العنوان بيوتنا فى رمضان
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2007
مشاهدات 67
نشر في العدد 1772
نشر في الصفحة 52
السبت 06-أكتوبر-2007
Dr_samiryounos@hotmail.com
(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد
يرى التربويون أن البيت من أهم المؤسسات التربوية، ففيه تبدأ تربية الصغار، وتستمر تربية الكبار، بل إن ملامح شخصية الطفل تتشكل وتتبلور منذ سنواته الأولى في البيت، ومن هنا تتضح أهمية البيت وأدواره في تربية أفراده، وتواتي البيت المسلم فرص تربوية ثمينة؛ إن أحسن استثمارها عادت على أفراده بمردود كبير وخير وفير، ومن أهم هذه الفرص وأعظمها شهر رمضان الكريم.
وإذا كان قد مضى من شهر رمضان أكثر مما بقي، فإن الله تبارك وتعالى لم يغلق أبواب رحماته ومكرماته، فلا يزال الباب مفتوحًا لاغتنام هذا الخير، إذ بقيت أيام في العشر الأواخر منه، وهي من أفضل الأيام حيث كان رسول الله ﷺ يحيي الليل فيها، ويوقظ أهله، ويشد المئزر، ويجتهد في الطاعات والعبادات وسائر أعمال الخير؛ فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ: «كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر».
وفي رواية لمسلم: «كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره».
وحتى إذا انقضى شهر رمضان وانفرط عقده، فما كتبه الله من أيام بقيت في أعمارنا إنما هي فرص كثيرة وعظيمة، كل عام، بل كل شهر، أو يوم، أو حتى ساعة يمكن استثمارها في عمل الخير، وقد تحدث الإمام الغزالي- رحمه الله- عن كل ساعة يعيشها المسلم، ورأى أن في اليوم والليلة- وهما يتكونان من أربع وعشرين ساعة- أربعًا وعشرين خزانة، يستطيع العبد أن يملأهن نورًا أو ظلامًا، فإن حرص على الطاعة في كل ساعة، فقد ملأ هذه الخزانة نورًا، وإن تغلب عليه الشيطان فعصى خالقه في تلك الساعة وحاد عن جادة الطريق، فقد ملأ خزانته ظلامًا وعصيانًا: عافانا الله.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف يستثمر أفراد البيت المسلم شهر رمضان تربويًّا؟
في السطور التالية أحاول أن أجيب عن هذا السؤال المهم، مراعيًّا أن يكون لكل فرد من أفراد البيت المسلم نصيب من هذا الخير، وسوف أبدأ بالعلاقة بين قطبي البيت المسلم «الزوج والزوجة».
أولًا: ليكن رمضان شهر الحنان والأمان
يشكو كثير من الأزواج والزوجات من عدم شعوره بحنان الطرف الآخر وفقدانه الأمان معه، ولكي يشعر كل طرف بحنان شريكه والأمان معه، ثمة وصايا للزوج وأخرى للزوجة، وثالثة للزوجين تجاه الأولاد.
أ- وصايا للزوج:
- كن كريمًا سخيًّا في عواطفك ومشاعرك، وعطائك المادي- حسب قدرتك، وأشعرها دائما بأنها لن تحتاج إلى مخلوق ما دمت أنت حيًّا، وتجنب أن تثير معها القضايا التي تفقدها الأمان وعلى رأس هذه القضايا- بالطبع- إبداء الرغبة في الزواج بأخرى حتى إن كنت مازحًا، فهذا الأمر غير مقبول لدى الزوجات، وكله عندهن جد يثير ذعرهن.
- كن قوي الشخصية دون قسوة أو غرور، لينا في غير ضعف، حازمًا في غير عنف.
- أبرز رجولتك وأشعرها بأنوثتها ودللها، مع زوجتك وأشعرها في عينيك بأنها أفضل النساء.
- احرص على أن يكون بينك وبينها حوار هادئ جذاب، واهتم بما تهتم هي به واستمع إليها، واطلب رأيها.
- قدر مشاعرها واعطف عليها دائمًا، وخاصة عندما يصيبها ألم أو حزن أو مكروه.
- لا تكن أنانيًّا، واحرص على أن تؤثرها على نفسك قدر الإمكان.
- سامحها واعف عنها إذا هي قصرت أو أخطأت ما دامت الأخطاء تغتفر.
- كن غيورًا عليها باعتدال، بما يشعرها بحبك لها دون شك.
- فاجئها بكلماتك وممارساتك الرومانسية الدافئة، كأن تدعوها إلى إفطار في مكان هادئ جميل على ضوء الشموع، أو نزهة، وأثن على جمالها الروحي والجسدي.
- تحمل ظروفها وحالتها النفسية الطارئة أو الدورية، كما هي الحال في فترة الحيض أو المرض، وخفف عنها بكلمات حانية، وأشعرها باحتياجك إليها.
ب- وصايا للزوجة
- اهتمي بنفسك ومظهرك، واحرصي على أن يراك زوجك دائمًا في أحسن صورة، وألا تقع عيناه على ما يكره.
- اخفضي صوتك معه لأن رفع الصوت يفقدك أنوثتك.
- لا تطلبي منه ما هو فوق طاقته وإمكاناته.
- لا تتكبري عليه، ولا تعيريه بنقيصة، ولا تقللي من شأنه أمام الناس.
- لا تكوني شكاكة، ولا تقومي بدور الشرطي حتى إذا بدا لك منه أخطاء وتجاوزات؛ لأن ذلك يزيد من تفاقم المشكلة، ولا يحلها، فكوني حكيمة في تصرفك، والأجدر أن تستخدمي أسلوب رسولنا الكريم ﷺ في النصح والإصلاح، وهو «ما بال أقوام»؟
- تجنبي العناد، واقبلي برأيه ما دام صوابًا، فإن لم يكن هو على صواب، فقدري الأمور بقدرها، «ولا تصنعي من الحبة قبة».
- لا تتدخلي فيما لا يعنيك من شأن أقاربه، أو أقاربك أو الجيران، أو غيرهم.
- كوني بشوشة واحرصي على أن يراك مبتسمة إلا إذا كان حزينًا ومتضايقًا.
- شاركيه آلامه وأحزانه إن وجدت، وحاولي أن تخففي عنه.
- احرصي دائمًا على أن تظهري له حبك ووفاءك وإخلاصك وإعجابك برجولته وصفاته، واحتياجك إليه، وأهميته في حياتك.
ج- وصايا للزوجين تجاه الأولاد:
كثير من أبنائنا وبناتنا في حاجة ماسة إلى حضن أبوي دافئ يشعرهم بالحنان والأمان، وكثير منهم يتوق إلى قبلة تشعره بالسعادة والدفء الأسري بيد أن كثيرًا من الآباء والأمهات قد شغلوا عن أولادهم، ولم يدركوا حاجات الأولاد إلى هذا الحنان والأمان، وأن إشباع هذه الحاجات هو أساس الصحة النفسية لهؤلاء الأولاد؛ لذا فالفرصة سانحة أمام الآباء والأمهات في هذا الشهر الكريم، وذلك لتواجد الآباء بالبيت في هذه الأيام أكثر من أي أيام أخرى، فليت الآباء يفطنون إلى هذه الفرصة ويغتنمونها.
ثانيًا: اليوم الرمضاني في بيوتنا
1- صلاة الفجر
يبدأ يوم رمضان بصلاة الفجر ويمكن استثمار ذلك بالترديد خلف المؤذن ثم الصلاة على رسول الله ﷺ، وتوجيه أفراد البيت إلى اغتنام الوقت بين الأذان والإقامة في الدعاء، يقول ﷺ، «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة» (رواه أحمد والترمذي وأبو داود).
وبعد أداء صلاة الفجر في جماعة بالمسجد يحرص أفراد البيت المسلم على أذكار الصباح، سواء بالمسجد لمن وجد بالمسجد، أو بعد عودتهم من المسجد إلى البيت، ثم يصلون صلاة الضحى.
يقول رسول الله ﷺ: «من صلى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.» (رواه الترمذي وصححه الألباني).
2- التأهب إلى الخروج للعمل:
يحسن أن تقتفي الزوجة هنا طريق الصحابيات والصالحات من السلف الصالح؛ فتوصي زوجها بالكسب الحلال، ويحسن بالأبوين أن ينصحا أولادهما بالاجتهاد في الدراسة لرفع شأن الأمة، وأن يذكر الأولاد بأن رمضان شهر الجهاد والنصر والذكر والطاعة.
3- وقت الظهر
يتجهز أفراد البيت المسلم للصلاة، فيتوضؤون. فإذا أذن المؤذن رددوا خلفه، وصلوا على رسول الله ﷺ، وصلوا السنة القبلية، ثم أدوا الصلاة في جماعة، وأتبعوها بالسنة البعدية، ثم يقرأ كل منهم حزبًا من القرآن الكريم، فإذا تأخر الأولاد في مدارسهم فليقرأوا وردهم فور عودتهم، أو عقب استيقاظهم من نوم قصير لا يتجاوز الساعة بعد وصولهم إلى البيت.
4- وقت العصر:
بعد التهيؤ للصلاة بالوضوء، والترديد خلف المؤذن والصلاة على رسول الله ﷺ تدخل الزوجة المطبخ ويساعدها أفراد الأسرة ما أمكن، ولا تنس أن في المطبخ عبادات كثيرة كالذكر والثناء والشكر، يقول رسول الله ﷺ، يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة. الحديث «رواه مسلم».
وثمة عبادات أخرى يمكن أن تؤديها الزوجة في نفس الوقت الذي تجهز فيه طعام الإفطار بالمطبخ، ومن ذلك الاستماع إلى القرآن، أو شرائط التسجيل التي سجلت عليها دروس دينية، أو التي تذاع وتبث من إذاعة القرآن الكريم، ولا تنس الزوجة أن في ذلك خيرًا كثيرًا، وسكينة للقلب وطمأنينة، قال تعالى: ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: «إن شرائع الإسلام قد كثرت علي. فأنبئني بشيء أتشبث به، فقال لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله، (حديث صحیح صححه الألباني.)
5- وقت المغرب
من الخير أن يحرص رب الأسرة أن يوجد بين أفراد بيته قبيل المغرب بفترة لا تقل عن نصف ساعة، ويكون الجميع متوضئين، ويحرص كل منهم على أن يردد أذكار المساء، ويمكن لمن لم يحفظها أن يقرأها من كتيب حتى يحفظها بعد ذلك فيرددها من الذاكرة.
وبعد أن ينتهي أفراد البيت من ترديد المأثورات، يستعدون للإفطار على وتر من الرطب أو التمر أو الماء مع الحرص على الدعاء المأثور، حيث كان رسول الله ﷺ يقول: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله»، ومن الخير أن يكثر العبد من الدعاء عند الإفطار، فإنه من الأوقات التي يستحب فيها الدعاء ويستجاب.
وبعد الإفطار يصلي الرجل وأبناؤه في المسجد، وتصلي الأم مع بناتها جماعة في البيت، ثم يجتمعون على الإفطار مع الجد والجدة إن وجدا، ثم يستعد الجميع ويتهيؤون لصلاة العشاء بالوضوء والتطيب- عدا النساء والبنات- والتسوك واستحضار النية، ولبس الملابس النظيفة التي تليق بمناجاة الله ولقائه في الصلاة ببيته، ومن الخير هنا أن يذكر رب الأسرة أفراد بيته دائمًا بتصحيح النية، واستحضار ثواب الطاعة قبيل أدائها، فمثلا قبيل خروج أفراد البيت الصلاة العشاء يمكنه أن يذكرهم بحديث رسول الله ﷺ، «من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة»، ومن المفيد تربويًّا قبل أن يسمعهم الحديث أن يستحثهم ويشجعهم على أن يستحضره أحدهم ويذكر الأسرة به، وحبذا أن يرصد لذلك جوائز كي يحفزهم على حفظ النصوص الشرعية.
6- صلاة العشاء والتراويح:
من الأجواء المباركة السعيدة تلك التي يصحب فيها الأب أولاده وزوجته وسائر أفراد أسرته، ويذهبون لأداء صلاة العشاء وخاصة في المساجد العامرة التي يرتادها الكثيرون، ويتلو فيها قراء متميزون القرآن الكريم، فيتأثر المصلون بمعاني القرآن الكريم وخشوعهم في تلاوته وجمال أصواتهم.
ومن واجبات رب الأسرة أن يهيئ أفراد بيته لهذه الصلاة «صلاة العشاء- وصلاة التراويح»، وأن يبين لهم ما فيها من خير، وأن يوجه أطفاله الصغار إلى الالتزام بآداب المسجد ومراعاة قدسيته، وتجنب الصراخ والضوضاء التي تفسد على المصلين خشوعهم وطاعتهم.
7- ما بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر:
فور عودة أفراد الأسرة من المسجد بعد أداء صلاة التراويح يكمل كل منهم تلاوة ورده القرآني، فيقرأ حزبًا يضاف إلى الحزب الذي قرأه بين صلاتي الظهر والعصر، فيكون بذلك قد أتم تلاوة جزء من القرآن الكريم في كل يوم من أيام رمضان.
توجيهات عامة لأفراد البيت المسلم
1- تحديد الأهداف المراد تحقيقها خلال شهر رمضان المبارك وتعليقها في أرجاء البيت لتذكر الأفراد دائما بضرورة تحقيقها، ومتابعة ولي الأمر لتحقيق هذه الأهداف.
2- عقد مسابقات متنوعة على مستوى أفراد البيت ورصد جوائز للفائز فيها، فيمكن تخصيص جائزة لمن يختم القرآن الكريم أكثر من مرة في الشهر وأخرى لمن يحفظ حزبا أو جزءًا، وثالثة مسابقة ثقافية إسلامية مكتوبة، وهكذا.
3- الحرص على معايشة الأب لأولاده أكبر وقت ممكن في هذا الشهر المبارك، واصطحابه لهم وللزوجة في صلاة التراويح والتهجد.
4- حث أفراد البيت المسلم على الإكثار من الخير والصدقات في هذا الشهر المبارك، وإيجاد آلية تنفيذ عملية كأن يخصص لكل فرد حصالة، يضع فيها ما يتصدق به، ثم تفتح في العشر الأواخر، وتدفع إلى مستحقيها.
5- التخفف قدر الإمكان من أثقال الزوجة بتجهيز الطعام، تجنب الإسراف في المأكل والمشرب، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ «الأعراف: 31».