العنوان تأخير النصر
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الأحد 03-مايو-1992
مشاهدات 54
نشر في العدد 999
نشر في الصفحة 32
الأحد 03-مايو-1992
طريق الدعوة طويل وشاق مليء بالعقبات والمحن
والابتلاءات، وقلَّ من يصبر عليه (لو كان عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا لاتبعوك ولكن
بعدت عليهم الشقة) وقليل من يجتازه إلى نهايته برباطة جأش وثبات واحتمال. والتزام
تام بالمنهج، خصوصا إذا طالت المدة وتقاصرت الهمم ونفد الصبر أمام انتفاش الباطل
وضغوط الظالمين ومساوماتهم واستعجال المتعجلين المتحمسين وتنازلاتهم للحصول على
المكاسب واستجلاب المصالح أو إرضاء للغوغاء والدهماء فيسلكون بدعوتهم غير سبيل
المؤمنين رغبة في تحقيق النصر السريع والوصول إلى الهدف بأبخس الأثمان ولو أدى بهم
التنازل إلى الانحراف عن المنهج والله سبحانه وتعالى يريد من عباده الاستقامة على
منهجه فليس زوال الكفر مقياسا للنجاح دائما بل قد يبتلى المؤمن ويقتل وهو في ميزان
الله من المنصورين وقد يكون بالغلبة والظهور على الأعداء أو بإهلاك المكذبين أو
بانتصار منهج الداعية الذي عاش من أجله أو بالثناء الحسن الذي هو عاجل بشرى
المؤمنين.. فالثبات على المبدأ في حقيقته انتصار محقق كما في قصة أصحاب الأخدود،
ومحنة الإمام أحمد الذي لم يقبل المساومة.
فمن استبطأ النصر غالبا غفل عن أسباب تأخيره ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ
ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ
شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم
مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة: 25). حينما قالوا «لن نغلب اليوم من قلة» فالإعجاب
بالنفس ونسيان الله تعالى والتقصير في طاعته واتباع أوامره والتخلي عن بعض أمور
المنهج أو الانحراف عنها أو التساهل فيها وتغليب المصالح على المبادئ كلها أسباب
تؤخر النصر.
«والنصر قد يبطئ على الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم
بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله» فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها الله.
قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة لم تنضج بعد نضجها، ولم
يتم بعد تمامها ولم تحشد بعد طاقاتها.. فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكا لعدم
قدرتها على حمايته طويلا!
وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في
طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد فلا تستبقي عزيزا ولا غاليا لا تبذله هينا رخيصا
في سبيل الله.
وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها
فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر، إنما يتنزل النصر من
عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعده إلى الله.
وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وهي
تعاني وتتألم وتبذل، ولا تجد لها سندًا لها إلا الله، ولا متوجها إلا إليه وحده في
الضراء، وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن
به الله فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به الله.
وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في
جهادها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته ودينه فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية
لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله
بريئًا من المشاعر الأخرى التي تلابسه، فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في
سبيل الله.
كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة
المؤمنة بقية من خير يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصا، ويذهب وحده هالكا.
وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة
لم ينكشف زيفه للناس تماما، فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارا من
المخدوعين فيه لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله فتظل له جذور في نفوس الأبرياء
الذين لم تنكشف لهم الحقيقة فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريًا للناس
ويذهب غير مأسوف عليه.
وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح لاستقبال الحق
والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة
لا يستقر لها معها قرار فيظل الصراع قائمًا حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال
الحق الظافر واستبقائه.
من أجل هذا كله ومن أجل غيره مما يعلمه الله، قد يبطئ
النصر فتتضاعف التضحيات وتتضاعف الآلام.. مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق
النصر لهم في النهاية فلنراجع نفوسنا أن تخالطها أهواء الشيطان الذي يريد أن يفسد
عبادتنا وجهادنا وأعمالنا بالرياء والغرور والكبر والتعالي وحب الزعامة والظهور
والتطلع لأعراض الحياة الدنيا وأن يقصد كل مجاهد بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله
وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر
وبذلك يكون جندي فكرة وعقيدة لا جندي غرض ومنفعة وليحذر كل منا من الارتباط
بالأشخاص ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ
عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ
شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).
ولنحرص على الإصلاح بين الطوائف المتخاصمة ولو لم يتم
ذلك إلا بالعنف محافظة على كيان الجماعة وإبقاء لعلاقات المودة والإخاء ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا
الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إلىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: 9).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل