العنوان بين فيروس الحب وفيروس العولمة
الكاتب عبد الباري محمد الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-2000
مشاهدات 95
نشر في العدد 1402
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 30-مايو-2000
طالعتنا صحافة العالم بخطب جسيم وشر عميم أصاب ملايين الحاسبات الإلكترونية في العالم وانبرت العقول تفتش عن مصدر ذلك الفيروس الذي أصاب الحاسبات في مقتل ودمر كل معلوماتها وأصابها بالشلل التام والموت الزؤام وكان العجب العجاب أن فتاة وفتى، لا يدركان حجم ما ارتكباه من جريمة ولا يحكمهما وازع من دين أو ضمير، قاما بإرسال فيروس إلى ملايين الحاسبات بعنوان (أحبك). فإذا ما فتح المحبوب باب هذا العنوان دخل عليه في حاسبه أسد هصور، دمر كل شيء وجده وكان كالنار التي التهمت الهشيم في يوم عاصف فبددت كل شيء، ولم تغادر معلومة نافعة أو غيرها إلا أنت عليها.
وحقاً: إن من الحب ما قتل.
لقد كان الفتى والفتاة يعبثان - هكذا قالا !! يعبثان في الإنترنت المفتوحة صفحاته على لكل إنسان الحق في التصرف بما الدنيا كلها. يراه يخدم مصلحته ويحقق هدفه. وهنا تكمن الكارثة، فباسم الحرية يتم التدمير والتخريب بلا غضاضة ولا تقدير للعواقب.
وباسم الحب يدخل الفيروس إليك في عقر دارك، ويضيع عليك كل جهد بذلته، ويتركك للحسرة والألم والضيق، ومرسل الفيروس ضاحك الثغر، مرتاح الضمير، مطمئن النفس هادئ الشعور، منفرج الأساريرا!!!
يالها من فجيعة.. تلك التي تصيب المسكين الذي أراد أن يواكب ركب التقدم العلمي، ويلحق بعالم التكنولوجيا، والتطور التقني الحديث، ويالها من خيبة أمل لهؤلاء الذين قالوا : أبشروا يا موتورون في حاسباتكم المقتولة باسم الحب، فلقد اكتشفنا مرسل الفيروس، اكتشفناه، ووصلنا إليه، لكنه خبيث، ما يزال يتشكل في صور أخرى، وأصبحت السيطرة عليه غير ممكنة، لقد بدأ بلعبة في يد غرين صغيرين لا يدركان حجم المسؤولية، عبثا بالحاسب الذي بين أيديهما، وكانت النتيجة كما ترون. هذا هو فيروس الحب الذي أضر، ولا تزال آثاره تضرب أكباد الحاسبات في العالم، بلا رحمة ولا هوادة !!! فماذا عن فيروس العولمة ؟!!
لقد ضج البشر بفيروس صنعته يد غرين فماذا عساها أن تفعل الفيروس صنعته دولة ثم رسمت له الخطط وحددت لها الأطر التي تستطيع بها أن تجعل إصابته تعم بني البشر جميعاً لا تترك طفلاً صغيراً، ولا شاباً فتياً، ولا شيخاً، ولا امرأة، إلا وتسيطر عليه، تدمره أحياناً. وتذيبه فيها أحياناً أخرى، المهم أن يدرك أنها صاحبة الفضل، وأن يسبح بحمدها، ويعلن ولاءه لها، رضي بفعله هذا أم أبي.
إن فيروس العولمة دخل إلى كل البشر من كان عنده حاسب آلي، أو إبرة خياطة، دخل هذا الفيروس إلى عقر دورنا، ملك علينا مطعمنا ومشربنا وملبسنا. وتعدى ذلك إلى كل وسيلة في حياتنا، بل كاد يحدد . إن لم يكن قد فعل - طريقة تفكيرنا . لسنا ضد العولمة. لكننا نريدها عولمة حقيقية عولمة يحكمها خالق هذا الكون بعوالمه المختلفة عولمة يضبط حركتها رب الأرض والسماوات لا حفنة من البشر لا دين لهم. ولا خلاق، ولا ضمير، ولا قانون، ولا ذمة، ولا عدل ولا إيمان.
لا نريد عن سيطر عليه هواه، فاتخذه إلها له من دون الله، وأضله الله على علم، ولا نريد من دفعه الحقد البغيض للإسلام لحربه، هو الدين الذي يريد للإنسان حياة طاهرة نظيفة في ظل مجتمع مترابط اللبنات، متماسك الأجزاء.
ولا نريد ذلك الذي ملا قلبه حقداً وحسداً ويغضاً لكل خير لأنه يحمل بين جنبيه نفساً خبيثة شريرة، تنمو على الرحم، ولا تحيا إلا في المستنقعات العفنة.
ولا نريد أذناب هؤلاء وهؤلاء الذين ينعقون مع الناعقين، ويخنسون إذا ارتفعت أصوات الكافرين، ويلهثون وراء المجرمين.
بل نريد من زكت نفوسهم، وطهرت قلوبهم وحيت ضمائرهم، وأدركوا ضرورة حراسة دين الله عز وجل من عبث العابثين، وسياسة دنيا الناس بمنهج رب العالمين..
(*) أستاذ مساعد بكلية المعلمين بأبها - السعودية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل