العنوان بين فلسفة القوة وشهوة المصلحة
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2001
مشاهدات 37
نشر في العدد 1477
نشر في الصفحة 36
السبت 17-نوفمبر-2001
تبدأ حكاية غطرسة القوة الأمريكية منذ نشوء الولايات المتحدة، إذ اعتمدت القوة المجردة من أي أبعاد أخلاقية الأس المركزي في اقتلاع الجنس الهندي، وإحلال المستوطنين البيض القادمين من أوروبا الاستعمارية، ومن شاء أن يطلع على هذه الملحمة وعلى غيرها من الممارسات الأمريكية فليقرأ كتاب المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي بعنوان «الغزو مستمر».
وبمنطق القوة لا غير أصبح الموطن التاريخي للهنود الحمر وطنا للبيض الأوروبيين، بل إن هؤلاء المهاجرين توسعوا على حساب أراضي شعوب أخرى مثل المكسيك، وإذا قورنت أمريكا بالكيان الصهيوني فإن الصهاينة يسردون في سياق إثبات أحقيتهم في فلسطين دلائل تاريخية ودينية توراتية- وإن كانت كاذبة- في إطار من القوة جسدتها عمليات الاحتلال والتهجير، غير أن أمريكا أنشأت كيانها على أساس القوة فقط عبر الاحتلال والإبادة حتى الوحدة بين الولايات المتحدة تحققت أيضاً بفعل القوة عبر الحروب الأهلية الطاحنة.
ولم يتوقف اعتماد فلسفة القوة عند حدود النشأة والتكوين، بل تعداه لتستمر هذه الذهنية لتحكم عقول معظم المؤسسين والمخططين الاستراتيجيين ابتداء من جورج واشنطن مروراً بالمفكر الاستراتيجي جورج كينان صاحب استراتيجية احتواء الاتحاد السوفييتي وحتى كيسنجر الذي يقول في كتابه الأخير بعنوان «هل تحتاج أمريكا سياسة خارجية نحو دبلوماسية للقرن الحادي والعشرين والذي صدر قبل تفجيرات نيويورك، يقول: إن الدوائر العليا في المؤسسة المالية العسكرية الأنجلو أمريكية تشعر بالقلق لتخوفها من انهيار النظام الاقتصادي، وجراء ذلك فإن هذه الدوائر تحسب الحساب لوقوع حرب، وقد خمنوا وقوعها في الشرق الأوسط لكنها حدثت في أفغانستان- لتظل هذه الدوائر مسيطرة على مقاليد السلطة في العالم بأي ثمن.. وبكلمات أكثر وضوحاً يذكر كيسنجر بأنه لا حل لحالة الانهيار الاقتصادي التي يبرز بعض ملامحها إلا إشعال حرب وإقامة نظام ديكتاتوري عالمي لإدارة الأزمة، ويبدو أن تفجيرات نيويورك شكلت الفرصة السانحة لكي تحقق هذه الدوائر أحلامها بالسيطرة على مقدرات العالم، وقد أكد كيسنجر بعد التفجيرات الأخيرة هذه المفاهيم في أكثر من مقالة نشرت في الصحف الأمريكية ومنها لوس أنجلوس تايمز المقربة من المخابرات المركزية، وفي هذا السياق يمكن ملاحظة التوافق الكبير بين أمريكا وبريطانيا في قيادة الحملة الأخيرة تحت مزاعم محاربة الإرهاب.
