العنوان بين بيع الخمور وبيع الأمم! أستفتيك يا مفتي الديار.. فهل تفتيني؟
الكاتب أسماء محمد أحمد
تاريخ النشر السبت 07-يناير-2006
مشاهدات 61
نشر في العدد 1684
نشر في الصفحة 46
السبت 07-يناير-2006
(*) ماجيستير العلوم الإسلامية – كلية دار العلوم -القاهرة
لقد عجبت أيما عجب من فتواكم بإباحة بيع المسلم للخمر في دولة غير إسلامية في الوقت الذي تغيبون فيه عما يجرى على أرض الوطن
كيف ستعتذرون أمام رب السموات والأرض وأنتم تسمعون وترون حقيقة الإسلام وقيمه ومبادئه تنهش نهشا؟
وكيف ترون سرقة الحكم وإذلال الناس وإضاعة الحقوق ونشر الرشا وشراء الذمم وقتل الناخبين؟
بينما كنت الغالب في نفسي رغبتها في عتاب مفتي الديار المصرية إزاء غيابه وغياب أمثاله من علماء الأمة عن الإدلاء برأيهم فيما جرى من أحداث الانتخابات المصرية جاءت فتواه الأخيرة بإباحة أن يبيع المسلم في دولة غير إسلامية الخمور لغير المسلمين لتقطع هذه المغالبة في رغبة العتاب، بل لتتحول رغبة العتاب إلى إحساس بمسؤولية النصح التي بايع عليها المسلمون رسول الله حين قالوا وبايعناه على النصح لكل مسلم ومع النصح يا فضيلة المفتي مرارة في القلب وغصة في الحلق.
لقد عجبت أيما عجب من إسراعكم إلى مثل هذه الفتاوى وغيابكم عما جرى ويجري على أرض الوطن، ودعك من هذه الفتوى الأخيرة التي لا أرى أحدًا من الأمة سيرتاح لها قلبًا أو ضميرًا حتى الشباب الذين تضطرهم الظروف القهرية إليها ستظل قلوبهم مضطربة حتى يفتح الله لهم باب فرج غير أن خطر هذه الفتوى سيبقى قائمًا عند بعض النفوس حين تضعف أنها تمنحها شيئًا من التبرير لبقائها في حالة الفساد التي تبيح له الفتوى أن يحيا بها، وعلى أقل تقدير تضعف مقاومته للفساد والشر، فضلًا عن أنها تفقدنا الأمل الأبعد في أن يكون هذا الشباب في هذه الأرض رفد الدعوة ومدد الإسلام، وهو ما يمثله قطاع عريض من شباب الإسلام في الغرب بحمد الله – ثم هل أفتيتم بهذا مدركين حقيقة الواقع الذي يعيشه المسلمون هناك وهو واقع لا تنغلق أبواب الرزق الحلال فيه إلى هذا الحد الذي يحوجهم إلى ولوح أبواب الفساد خاصة وانتم تستندون في فتواكم إلى رأي قديم للحنفية بإباحة العقود الفاسدة في ديار غير المسلمين، وكم رأينا -نحن الذين عشنا سنين في الغرب- من شباب هاجر لم يكن يلقي الدين بالا فإذا بالتحدي الحضاري بدفعه إلى التعرف بل العودة الحميمة إلى دينه، فلماذا تفتح للشر أبوابًا جديدة بينما ينجح الشباب، وبدون مثل هذه الفتاوى، في مغالية ظروفهم؟ ثم ماذا بعد أن تحل له بيع الخمر، هل سيبيعها على أبواب المساجد أم سيبيعها في أماكن الخلاعة ومحاضن الفجور؟
دعني من هذه الفتوى الآن، فما أهمني حقا هو غياب فضيلة المفتي وشيخ الأزهر عن حياتنا كمصريين، وبينما تقف ثلة ظاهرة من شباب الأمة تنافع عن هذا الدين العظيم كمشروع حضاري إصلاحي قادر بإخبار الله -عز وجل- وبالممارسة التاريخية التي تمت في أيام خاليات وضيئة على إسعاد كل من يستظل بلوائه مسلمًا وغير مسلم بينما يحدث ذلك يبحث المرء عن علماء الأمة خاصة الجالسين منهم على كراسي الإفتاء وسدة المؤسسات العلمية فلا يحس منهم من أحد أو يسمع لهم ركزًا.
لقد كنت واحدة، «د. علي» من الكثيرين في هذا البلد العظيم الذين استبشروا بمجيئك لهذا الكرسي الجليل، وحلمنا أن تشهد للإفتاء مجدًا جديدًا بعيش الأم الأمة وأمالها، يشاركها مشورة وصلاحًا وإصلاحًا يقدم الرأي الشرعي والأنموذج الحضاري الإسلامي لكل حادث وحديث. يمنحنا خطة العمل المبدئية التي تسير عليها الأمة وتستهدي بهداها وتقلل من بؤر التوتر والخلاف وسوء الفهم بين طوائف الأمة بكافة الرؤى والمذاهب.
لكن الذي حدث شيء آخر أن الأمة. تنزف دمًا وكأنكم لستم في دنياها. ليس المهم يا سيدي أن تعرف الحق، ولكن المهم أن نقوله وتعلنه حتى لا تفسد الشريعة ويضل الناس.
