العنوان بين عام مضى... وعام آت الثوابت... والمتغيرات
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1988
مشاهدات 59
نشر في العدد 850
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 05-يناير-1988
- في عام 88 دخلت أساطیل
الدول الكبرى للخليج بحجة تأمين حرية الملاحة!
مع وصول هذا العدد من «المجتمع» إلى القارئ يكون عام 1987 قد أدبر وعام 1988
قد أقبل، ومع استعراضنا للأحداث الساخنة والمميزة والتي تمس اهتمامات القارئ العربي
بوجه خاص والقارئ المسلم بوجه عام فإننا يمكن أن نحصرها فيما يلي:
- حرب الخليج.
- الجهاد الأفغاني.
- الوضع العربي.
- القضية الفلسطينية.
فما هي العلامات الثابتة والمميزة لهذه القضايا الأربع؟ وما هي المتغيرات التي
عليها أو التي يمكن أن تطرأ عليها أو بها خلال العام الجديد؟
أولًا: حرب الخليج
الثوابت في حرب الخليج خلال العام الماضي هو إصرار إيران على خيار الحرب، وإصرار
العراق على خيار السلام، وحدوث اشتباكات متواصلة ومعارك كبرى أحيانًا دون حسم. وقد
استنزفت هذه الحرب الكثير من الأرواح والأموال وهي مرشحة لاستنزاف المزيد دون أن يلوح
في الأفق بارقة أمل في انتهاء قريب لهذه الحرب.
أما المتغيرات التي جدّت عليها فهي قرار مجلس الأمن 598 الداعي لإيقاف الحرب
وإجماع الدول الكبرى- ولو ظاهريًّا- على إيقاف هذه الحرب. ثم وصول أساطيل هذه الدول
إلى المنطقة بحجة تأمين حرية الملاحة عبر الخليج، مع استمرار تعرض الناقلات البحرية
للقصف بصورة مستمرة، دون أن تتحرك «الأساطيل» بصورة جدية لإيقاف هذا القصف، وكأن الدول
الكبرى وجدت في هذه الحرب فرصتها للوجود في هذه المنطقة بصورة مباشرة، كما وجدت منذ
بداية الحرب فرصتها لتسويق سلاحها القديم والجديد واستنزاف طاقات المنطقة الاقتصادية
على أمل إلحاقها بها سياسيًّا وشل حركتها الممكنة في اتجاه فلسطين وقضيتها.
ثانيًا: الجهاد الأفغاني:
حقق الجهاد الأفغاني خلال العام الماضي وحدة فصائله، كما حقق مزيدًا من الانتصارات
العسكرية حتى سيطر سيطرة شبه كاملة على ما يقارب 90% من الأرض الأفغانية وتطورت أسلحته
كمًّا ونوعًا وأصبح من غير الممكن بعون الله تراجع المجاهدين عن تحقيق أهدافهم الكاملة
في تحرير بلادهم من الاستعمار ومن الإلحاد، وضربوا بذلك مثلًا حيًّا في قوة المسلم
بعقيدته وفي قدرته على تحقيق النصر بعون الله.
ومن المتغيرات التي ظهرت على الساحة الأفغانية مشاريع ما يسمى بالمصالحة الوطنية
التي رفضها المجاهدون لأنها تستهدف إجهاض الجهاد الأفغاني وإحباط أهدافه التي وضعت
قبل الغزو الروسي لأفغانستان. كما بدأ الاتحاد السوفياتي يتحدث عن الانسحاب المشروط
بإيقاف الجهاد وتحقيق ما يسمى بالمصالحة وكف ما يزعمه من تدخل خارجي وفي نفس الوقت
يقوم بهجمات مستميتة محاولًا النيل من سيطرة المجاهدين على بعض المناطق الإستراتيجية.
ويجتمع غورباتشوف مع ريغان للوصول إلى «اتفاق دولي» حول القضايا الإقليمية ومن ضمنها
قضية أفغانستان، ولكن يبدو أنهما اختلفا على رسم جديد لخريطة العالم، والشيء المؤكد
أن المجاهدين الأفغان سيخيبون آمال الولايات المتحدة إن هي تصورت أن في إمكانها أن
تكون بديلًا للروس بشكل أو بآخر.
ثالثًا: الوضع العربي:
الوضع العربي الرسمي سواء في مشرقه أو في مغربه لا يزال دون الحد الأدنى المطلوب
للتضامن ولا يزال الخلاف يضرب أطنابه بين كثير من الدول العربية.
ولقد طرأ تغير إيجابي في قمة عمان الطارئة التي سميت بقمة الوفاق والاتفاق، كما
أن العلاقات الفلسطينية الأردنية عادت إلى الدوران حول القرار 242 حيث طالبت الأردن
المنظمة بالاعتراف به كأساس للعمل المشترك واعتبرته المنظمة جزءًا من قرارات الأمم
المتحدة التي تعترف بها ولم يصل الحوار بينهما حتى الآن إلى نتيجة حاسمة.
كما أن عودة العلاقات مع مصر لم يكن مشروطًا بتخليها عن اتفاقات كامب ديفيد ولا
يبدو الأفق أنها تنوي التخلي عن هذه الاتفاقات.. علمًا بأن الشعب المصري ممثلًا في
قواه الإسلامية والوطنية رفض هذه الاتفاقات منذ البداية ورفض تطبيع العلاقات مع الكيان
الصهيوني.
وفي المغرب العربي انتهى بورقيبة دون أن تنتهي البورقيبية تمامًا، وعادت العلاقات
بين تونس وليبيا، وجرت اتصالات بين المغرب والجزائر ولا تزال مشكلة الصحراء قائمة ولا
يزال مشروع وحدة دول المغرب العربي يراوح في مكانه.
رابعًا: القضية الفلسطينية
استطاع الفلسطينيون من خلال مؤتمر الجزائر تحقيق وحدة فصائل المقاومة إلى حد
كبير، رغم أن بعض الفصائل الأخرى مازالت في الخارج.. ولقد كان هناك رهان على إمكان
تحقيق هذه الوحدة.. وقد وضع الفلسطينيون بين خيار الوحدة فيما بينهم والعزلة عن بقية
العرب أو بقاء التمزق فيما بينهم واستمرار الصراع الداخلي. ولقد اختاروا الوحدة وتجاوزوا
أمر العزلة ببينهم وبين مصر والمغرب والأردن إلى حد كبير.
وزادت علاقة المنظمة توترًا مع الولايات المتحدة بعد إغلاق المكتب الإعلامي للمنظمة
في الولايات المتحدة وظل المؤتمر الدولي في علم الغيب.
ولكن شيئًا جديدًا ظهر على الساحة الفلسطينية جذب انتباه العالم كله وهو الانتفاضة
الشعبية الشاملة في فلسطين ضد الكيان الإسرائيلي واستخدام الحجارة في مواجهة الرصاص
وظهور التيار الإسلامي بارزًا وسط الجماهير الفلسطينية التي أظهرت شجاعة فائقة وتنظيمًا
دقيقًا حتى يمكن أن نقول عنها بحق إنها بداية تحول جديد في مسار القضية الفلسطينية
يعيدها إلى وضعها الحقيقي الأصيل وهو صراع بين كيان صهيوني دخيل وشعب فلسطيني أصيل،
ليس صراعًا على حدود وإنما صراع على وجود صراع حول الهوية الفلسطينية ذات الثقافة العربية
الإسلامية التي يراد لها أن تنطمس وتندثر، صراع حول فلسطين العربية الإسلامية التي
يراد لها أن تكون يهودية صهيونية، ليس صراعًا من أجل التعايش بيننا وبين يهود وإنما
صراع من أجل تحرير فلسطين من يهود.
هذه الانتفاضة أعادت الفلسطيني إلى ذاته عربيًّا مسلمًا لا يقبل الهوان وأعادت
القضية إلى طبيعتها، واستلم جيل الاحتلال زمام قضيته من جديد يعلن على الملأ: «خيبر خيبر یا یهود.. جيش محمد سوف يعود».. واهتز الكيان الصهيوني من أساسه وانقسم
أصحاب القرارت على أنفسهم بين من يطالب بالانسحاب من المناطق ذات الكثافة السكانية
الفلسطينية وبين من يطالب بتهجيرهم خارج فلسطين.
وتحرك الضمير العالمي متعاطفًا مع أبطال الحجارة على استحياء واعترف مجلس الأمن
بأراض فلسطينية محتلة وتحرك الاتحاد السوفياتي -كما قيل- يقترح على المنظمة إنشاء حكومة
فلسطينية في المنفى تكون مسؤولة قانونيًّا أمام الشرعية الدولية عن هذه الأراضي المحتلة،
وعادت المطالبة بعقد المؤتمر الدولي لبحث ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط، واجتمعت اللجنة
التنفيذية للمنظمة في تونس لبحث موضوع الحكومة الفلسطينية التي سبق للسادات أن اقترحها
وقررت أن الموضوع يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتشاور عربيًّا وعالميًّا.
ومع أن الانتفاضة مازالت مستمرة رغم كل القمع الصهيوني وكل الضحايا من الشهداء
والمصابين والمعتقلين، ورغم التجويع والتعطيش والحصار إلا أنه من المتوقع أن تزداد
الانتفاضة قوة في ذكرى انطلاق الرصاصة الأولى ليلة 31/12/1964 و1/1/1965 في الثورة
الفلسطينية المعاصرة لتعلن على الملأ أن فلسطين عربية إسلامية وأنها ستبقى كذلك مهما
طال ظلام الاحتلال.
وإذا كانت الحجارة اليوم هي وسائل المقاومة فستظهر عما قريب بإذن الله أسلحة
أكثر فتكًا لمواجهة الآلة العسكرية الصهيونية وسيكتشف اليهود أن لا بقاء لهم في فلسطين
وستدب الحمية بين المسلمين كافة لنصرة الجهاد الفلسطيني حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني
من المستوطنين والغزاة، (وما النصر إلا من عند الله).