وفي نفس الإطار يقول المفكر الاستراتيجي صاموئيل هنتجتون في مقالة له بعنوان «تآكل المصالح القومية الأمريكية»: إن عدم التجانس والاختلاف وتعدد الثقافات والانقسام إلى أجناس وأعراق، قد يجعل الولايات المتحدة تحتاج ربما أكثر من بلدان أخرى إلى جانب آخر تعارضه لكي تحتفظ بوحدتها، وتأكيداً لهذا المفهوم عبرت لجنة المصالح القومية لأمريكا عام ١٩٩٦م عن طبيعة المشكلة بالقول: بعد أربعة عقود من تكريسنا الجهود بصورة غير عادية لهدف واحد هو احتواء التوسع الشيوعي شهدنا خمس سنوات من الجهود المتقطعة غير المنتظمة وغير الموجهة لغرض معين، وإذا ما استمرت هذه الجهود فإن هذا الانسياق سوف يهدد قيمنا ومصائرنا وبالتأكيد حياتنا، ولذلك يؤكد هنتجتون وبصراحة أن الحاجة الآن ليست البحث عن قوة تخدم الأغراض التي تسعى إليها أمريكا، وليست هناك حاجة للتوازن القديم بين القدرات والالتزامات- كما يقول والتر ليبمان- إنما الحاجة للبحث عن أغراض تستخدم فيها القوة الأمريكية فائض القوة العسكرية المتوافر الآن، ولمركزية مفهوم القوة في الذهنية الاستراتيجية فإن أمريكا بعدما تراجع حجم اقتصادها من ٥٠٪ من الإنتاج العالمي في منتصف القرن الماضي إلى حوالي ٢٦% في الوقت الراهن فقد اعتمد التركيز على الشق العسكري لضمان بقاء النفوذ الأمريكي العالمي، ولأجل ذلك تنفق الولايات المتحدة أكثر من ۲۰ مليار دولار على جهود البحث العلمي المتعلقة بالشأن العسكري، ولهذا فواشنطن أصرت على الحفاظ والسيطرة على الأطر الأمنية التي تضمن وجودها في أوروبا وآسيا «حلف شمال الأطلسي في أوروبا ومعاهدة الدفاع المشترك مع اليابان» لتبقى الفارس العسكري القوي والمهيمن كما شهدت في الآونة الأخيرة ثورة المعلومات، وهي ثورة أنتجت تأثيرات بالغة على بنية التكوين الطبقي والقيمي للمجتمع الأمريكي، ومما أفرزته نزوع المواطن الأمريكي بشكل أكثر إلى عدم الرغبة في تحمل أعباء الهيمنة وما يستتبعها من سياسات.
ولعلاج هذه المعضلة عمل المفكرون الاستراتيجيون الأمريكان على إنتاج عقيدة عسكرية تتوافق مع التطور الذي حدث بالمجتمع الأمريكي، تعتمد مكوناتها على تقليل انغماس الأفراد في ميدان المعركة لخفض الخسائر البشرية عن طريق إنتاج سلاح عسكري يعتمد كثافة النيران وتدمير قدرات الخصم عن بعد وبالسرعة الممكنة، وتطوير أدوات السلاح بحيث تشمل الاستطلاع والتهديف في آن واحد وما يستتبع ذلك من دقة في التصويب، وكذلك التركيز على حرب المعلومات، وفي إطارها يتم التركيز على ضرب مراكز القيادة والسيطرة للخصم ومنع انسياب المعلومات لديه، بالإضافة إلى التفوق في قراءة المعركة لحرمان الخصم من سرعة الاستجابة للتغييرات في الميدان لضمان السيطرة عليه، وهي مفردات تم اعتمادها في حرب الخليج الثانية وضد صربيا وحالياً في أفغانستان.
ويعبر عن غطرسة القوة واستدبار النظرة العقلانية في معالجة الأحداث واستمرار سريان هذه الروح العسكرية في الذهنية الأمريكية ما يقوله نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني حول أحداث تفجيرات مركز التجاري العالمي أن الحادي عشر من سبتمبر لم يكن يوماً مثل بقية الأيام التي عشناها، ويحتاج إلى شن حرب ليست مثل أي حرب شهدناها، مضيفاً: «أن أي عقوبة ننزلها بالإرهابيين لن تبدو قاسية، وهي كلمات خطيرة تحمل في طياتها إيحاءات بإمكانية استخدام الأسلحة غير التقليدية في الحملة الحالية على أفغانستان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل