; بين نتنياهو وحزب العمل | مجلة المجتمع

العنوان بين نتنياهو وحزب العمل

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998

مشاهدات 72

نشر في العدد 1306

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 30-يونيو-1998

يستطيع المتتبع السياسي أن يتفهم أو يفهم الغاية من التركيز الرسمي العربي والفلسطيني وبعض الأوروبي، على وضع وزر «المخنق» الذي وصلته التسوية على عاتق نتنياهو وائتلافه الحكومي، والمضي أبعد من ذلك بالترويج لحزب العمل وتعليق أمال مستقبلية على فرزه ثانية في الانتخابات الإسرائيلية القادمة. 

لا شك أن نتنياهو ذهب بعيدًا في التعنت والعجرفة والفجاجة وهو يتعامل في موضوع التسوية، وتقدم بيريز -الذي لم يعد الممثل لحزب العمل- يلوح بضرورة رفع الحظر عن إقامة دولة فلسطينية، الأمر الذي غذى بدوره سياسات تعليق الآمال على حزب العمل. 

ربما أرادت السياسات التي تركز على نتنياهو أن تخدم إلى حد ما، زيادة عزلته دوليًا، وهو تصور لم يتحقق إلا في أضيق الحدود، بينما ساعد ربما على زيادة شعبيته في أوساط الإسرائيليين عكس ما توخى أصحاب تلك السياسات، أما الترويج لحزب العمل وتعليق الآمال عليه فليس له من مسوغ ولا يستند إلى أساس عدا في بعض الجزئيات التي تتعلق بالشكل بعيدًا عن المساس بالجوهر فنعومة الملمس عند بعض قادة حزب العمل لا تختلف فيما تبطنه تحتها عن ذاك الذي تبطنه خشونة الملمس عند نتنياهو وأشباهه.. كيف؟

أولًا: يجب ألا ينسى أحد أن التسوية وصلت مخنقها في عهد بيريز بالتحديد، بل «اللحلحة» أو «الحلحلة» التي تنفست فيها التسوية لبعض الوقت جاءت في عهد نتنياهو بعد أن وقع اتفاق الخليل، وهو الاتفاق الذي ماطل بيريز فيه حتى أخر يوم من عهده.

وما ينبغي لأحد أن ينسى أن بيريز هو الذي ضرب حصار التجويع والترويع والإرهاب على مناطق السلطة الفلسطينية وسلمها لنتنياهو على تلك الصورة، وهو الذي شن حربًا على جنوبي لبنان اتخذت طابع القصف الاستراتيجي، أي قصف الجسور ومراكز الكهرباء والماء واستهدفت تهجير حوالي خمسمائة ألف جنوبي، أي كانت حربًا على الدولة اللبنانية تضغط على إرادتها للخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وهذا يعني أنها كانت حربًا على سورية بالخصوص كما على الوضع العربي بعامة، ويمكن أن نضيف أن العلاقة الفرنسية -اللبنانية- التي تعززت بعد زيارة شيراك لبيروت مؤخرًا استهدفت أيضا بتلك الحرب. 

وإذا كانت هذه الحرب قد شنها بيريز على العرب عمومًا من خلال العدوان العسكري على لبنان فقد سبق له أن شن حربًا سياسية على الدول العربية من خلال مشروعه الشرق أوسطي، وكان عنوان ذلك ما كشفه تصريحه في المؤتمر الاقتصادي العالمي الأول في الدار البيضاء حين توجه إلى الدول العربية قائلًا ما معناه: جريتم قيادة مصر أربعين عامًا فانظروا إلى ما انتهيتم فجربوا قيادة إسرائيل وسترون ما ينتظركم من ازدهار وقد تعززت هذه الحرب بالضغوط الرامية إلى دفع بعض الدول العربية للتطبيع، بما نجم عنه من تصدعات عربية- عربية خطيرة.

فكيف ينسى كل ذلك الآن؟ علمًا بأن قائد حزب العمل الذي حل مكان بيريز لا يخلو من خشونة، أو فظاظة رابين ونتنياهو حتى في الملمس ناهيك عن المحتوى.

ثانيًا: هل ثمة أي فرق بين سياسات الليكود بزعامة نتنياهو وبرنامج حزب العمل من جهة الموقف من القدس، وتهويدها وضمها واعتبارها العاصمة الأبدية للدولة العبرية؟ هل ثمة أي فرق بينهما فيما يتعلق بالمستوطنات والمياه وقضايا الأمن والحدود، ونظرية الانتشار وليس الانسحاب، وهي نظرية بيريز كما عبر عنها اتفاق أوسلو (1) والتي تعني أن الأرض التي ينتقل منها الجيش الإسرائيلي وتصبح من مناطق (أ) لا تصبح أرضًا فلسطينية؟ وهل ثمة فرق بينهما بالنسبة إلى قضية اللاجئين وعودتهم؟ وهل ثمة فرق بينهما فيما يتعلق بالتسلح النووي والتفوق العسكري وفي المقابل تحديد التسلح العربي؟ ثم من كرس التفاوض الثنائي وجسده على الأرض من خلال اتفاق أوسلو، ومن ترك كل القضايا للمفاوضات دون مرجعية، وأصر على أن تتعهد الولايات المتحدة بعدم الضغط على الدولة العبرية، غير حزب العمل وهل يفعل نتنياهو غير هذا؟ 

فكيف تعلق أية آمال على حزب العمل لعقد تسوية تعيد القدس الشرقية والأراضي المحتلة في حزيران ١٩٦٧م، وتحل قضية اللاجئين وعودتهم؟ ناهيك عن قضايا الحدود، والمياه، والأمن، والمستوطنات؟ بل حتى كيف تعلق أية أمال على اتفاق لا يستجيب للحد الأدنى للمطالب العربية والفلسطينية وهو الذي كانت أمامه فرصة أربع سنوات من المفاوضات ولم يتمخض «حزب العمل» إلا عن اتفاق أوسلو الذي عقد التسوية حين أراد منه بيريز أن يطيح بكل المرجعيات ويستفرد بالفلسطينيين ويحولهم إلى جسر، أو جيب، يصفي القضية، ويخترق الوضع العربي نحو نظامه الشرق أوسطي وإشاعة التطبيع؟ بل يمكن القول إن ما كشف عنه من تعهد قدمه رابين للسوريين بالانسحاب من كل الجولان كان عتبة لطرح شروط ما كان السورية أن تقبل بها، أي أن عدم إنجاز انسحاب إسرائيلي من الجولان وجنوبي لبنان طوال أربع سنوات من حكم حزب العمل لا يصب في مصلحة ذلك الترويج له أو تعليق الآمال عليه، فإذا لم ينجز ذلك بالنسبة إلى أراض يعترف أنه مستعد للانسحاب منها فكيف حين يأتي إلى القضية الفلسطينية؟! 

تبقى قضية الموقف من الدولة الفلسطينية فالاختلاف هنا بين نتنياهو وباراك زعيم العمل لا قيمة له ما داما متفقين على القدس والأرض والمستوطنات والأمن واللاجئين، فالدولة أية دولة لا تقوم إلا على أرض ولا تحمل اسمًا إلا بالسيادة على حدودها وأرضها وما في باطن أرضها وأجوائها، ومع ذلك ثمة إشارات بأن نتنياهو يؤجل بحث هذا الموضوع إلى الحل النهائي الذي يريد فرضه وعندئذ سيلتقي مرة أخرى مع حزب العمل على الموقف نفسه من الدولة.

مشكلة المخنق الذي وصلته التسوية أبعد من مشكلة نتنياهو، إنها ممتدة من تل أبيب كلها حتى البيت الأبيض والكونجرس وهذه بداية لمن يريد أن يرى الأشياء على حقيقتها.

(*) كاتب ومفكر إسلامي فلسطيني

الرابط المختصر :