; بين نداء نابليون واعتذار البابا | مجلة المجتمع

العنوان بين نداء نابليون واعتذار البابا

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-2000

مشاهدات 83

نشر في العدد 1394

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 04-أبريل-2000

لم تنقشع بعد تلك الأجواء التي صنعتها جولة بابا الفاتيكان في الأراضي الفلسطينية، فمن طبيعة الزيارات أن تأخذ جلبتها، ثم ما تلبث أن تنتهي، لكن جلبة هذه الزيارة ربما تمكث طويلًا في المنطقة، فقد افتتحت عهدًا جديدًا في المنطقة سيكون للكنيسة الكاثوليكية وبابا روما دور واضح، وربما يكون شريكًا كاملًا أو شاهدًا رئيسًا على عملية إغلاق الستار على القضية الفلسطينية في مفاوضات ما يسمى بـ«الحل النهائي»، التي بدأت وقائعها خلف الكواليس. 

لقد حرص بابا روما على أن تكون نقطة النهاية في جولته عند حائط البراق المبكى المزعوم، والذي يعده اليهود قدس أقداسهم، وهناك حشر ورقة صغيرة في أحد شقوق الحائط تحمل كلمات حزينة على ما أصاب اليهود عبر التاريخ، وتسكب عبرات الندم طالبة الصفح والغفران، «يا إله الآباء والأجداد، يا من اخترت إبراهيم وذريته لنقل اسمك إلى الأمم، إن الحزن العميق يغمرنا لتصرفات الذين تسببوا على مدار التاريخ في عذاب أبنائك، ونطلب صفحك وغفرانك، ونحن ننشد أن نقيم أخوة حقيقية مع أهل العهد» يوحنا بولس الثاني ٢٦ مارس ۲۰۰۰م. 

ربما تتحول هذه الورقة مع الأيام إلى أثر مقدس، بل ربما تكون حائط مبكى للكاثوليك داخل حائط اليهود يحجون إليه كل عام، ولن يمانع الكيان الصهيوني في ذلك؛ لأنه يعني بقاء هذا الإذعان الكنسي لليهود حيًا في ذاكرة الكاثوليك.

قبل بداية الجولة بادر البابا باعتذار علني إلى يهود العالم عما لحق بهم على أيدي الكاثوليك عبر التاريخ، وفي ختام الزيارة كانت النهاية إيداع ذلك الاعتذار مكتوبًا داخل حائط البراق «المبكى»، فما الذي جعل رأس الكنيسة الكاثوليكية يقدم كل تلك التنازلات، ويغير موقف كنيسته من اليهود مائة وثمانين درجة؟ ما الذي تغير عند اليهود، وما الجديد الذي اكتشفه عندهم حتى يقدم على تلك الخطوات؟ لا شيء، بل إن خطوات البابا تلك لم تقابلها خطوة واحدة من أي حاخام يهودي، فلم نسمع من حاخام اليهود الأكبر ولا الأصغر كلمة ثناء واحدة على مواقف البابا، فضلًا عن إشارة -مجرد إشارة- لتغير موقف اليهود من المسيحية، أو نظرتهم القائمة على البهتان للسيدة مريم وابنها عيسى عليه السلام.

بل إن المتأمل في وقائع الجولة يلحظ شبه غياب الطرف الديني عن مشاهدها مع أن المناسبة مناسبتهم، والموقف موقفهم، وكان الذي حاضرًا هم الساسة اليهود بقيادة باراك، ولم نلحظ على تعليقاته أو ردوده أو حتى مجاملاته للبابا، ما يشير إلى شبه تنازل من اليهود تجاه الكنيسة.

 ما الذي حدث بالضبط ربما تكشف الأيام المقبلة عن مفاجآت؟

لكن مع نظرتنا المستقبلية لحركة الأيام نلتفت إلى الوراء قليلًا، فنرمق ونحن ننظر من نافذة التاريخ وجه شبه بين نداء نابليون ليهود في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، واعتذار البابا لهم في بدايات القرن الحادي والعشرين، ومع أن المسافة الفاصلة بين «النداء» و«الاعتذار» تمتد لأكثر من قرنين من الزمان، إلا أن صدى كل منهما يتردد عند الآخر، ويسيران على موجة واحدة، خدمة الطرف اليهودي. 

نداء نابليون كان يستحثهم للنهوض لتحقيق حلم الأجداد في الوطن القومي، واعتذار البابا يبيض تاريخهم، وينصبهم سادة على أرض فلسطين. 

الفارق أن نابليون ذلك السياسي الداهية كان يرمي من وراء ندائه إلى «كنس» اليهود من أوروبا، ورميهم إلى فلسطين خلاصًا من شرورهم، لكن بابا الفاتيكان يبدو أنه باعتذاره يرمي بنفسه في أحضانهم لحاجة في نفسه.

الرابط المختصر :