; بين ما هو سياسي وما هو ديني | مجلة المجتمع

العنوان بين ما هو سياسي وما هو ديني

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1987

مشاهدات 63

نشر في العدد 823

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 30-يونيو-1987

  • الحياة كما أراها وأحسها ليست ردهة طويلة على جانبيها سلسلة من الغرف المغلقة المنعزلة وقد خُط على باب كل غرفة مسمى من المسميات مثل «السياسة» و«الاقتصاد» و«الاجتماع» و«الدين». فمن أراد أن يمارس نشاطًا سياسيًّا عليه أن يدخل تلك الغرفة الخاصة بالسياسة وينعزل بالتالي عن باقي الغرف. ومن أراد أن يمارس نشاطه الاقتصادي أو الاجتماعي أو الديني عليه أن يختار الغرفة الملائمة وينعزل عن باقي الغرف ليست الحياة -كما أراها وأحسها وأفهمها- بهذه البساطة من حيث التقسيم للمناشط التي تعج بها. بل ثمة تداخل كبير بين ما هو اقتصادي وسياسي وبين ما هو اجتماعي وسياسي وبين ما هو ديني وسياسي وبين ما هو اجتماعي واقتصادي وبين ما هو اجتماعي وديني وهلم جرا.

نزید فنقول إن روعة الحياة وحركيتها بل وجاذبيتها إنما تُستمد وتُستلهم من هذا التشابك الأمبيريقي والعاطفي.

وإذا كان السياسي يُعنى -كما يقول أفلاطون- بشأن الحكم وفلسفته وينتمي لطبقة أهل الذهب، فإن ذلك لا يعني البتة أنه في غير حاجة لطبقة أهل الفضة الذين هم الجند والعساكر المنوط بهم مهمة الدفاع عن البيضة، وإن ذلك لا يعني أيضًا أن أهل الذهب والفضة بغير حاجة لأهل الحديد الذين هم الزراع ومنتجو الغذاء. يقول أفلاطون إن الدولة لا تستقيم إلا من خلال هذه التكاملية وحركيتها لا تستمر إلا بذلك.

  • تأسيسًا على ذلك يبدو لي أن النظرة العامة للإنسان المتدين على أنه ذلك المترهبن العازف عن حركة الحياة اليومية والزاهد بمباهجها وزينتها وخيرها وأن مسار الدين ومقصده هو ذلك، أقول إن هذه النظرة ينبغي مراجعتها في ضوء المفهومات الصحيحة للإسلام من حيث كونه مشروعًا حضاريًّا شاملًا يسع فقه الفقهاء وسياسة السياسيين وفكر المفكرين وحركة الاجتماعيين وتدبير الاقتصاديين. ومن يراجع الأوراق ويقرأ في تاريخ صدر الإسلام -الذي هو عصر اختبرت فيه جدارة الإسلام الواقعية- يرى أن الرجال الذين كانوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم يتباينون في قدراتهم وفهوماتهم وميولاتهم من حيث كونهم بشرًا يتحركون في الحياة، وأن من خلال هذا التباين في القدرة والفهم والميول كفروق فردية طبيعية بين البشر انبجست تكاملية الصحابة رضوان الله عليهم؛ فكان منهم الاقتصادي الخبير بالمال وتدبيره كعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وفهم السياسي كعمرو بن العاص والفاروق عمر بن الخطاب، ومنهم الديني الصارم النقي كالإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومصعب بن عمير، ومنهم السفراء والمفاوضون والقراء والكتبة والمحدثون والأئمة وغير ذلك من العبقريات الإنسانية. كلهم تربوا في مدرسة واحدة ونهلوا من منبع واحد تلك مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك نبع القرآن. لم يقل أحد لهم إن تلك سياسة ولا شأن لكم بها أو ذلك اقتصاد وليس هذه بضاعتكم أو هذا مجتمع فلا تدخلوه، إنما مضوا في طريقهم كل يعطي للحياة ما يستطيع ويأخذ منها ما هو نصيبه حتى بنوا حضارة تسمى الحضارة الإسلامية ما زالت آثارها جلية ما بين سينكيانغ في الصين الشيوعية وبواتييه في الجنوب الفرنسي.
  • من هنا نقول إن اعتقال الإسلام في المسجد وتقييد حرکته خارجه في كل أرجاء العالم الإسلامي مسألة بحاجة إلى نظر ومراجعة؛ لأنها تكبل الإبداع الإسلامي وتعيق حركة الإسلام الشاملة في هذا الكون العامر بالحياة. إن روعة الإسلام وعظمته وشموليته وواقعيته لا يمكن أن تبزغ إلا من خلال الحركة اليومية في المدرسة والمصنع والوزارة والجامعة والشارع والجريدة والتلفاز والإذاعة، وإن عزل الإسلام عن هذه الحركة يفقدنا الكثير من الخير العظيم الذي فيه. وإن صلاحية الإسلام لهذا العصر ولهذا الزمان لا يمكن أن تختبر إلا من خلال مزجه بعجينة الأيام العادية مع إشراقة كل صباح.
الرابط المختصر :