيب، مقولات كانت في أيام الإمام البنا شيئًا جديدًا... عندما نقول الآن الإسلام دين ودولة، ودين وحضارة، كان ذلك في العشرينيات والثلاثينيات، شيئًا غريبًا على الأسماع حتى أن من العلماء من توقف في ذلك... الآن هذه المفاهيم آتت أكلها، وحققت ثمرتها، وأصبحت مفاهيم سائدة، فعندما كنا ننادي بتطبيق الشريعة الإسلامية وأحكامها والقضاء على عوامل الانحلال وعوامل الفساد والاستبداد كل ذلك كان أمرًا غريبًا..
دعا حسن البنا الناس بلغة طيبة، وخاطبهم آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، إلى آخر الرسائل التي نادى الإسلام إليها المسلمين عندما ينصحون الحكام أو عامة الناس وكان يقول: إنني داعية إلى الله، أدعو الناس على بصيرة، وأجمعهم على عمل الخير، ولا أضع نفسي فوق أحد، ولا أدعي أنني وحدي المسؤول، إنما هي مسؤولية كل مسلم ومسلمة؟ ولم يقم أي تفرقة، وفتح الباب على مصراعيه فحمل كل مسلم مسؤوليته، ولم يتقوقع على نفسه، ولم ينحبس داخل إطار وإنما كان منفتحا على المجتمع ككل... لذلك ترى كل من عايشوه حتى الأجيال المتأخرة كل من له صلة بالإسلام حتى ولو كان في السلطة الآن يقول لك: أنا عشت في الإخوان... تجد المهندس أو الصحفي أو العامل... جميع طبقات المجتمع، حصل كل فرد منهم قدرا من الصلة بالدعوة فهما أو تأثرا بأدائها وسلوكها كان حسن البنا رحمه الله منفتحا انفتاحا كاملًا.
فمرحلة التأسيس أخذت من الإمام الشهيد دور وضع الأسس ووضع الوسائل التي بها يتحقق الهدف أنشأ ساحات في واقع المجتمع، تربى فيها الشباب تربية علنية، فالنوادي انتشرت والجوالة، وكذلك المستشفيات والمستوصفات في كل إقليم وفي كل قرية... كانت تحتك بأواسط الناس وفقرائهم من المستضعفين الذين لا يلتفت إليهم أحد.
أول من نبه لخطورة اليهود
ومرحلة التأسيس كانت فيها مواجهات سياسية، ومواجهات وطنية قومية، على أساس الصدام مع المستعمر المحتل من الإنجليز، وكذلك كانت هناك تعبئة لمقاومة اليهود في فلسطين، ومما يذكر للرجل -حسن البنا- في هذه القضية أنه كان أول المنتبهين من المسؤولين أو الدعاة، وأصحاب الرأي والفكر في المجتمع المصري إلى خطر الصهيونية، ونحن بعد في العشرينيات والثلاثينيات، وكان يقول إن هذه القضية خطيرة، ولها عواقب وخيمة وإذا لم يتنبه المسلمون فستضيع القدس، ولم تكن آنذاك أشياء من هذا قد وقعت، ولكنه كان -لبعد نظره- يستشف ما يكاد يكون محجوبًا في ضمير الغيب.
ومرحلة التأسيس كتب فيها حسن البنا وعرف بفهمه للإسلام، وبأهداف الدعوة ووسائلها وسار بالدعوة داخل هذه المرحلة خطوات، انتشرت بها في كل أرجاء مصر، ووجدت عناصر تربت تربية جيدة حملت الدعوة بأمانة وصدق، واستطاع الإمام الشهيد أن يوجد أنظمة قانونية للهيكل، حتى يحفظ على الدعوة بنيتها الداخلية، على أسس قانونية حتى لا تعصف بها العواصف وحتى يسترشد بها الإخوان عند المنعطفات في الطريق، فكان هناك قانون أساسي يحكم الجماعة، ونظام معين للهيئة التأسيسية التي يرجع إليها كهيئة أهل حل وعقد، تستشار فالأمر عنده كان شورى، وكانت الشورى ملزمة، وكل شيء يخضع للشورى ولا ينفرد أحد بالسلطة في أي موقع من مواقع العمل... وكان القانون الأساسي يجعل من حق مجلس الشورى «الهيئة التأسيسية» اختيار أعضاء مكتب الإرشاد، وكان من فطنته رحمه الله وحسن بصره بالأمور أن جعل عمر المكتب لا يزيد عن سنتين، ثم بعد ذلك تنتهي عضوية الأعضاء الذين كانوا في مواقع المسؤولية، ثم يعاد الأمر إلى الهيئة التأسيسية لتقضي فيه بما تشاء... ربما جددت للبعض أو غيرت حسب مواءمات الظروف، وحسب ما تراه الجماعة من حقها وما هو أصلح للمرحلة، وكان هذا يتلقاه الإخوان تلقيًا طبيعيًا، ومن ترك موقعه كقائد، كان لا يشعر بشيء، لأن الجندية هي الأصل وكانت الهيئة التأسيسية تشعر أنها صاحبة الرأي والأمر فكانت قوية وكانت الجماعة قوية، لأنها تملك أن تختار وأن تغير... وهذا هو مركز القوة وهو مركز القوة في البنية الإسلامية منذ أنشأ محمد صلى الله عليه وسلم الدعوة في المدينة.
عندما تتحول الدعوة إلى قضية شخصية لكل فرد
وقد استطاع بحكمته رحمه الله أن يضع قانونا استوحى أسسه من الإسلام، فكان من في موقع السلطة لا يجد الشيطان إلى نفسه سبيلًا، لأن العمر فيها قصير، لا يكاد يعلق بها هوى والإسلام حريص على هذا المعنى لأن فيه براءة النفوس وبعدها واستعصامها عما قد يبلغه هوى والسلطة هوى... فكان رحمه الله رجلًا حصيفًا، حتى في الناحية القانونية، وتأسيس بنية الجماعة، ليعصمها من كل عوامل الضعف، ودائمًا كان يأمر الإخوان بأن يعتمدوا على «الملاليم» التي يقتطعونها من أقوات أبنائهم، ولا يعتمدون على الملايين التي قد يأتي بها الموسرون، لأن الدعوات تترهل إذا لم تحصل على «ملاليم» أعضائها التي تقتطع من لقمة العيش لأنها تتحول بذلك إلى قضية شخصية، فكان ينفق على دعوته كأنما ينفق على أولاده فالدعوة عندئذ تحتل البؤرة وتتصدر قائمة الاهتمامات، أما إذا ترهلنا، وأنفق علينا غيرنا، تتحول الدعوة إلى شيء، ويسلب منا عنصر أساسي من عناصر الالتصاق بها وهو الحيوية، وهو الالتزام الحقيقي المنبثق من الارتباط مع المبادئ، ومع الحق تبارك وتعالى في الالتزام بهذه الدعوة، ويأتي بعد ذلك الارتباط التنظيمي، محكومًا بهذا الارتباط الأساسي.
وأنا لا أستطيع -في هذه المساحة المحدودة- أن آتي كل شيء فيما يتعلق بهذه المرحلة في عمر الدعوة، ولكن لعلي استطعت أن ألقي الضوء على أهم السمات والخصائص والميادين التي غشيتها الدعوة في تلك المرحلة..