أين أنتم يا دكتور؟ وما رأيكم في المرحلة المقبلة علينا؟ من الضياع الاجتماعي والأخلاقي الذي شهدناه من أهل السلطة ومن بعض المنتسبين زورًا إلى الفكر، والذين قبلوا أن يمثلوا منابر مجلس الشعب بأصوات منافسيهم وبتزوير إرادة الناخبين ليتكلموا بعد ذلك في سن قوانين العدل والإصلاح
مرجعية الدولة الإسلامية
ما رأيكم بأفضلية المفتي في مسألة المرجعية الإسلامية للدولة المدنية؟ ما قولكم في كون القرآن الكريم حجة على الناس ومصدرًا تشريعيًا يلزم المسلمين أن يتبعوه، وأن الإسلام شريعة إلهية غايتها تحقيق مصالح الناس والعدل بينهم؟
هل يخطئ الإسلاميون، بل هل يخطئ المسلمون حين يؤمنون إيمانًا جازمًا بأن الله -عز وجل- الذي أوجد هذه العالم قد أوجد فيه قانون بقائه الذي هو شرعته ومنهاجه القائم على جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم، وهو المقصد العام للشريعة الإسلامية هل يخطئون حين يؤمنون بهذا يا فضيلة المفتي؟ هل يجوز لكل صاحب رأي وضعي أو ولي أن يعلن هويته ويحرم على المسلم أن يتبنى رؤية الإسلام، وبعدها هويته ومرجعيته؟ ما تعريفكم للسياسة في ضوء شرع الله؟ ولین موقفكم من صلة الدين بالدولة، وصلة الدين بالسياسة؟ وهل يصح في شرع الله الفصل بينهما؟ هل يصلح دين، لا يهتم بالسياسة التي هي رعاية مصالح العبادة وهل تصبح سياسة، لا تستهدي بقيم الحق والعدل والمساواة التي هي قيم الإسلام؟
هل هذا الدين -الذي أنتم أولى الناس بالحديث عنه- رسالة إصلاح عالمية حقًا؟ أم تواه ينبغي أن يقبع في زوايا المساجد والفرقات المظلمة فلا يقحم نفسه في حياة الناس.
كيف ستعتذرون أمام رب السماوات والأرض وانتم تسمعون وترون كيف تنهش حقيقة الإسلام وقيمه ومبادئه ويشكك في أهليته مرجعًا وحكمًا على يد العلمانيين واليساريين، ومن لا فكر لهم؟
كيف ترون سرقة الحكم وإدلال الناس وإضاعة الحقوق وفشو الرشاء وشراء الدعم وقتل الناخبين وخيانة الله ورسوله باختيار من نعلم أن في غيره الخير، ومع ذلك نختاره؟
سرقة الحكم
لماذا تتركون الذين يحملون المشروع الحضاري الإسلامي وحدهم في الميدان دون دعم فكري ومرجعي -موافق لهم أو مخالف- المهم أن يكون مؤصلًا تأصيلًا شرعيًا دقيقًا؟
إن بين الاستبداد والظلم -يا سيدي- وبين غياب العلماء وتراخيهم في نصرة قضايانا نسبًا قديمًا، وسببًا متينًا، وإن سكوت العلماء عن الإدلاء برأي الدين فيما يجري حولهم لا يقل شرًا عن بيع الأمة وسرقة إرادتها واللعب بمقدراتها وتاريخها، فالعلم هو قاعدة السياسة، أو هكذا ينبغي له أن يكون.
وإن لوم هؤلاء الحكام قد يقل عندما ندرك أن هؤلاء الحكام لم يتربوا على الدين لم يدرسوه، لم يعرفوا ربما حقيقة المنهج الرباني ومراد الله من خلقه على النحو الذي يعرفه العلماء، وربما لو عرفوه حقًا لساروا في طريقه وحملوا رايته، ويبقى العتاب الأكبر موجها العلماء الأمة وقادة فكرها وسياستها، أو هكذا ينبغي أن يكون الأمر.
لابد أن يدرك العاملون في هذه المؤسسات الدينية المسؤولية الملقاة على عوائقهم حقًا وأن يقدروا تبعة الجلسة على هذه الكراسي التي ستزول حتمًا وستبقى كلمة الحق تصنع للرجال تاريخًا، وتضمن لهم في الجنة منزلًا.
إنها معركة واضحة لا لبس فيها بين الحق والباطل ولا يجوز فيها الحياد، وإن هذا الموقف السلبي الذي تقضونه يسيء إلى الإسلام إساءة بالغة ويطمع الدعوات المتحدة أن تمتد حيث ينكمش الإسلام والدين يا علماء الأمة وسادتها ليس بضاعة تباع للناس في بطون الكتب وحسب، وليس كلامًا تنقله في حلقات الوسط ودروس الفقه العتيق المرتبط بظروف خاصة وبيئة زمانية ومكانية مختلفة علي على بعضه الزمان فلم بعد يثمر إلا نغمة عقلية نظرية لا أثر لها في حياة الناس.
تلزمكم الحجة
أيها العلماء الدين لا يمكن أن يعيش على هامش الحياة يجب أن تحددوا موافقكم إزاء ما يجري، بل يجب عليكم الآن أن تفتونا في تساؤلاتنا، وقد استفتيناكم وتلزمكم الحجة أمام حاكم السموات والأرض وإلا تفعلوا فإنكم تكونون مضيعين لما فندكم الله من أمر هذه الأمة ومن المسؤولية أمام الله عز وجل عن إصلاح دين الناس ودنياهم، أليس قد أخذ الله عليكم الميثاق لتبيننه للناس ولا تكتمونه؟
إن الوقوف مكتوفي الأيدي أمام الإفتئات المستمر على دين الله وشريعته كان ما يحدث لا يدخل في الدائرة التي يختص الدين بالفتوى فيها أمر يدعو للدهشة وإذا لم يسمع صوت هم الدين الآن في مثل هذه المعارك التي تباع فيها الأمة، فمتى يسمع؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل